تشير الإحصائيات الإسرائيلية الرسمية الأخيرة إلى أن نسبة مشاركة النساء الفلسطينيات من القدس العربية المحتلة في سوق العمل لا تزال متدنية جدا، بالمقارنة مع نسبة مشاركة النساء في قوة العمل في إسرائيل عامة بل وبالمقارنة مع نسبة مشاركة النساء العربيات في إسرائيل في قوة العمل أيضا.

فقد بلغت هذه النسب بين النساء في سن 25- 64 عاما في العام 2016: 22%، 75% و 35% على التوالي. وتعكس هذه المعدلات زيادة ملحوظة في مشاركة النساء الإسرائيليات عموما والنساء العربيات في إسرائيل في قوة العمل خلال السنوات الأخيرة، بينما تبين بقاء النسبة على حالها تقريبا بين النساء الفلسطينيات في القدس العربية خلال السنوات ذاتها.

هذه الزيادة المشار إليها تحققت بفضل خطط وضعتها الحكومة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة وخطوات عملية انبثقت منها استهدفت تشجيع خروج النساء إلى سوق العمل في إسرائيل، إلا أنها لم تشمل النساء الفلسطينيات في القدس العربية، فظلت المعيقات الخاصة التي تحول دون انضمام المزيد من هؤلاء النساء إلى قوة العمل على حالها.

في دراسة جديدة صدرت عن "معهد القدس لبحث السياسات" مؤخرا، تحت عنوان "القوة الكامنة، اقتصاديا واجتماعيا، في خروج النساء العربيات في القدس إلى سوق العمل"، حاول معدّا الدراسة، يميت نفتالي ويوفال شيفطان، تحديد تلك المعيقات ـ دون أي ذكر، بالطبع، لسياسة التمييز الرسمية التي تطال مختلف جوانب الحياة، التعليمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية في القدس العربية تحديدا، وفي منحى واضح يكرس منهج الفصل بين القدس المحتلة ومناطق الضفة الغربية الأخرى ـ فوجدا أن أبرزها هي: 1. اللغة، إذ أن غالبية النساء الفلسطينيات في القدس العربية لا تجيد اللغة العبرية، مما يحول دون انخراط أعداد أخرى من هؤلاء النساء في سوق العمل الإسرائيلية؛ 2. معدلات التسرب المرتفعة من جهاز التعليم في القدس العربية، والتي تقلص إلى حد كبير جدا فرص التأهيل المهني؛ 3. تفضيل النساء الفلسطينيات في القدس العربية العمل في داخل البلدة القديمة، وذلك بالاستناد إلى استطلاع أجراه مؤخرا "مركز ريان للتوجيه المهني والتشغيل للمجتمع العربي، الدرزي والشركسي"، إذ تبين منه أن 75% من النساء المقدسيات في مختلف أحياء المدينة (مقابل 25% من الرجال المقدسيين) يفضلن العمل في داخل البلدة القديمة، على خلفية "الوضع الأمني العام والشخصي".

تحاول هذه الدراسة وضع تقدير عيني للفائدة الاقتصادية والاجتماعية المحتملة من انضمام المزيد من النساء الفلسطينيات في القدس العربية إلى سوق العمل، بالبناء على "تقدير الزيادة الممكنة في قوة العمل"، من خلال سيناريوهين اثنين: الأول ـ تساوي نسبة النساء المقدسيات في قوة العمل مع نسبة النساء العربيات العاملات في إسرائيل، أي بلوغها 35% من النساء المقدسيات، وهو ما "يعتبر هدفا أكثر احتمالا وواقعية" من تساوي نسبة الفلسطينيات المقدسيات العاملات مع نسبة النساء المقدسيات العاملات عامة (58%)؛ الثاني ـ ارتفاع نسبة الفلسطينيات المقدسيات العاملات إلى 41%، وهي النسبة التي حددها "تقرير لجنة أكشطاين" هدفا لتشغيل النساء العربيات في العام 2020.

يقوم تقدير الفائدة الاقتصادية الناجمة عن انضمام النساء إلى سوق العمل في المدى القصير على قياس "إنتاجية العمل"، أي: قيمة المنتجات والخدمات التي تُنتجها العاملة. وتقاس "إنتاجية العمل" في إسرائيل بقسمة الناتج المحلي الإجمالي على عدد ساعات العمل، وهو ما يدل على "الناتج المتوسط لساعة العمل الواحدة". ونظرا لانعدام أية معطيات عن "إنتاجية العمل" بين النساء الفلسطينيات في القدس العربية، اختار الباحثان قياس هذه الانتاجية بالاستناد إلى معطيات الأجور. ويفسران خيارهما هذا بمبررين اثنين: أ. غالبية النساء الفلسطينيات المقدسيات العاملات تعمل في مجالين رئيسيين ـ التعليم (1ر49%) والصحة، الرفاه والخدمات الاجتماعية (8ر23%). وعليه، يمكن الافتراض بأن النساء الجديدات اللاتي سينخرطن في سوق العمل سينضممن، في المرحلة الأولى على الأقل، إلى ما يمكن اعتباره "القطاع العام (91% من مجال التعليم قطاع عام). ونظرا لأن المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي في القطاع العام تُقاس حسب أجور العاملين فيه، فمن الواجب قياس "إنتاجية العمل" حسب الأجور؛ ب. حتى لو لم يكن القطاع العام هو مجال العمل الأساس الذي ستنضم إليه العاملات الجديدات، فبالنظر إلى المكانة الاجتماعية ـ الاقتصادية وإلى غياب التأهيل المهني الجيد والمناسب لمتطلبات سوق العمل، يمكن الافتراض بأن إنتاجية عمل هؤلاء النساء لن تزيد عن متوسط أجورهن بكثير.

معطيات وتوقعات

تشير المعطيات الرسمية المتوفرة عن العام 2016 (كتاب الإحصاء الرسمي الصادر في العام 2018) إلى أن عدد النساء الفلسطينيات المقدسيات المشاركات في قوة العمل قد بلغ، في تلك السنة، 1ر13 ألف سيدة في سن 25 – 64 عاماً. وبافتراض أن نسبتهن سترتفع من 20% في المتوسط (18% في العام 2014 و22% في العام 2016) إلى 35%، فهذا يعني تحقيق زيادة عددية إجمالية (غير صافية) تبلغ 9755 سيدة عاملة جديدة. ومع حسم نسبة البطالة، التي تبلغ اليوم 9% من النساء الفلسطينيات المقدسيات، تكون الزيادة العددية الصافية 8877 عاملة فلسطينية جديدة. أما في السيناريو الثاني، المستند إلى "تقرير لجنة أكشطاين" المذكور، فإن الزيادة العددية غير الصافية ستبلغ 13713 وظيفة جديدة، أي زيادة صافية مقدراها 12478 وظيفة جديدة (بعد حسم نسبة البطالة)، تعني ارتفاع نسبة النساء الفلسطينيات المقدسيات إلى 41%.

بلغ متوسط أجور النساء العربيات في سن 25- 64 عاماً في إسرائيل عموما، في العام 2016، 5022 شيكلا (غير صاف) في الشهر، غير أن متوسط أجور النساء الفلسطينيات المقدسيات العاملات هو أقل من ذلك، إذ بلغ في العام المذكور (2016) 4296 شيكلا (غير صاف). ومن هنا، فإن الفائدة الاقتصادية المتوقعة من الزيادة في نسبة مشاركة النساء الفلسطينيات في سوق العمل، في سيناريو تساويها مع نسبة النساء العربيات العاملات في داخل إسرائيل، تقدر بنحو 38 مليون شيكل في الشهر، أي نحو 457 مليون شيكل في السنة. أما في السيناريو الآخر، الأكثر تفاؤلا (حسب "تقرير أكشطاين")، فستبلغ الزيادة في الناتج الإجمالي المحلي نحو 3ر53 مليون شيكل في الشهر، أي نحو 643 مليون شيكل في السنة.

"الإضافة المحليةالجدية" وانعكاساتها

يقول معدا الدراسة إن هذه الزيادة، التي تتراوح بين 457 و643 مليون شيكل في السنة، "تبدو إضافة ضئيلة للاقتصاد الإسرائيلي عموما" (زيادة تتراوح بين 04ر0% و055ر0% في الناتج المحلي الإجمالي)، إلا أن "النظر إليها بمنظار الاقتصاد المقدسي المحلي عامة، والمقدسي الشرقي خاصة، يبين أنها زيادة جدية جدا". ذلك أن مجموع مداخيل الفلسطينيين المقدسيين العاملين يبلغ نحو 3ر5 مليار شيكل في السنة، ما يعني أن الزيادة المتوقعة من ارتفاع نسبة الفلسطينيات المقدسيات العاملات وتساويها مع نسبة العربيات العاملات في داخل إسرائيل ـ 35% (أي، زيادة نحو 457 مليون شيكل سنويا) تعادل زيادة سنوية بنسبة 9% في إجمالي مداخيل الفلسطينيين المقدسيين العاملين (رجالا ونساء)، بينما الزيادة المتوقعة من ارتفاع نسبتهن حسب "تقرير أكشطاين" ـ 41% (أي، زيادة نحو 643 مليون شيكل في السنة) تعادل زيادة سنوية بنسبة 12% في إجمالي تلك المداخيل.

لمثل هذه الزيادة في مداخيل الفلسطينيين المقدسيين "انعكاسات واسعة وهامة، بالتأكيد، على وضعهم الاقتصادي ـ الاجتماعي وعلى قوتهم الشرائية ستتجسد في تحسين مستوى المعيشة" لدى العائلات المقدسية الفلسطينية، كما يؤكد معدا الدراسة، لكنها (الزيادة) "لا تضمن إخراج عدد كبير من تلك العائلات من دائرة الفقر"، وخاصة على ضوء تدني متوسط الأجور التي يحصل عليها المقدسيون العاملون، سواء من الرجال أو من النساء.

إضافة إلى الفائدة الاقتصادية المترتبة على اتساع دائرة الفلسطينيات المقدسيات العاملات، كما أوضحتها الدراسة آنفا، "ينبغي النظر، أيضا، إلى التأثيرات الاجتماعية المترتبة عليها"، كما يقول الباحثان، مشيرين إلى أن "هذه التأثيرات الاجتماعية غير القابلة للتقدير الكمي في المدى القريب"، تشمل، من بين ما تشمله: "انخراط السكان العرب المقدسيين في سوق العمل، الانكشاف الثقافي الذي قد يخلق سيرورات تحديثية، تعزيز القطاع النسائي من خلال الاستقلال الاقتصادي وتغيير المفاهيم بشأن مكانة العرب في القدس كمجموعة سكانية مساهمة في اقتصاد المدينة"! بمعنى، تعميق "دمج" الفلسطينيين المقدسيين في المجتمع الإسرائيلي، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، مقابل تعميق الفصل بينهم وبين أبناء الشعب الفلسطيني الآخرين في المناطق الأخرى من الضفة الغربية. وهذا ما يرى الباحثان أنه "يستوجب استعداد السلطات المختصة وذات العلاقة، في الحكومة الإسرائيلية وفي بلدية القدس، لتوسيع وتطبيق الخطوات اللازمة لضمان زيادة مشاركة النساء العربيات في القدس في قوة العمل، مثلما حصل في أماكن أخرى، من ضمنها القطاع العربي في إسرائيل، مع ما يفرضه الواقع من ملاءمة هذه الإجراءات للظروف الخاصة والمميزة للنساء العربيات في القدس".

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأحد, أغسطس 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية