أبدى المئات من الأساتذة الجامعيين معارضة شديدة للقانون الجديد الذي ينصّ على إخضاع "المؤسسات الأكاديمية" في المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية لمسؤولية "مجلس التعليم العالي" في إسرائيل، وذلك في بيان مفتوح نُشر في بعض الصحف الإسرائيلية ووقع عليه نحو 220 أستاذا جامعيا، من بينهم حائزون على "جائزة إسرائيل" وجوائز دولية مختلفة.

ووجه الأساتذة الجامعيون نقدا شديدا للهيئتين الأكاديميتين الضالعتين في تشريع هذا القانون الجديد، سواء بالصمت أو بالتصويت الفعلي تأييدا له، وهما "مجلس التعليم العالي" و"لجنة رؤساء الجامعات" اللتين تمثلان الأكاديميا الإسرائيلية عامة وتنطقان باسمها رسميا. وقد اعتبر بعض الأساتذة الجامعيين الإسرائيليين هذا الصمت وهذا التأييد "خيانة فاضحة ومشينة للقيم الأكاديمية ولمسؤوليات هؤلاء الرؤساء المباشرة".

وكان "مجلس التعليم العالي" قد أعلن، على لسان ممثله في جلسة لجنة التربية والتعليم التابعة للكنيست، أنه يؤيد مشروع القانون و"يؤيد فرض القانون الإسرائيلي على المؤسسات الأكاديمية في المناطق". ونقلت بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية عن "مصادر في مجلس التعليم العالي" قولها إن "موقف المجلس بشأن اقتراح القانون عُرض على أعضاء المجلس كإملاء تشريعيّ ولم تجر مناقشته أو المصادقة عليه من جانبهم"! وأضافت تلك المصادر القول إن "أعضاء مجلس التعليم العالي تلقوا تقريرا ضبابيا حول الموضوع استمر بضع دقائق فقط، دون أي بلاغ مسبق ودون تمكينهم من إبداء آرائهم، بل قيل لهم بصورة واضحة إنهم لا يستطيعون مناقشة الموضوع"!

أما الرد الرسمي الذي صدر عن "مجلس التعليم العالي" فقال إن "قرار تطبيق صلاحيات المجلس على منطقة يهودا والسامرة (الضفة الغربية) هو قرار القيادة السياسية"، ما يعني تجريد "المجلس" من أية صلاحية أو رأي في هذا الشأن، تجريدا تاما!
من جانبها، اختارت "لجنة رؤساء الجامعات" عدم حضور جلسة لجنة التربية والتعليم، بتاتا، بذريعة أنها "ليست طرفا في الموضوع"!! وهو الموقف ذاته الذي أعلنته "الأكاديمية القومية للعلوم" أيضا. لكن "لجنة رؤساء الجامعات" أوضحت أن موقفها المتخاذل هذا "ناجم عن واقع تحول السجال العام إلى سجال سياسي خالص، لا يمكن للجامعات أن تكون جزءا منه وشريكا فيه"! ونقلت إحدى الصحف الإسرائيلية عن "بعض رؤساء الجامعات" قولهم "في أحاديث داخلية" إنهم لا يؤمنون بقدرتهم على التصدي لمشروع القانون الجديد وصدّه وإنهم "يخشون ردة فعل الوزير بينيت"!!

ووصف عدد من الأساتذة الجامعيين موقف رؤساء الجامعات وتبريراتهم هذه بأنها "دليل دامغ على نجاح الحرب الشرسة التي يشنها اليمين عامة ضد التعليم العالي، من حملات حركة "إم ترتسو" وحتى "مدونة الأخلاق" التي وضعها البروفسور آسا كاشير بطلب وتوكيل مباشرين من الوزير بينيت"، بمعنى نجاح هذه الحرب في ترهيب رؤساء الجامعات وأعضاء "مجلس التعليم العالي" ومنعهم من التعبير عن موقف واضح وحازم في معارضة ورفض كل ما يشكل انتهاكا للقيم والحريات والمعايير الأكاديمية.

وقال الأساتذة إن "رؤساء الجامعات فضلوا ممارسة حق الصمت على حق الصراخ فساهموا، بذلك، في شرعنة ضم المؤسسات في المناطق ودفع جهاز التعليم العالي كله إلى حضيض أخلاقي. فللأكاديميا دور اجتماعي أكثر أهمية من مواصلة إرضاء السلطة الحاكمة ومسؤوليها".

وبعد إقرار الكنيست مشروع القانون الجديد بالقراءة التمهيدية، أصدرت "جمعية علم الاجتماع الإسرائيلية" بيانا نددت فيه بالقانون الذي "يجرّ نساء ورجال الأكاديميا في المؤسسات الجامعية في إسرائيل إلى تأييد ودعم الاحتلال ومبادرات الضم" و"يستدعي المقاطعة الأكاديمية الدولية، على خلفية مشاركتنا في أنشطة علمية في المناطق المحتلة"، كما قال البيان.

لكنّ جل اهتمام الأساتذة الجامعيين الإسرائيليين ومبعث قلقهم الأساس في سياق الحديث عن مشروع القانون الجديد يتمحور في هاجسين اثنين مركزيين: الأول ـ مكانة الأكاديميا الإسرائيلية ومستقبل الأبحاث العلمية فيها؛ والثاني ـ حركة المقاطعة الدولية ضد إسرائيل، وفي مركزها المقاطعة الأكاديمية ضد الجامعات الإسرائيلية.

في مسألة التمويل الأوروبي، يدور الحديث أساسا عما يتضمنه مشروع القانون الجديد من خرق فاضح للتعهدات التي وقعت عليها إسرائيل في إطار العديد من اتفاقيات التعاون المعقودة بينها وبين الاتحاد الأوروبي، والتي توفر مصادر التمويل الأساسية للأنشطة العلمية والبحثية الإسرائيلية. جميع هذه الاتفاقيات، والتي أهمها وأكبرها هي اتفاقية التعاون العلمي المعروفة باسم "هورايزون 2020"، تشترط على إسرائيل الفصل التام بين المؤسسات الأكاديمية في داخل إسرائيل وبين "المؤسسات الأكاديمية" القائمة في المناطق الفلسطينية المحتلة (أي في المستوطنات الإسرائيلية). وفي إطار تلك الاتفاقيات، وقعت إسرائيل على تعهدات بالمحافظة على هذا الفصل الواضح والتام وبعدم تحويل أية مبالغ من أموال الدعم تلك إلى المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

والشروط نفسها يضعها، أيضا، "الصندوق الثنائي القومية الإسرائيلي ـ الأميركي"، الذي يشكل أحد أكبر الصناديق الداعمة والممولة للأبحاث العلمية الإسرائيلية، علاوة على أن هذا الصندوق لا يقبل أية مقترحات بحثية من المستوطنات.

يجزم البروفسور إيال شاني، أستاذ القانون الدولي في "الجامعة العبرية" في القدس، بأن "إلغاء الفصل بين الأكاديميا الإسرائيلية وتلك القائمة في المناطق (المحتلة) سيعرّض علاقات جهاز التعليم العالي الإسرائيلي مع مؤسسات وهيئات في الخارج، وفي أوروبا بالذات، لخطر جسيم"!

ويقول البروفسور ألون هرئيل، أستاذ القانون في الجامعة ذاتها، إن اقتراح القانون الجديد قد يؤدي إلى "انزلاق المقاطعة المعلنة والسارية ضد مؤسسات أكاديمية في المناطق إلى مؤسسات في داخل الخط الأخضر أيضا". ويضيف: "من الغريب أن هذه الحكومة تشن حربا ضروسا ضد حركة المقاطعة (BDS) ومؤيديها، من جهة، بينما تقدم لها ولهم على طبق من ذهب هدية نفيسة هي الأدوات الدعائية اللازمة لشل نشاط الأكاديميا الإسرائيلية".

نتائج كارثية على العلوم والأبحاث

في رأي البروفسور مانويل تراختنبرغ، عضو الكنيست السابق (المعسكر الصهيوني) والرئيس السابق للجنة التخطيط والتمويل في "مجلس التعليم العالي"، فإن من شأن هذا الخرق أن "يُقصي إسرائيل من اتفاقية التعاون المسماة هورايزون 2020 بصورة فورية ومباشرة، علما بأن مردود هذه الاتفاقية على الجامعات الإسرائيلية بعادل مئات ملايين اليورو سنويا". وأضاف تراختنبرغ: "ستكون للتضحية بالعلوم والأبحاث الإسرائيلية على مذبح فرض القانون الإسرائيلي على مناطق يهودا والسامرة نتائج كارثية".

يرى البروفسور زئيف شطرنهل، أستاذ العلوم السياسية، أن الحكومة الإسرائيلية نسيت، بدفعها مشروع القانون الجديد، أنه "إذا ما أصبحت المناطق جزءا من إسرائيل، فلن تسري عليها الأحكام التي تسري على إسرائيل، وإنما ستسري على إسرائيل الأحكام المخصصة للمناطق، وهو ما يعني إبقاءها (إسرائيل) خارج جدران العالم الأكاديمي الأوروبي". بكلمات أخرى: "سيتم قطع أنابيب الأكسجين المتمثل في أموال الاتحاد الأوروبي عن مؤسسات البحث العلمي الإسرائيلية"!

ويشدد شطرنهل على أن "ليس ثمة قرار يمكن أن يضرّ بالبحث، وخاصة التجريبي، ولذلك بمستقبل العلوم الإسرائيلية، أكثر من القرار الذي يمحو ويزيل الخط الفاصل بين إسرائيل والمناطق". ويشير إلى أن عامة الجمهور في إسرائيل لا تعرف ولا تعي أهمية الدعم الأوروبي في تمويل الأبحاث العلمية الإسرائيلية. ثم يتساءل: "ما الذي سيحصل عندما يعلن الاتحاد الأوروبي أنه لا يعترف بشرعية النشاط الأكاديمي في ما وراء الخط الأخضر، ثم يقوم بإجراء تقليص حاد جدا في ميزانيات الدعم التي يقدمها لتمويل الأبحاث؟"، ويقول: "يجدر برؤساء الجامعات أن يخرجوا من ملجئهم ويبلغوا الحكومة بأن على الجامعات مسؤولية قومية وأنها لن ترضى بأن تكون أداة طيعة لخدمة مصالح السلطة الحاكمة".

ويؤكد البروفسور عميرام غولدبلوم أنه "إذا ما استكمل الكنيست عملية تشريع القانون الجديد، حقا"، فسيشكل هذا "ضربة قاصمة للأكاديميا الإسرائيلية، لصناعات التكنولوجيا الدقيقة (الهايتك) وللاختراعات والاكتشافات العلمية في الجامعات ومعاهد الأبحاث". ويضيف أنه "من الصعب التفكير بهدية أكثر أهمية وإسعاداً لحركة المقاطعة BDS".

ويفصّل غولدبلوم ما يمكن أن يترتب على سن هذا القانون من نتائج فورية ومباشرة، من بينها: تجفيف وإلغاء مصادر أساسية من خارج البلاد معتمدة لتمويل الأبحاث العلمية الإسرائيلية في مختلف المجالات العلمية؛ إحجام آلاف الطلاب الإسرائيليين الذين يستكملون دراساتهم الأكاديمية في خارج البلاد عن العودة إليها، على ضوء ما سيلحق بمجال البحث العلمي في إسرائيل من ضرر جسيم جراء المقاطعة، المعلنة والخفية؛ امتناع مجلات علمية عالمية رائدة عن نشر مقالات وأبحاث علمية لباحثين إسرائيليين "بحجج وذرائع مختلفة"!؛ انسداد الآفاق والفرص أمام خريجي الجامعات الإسرائيلية الذين يرغبون في استكمال دراساتهم العليا في خارج البلاد، ثم يقول: "من المؤكد أن هذا القانون سيكون وصفة موثوقة لتسونامي ضد العلوم الإسرائيلية".

ثم يتحدث غولدبلوم عن "الأبارتهايد الذي تعيش فيه جامعة أريئيل وأريئيل ذاتها ـ المستوطنة ذات الـ 200 ألف مستوطن، المحاطة بقرى وبلدات فلسطينية يعيش فيها نحو 50 ألف فلسطيني تحت نظام الفصل العنصري"، ويخلص إلى القول: "علاوة على الاشمئزاز العميق الذي يثيره الربط المقتَرَح في مشروع القانون الجديد بين أريئيل والمؤسسات الأكاديمية في إسرائيل، ثمة في الأمر خطر جسيم جدا على هذه المؤسسات. لكن حكومة إسرائيل مستعدة لتدمير الأكاديميا مقابل الفوز بدعم المستوطنين، الذين هم الجيش الأساسي الذي تبقى لليمين في الشارع".

 

 

الخميس, يوليو 19, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية