قال تقرير جديد أصدرته منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان بالاشتراك مع "مركز الدفاع عن الفرد"، حول اعتقال الفتيان الفلسطينيين في القدس الشرقية المحتلة، إنه يجري اقتياد الفتيان في القدس الشرقية من أسرّتهم في عتمة الليل، وتكبيلهم بالأصفاد دون أيّ مبرّر، وتركهم لفترات طويلة في انتظار التحقيق معهم. وفقط بعد هذا كلّه، حين يكونون متعبين ومنكسرين، يجري التحقيق معهم مطوّلاً دون السماح لهم بالاتصال قبل ذلك مع محامٍ أو مع الأهل، ودون إبلاغهم أنّه يحقّ لهم الصمت أثناء التحقيق. بعد ذلك، يجري اعتقالهم في ظروف قاسية طيلة أيّام بل وأسابيع، حتّى إذا كان التحقيق معهم قد انتهى. وفي بعض الحالات يتمّ كلّ ذلك مرفقاً بالتهديد والشتائم والعنف الجسديّ سواء قبل التحقيق أو خلاله.

 

وأكد التقرير أنه لا يوجد ولا يمكن إيجاد تبرير لهذه الممارسات المتطرّفة التي يقوم بها جهاز تطبيق القانون تجاه الفتية في القدس الشرقية، وأن الواقع الذي يصفه التقرير هو جزء من بنية أو هيكليّة السيطرة الإسرائيلية على السكّان الفلسطينيين في القدس الشرقية. وشدّد على أنه طالما استمرّت هذه السيطرة، من المتوقّع أن تواصل السلطات الإسرائيلية التعامل مع السكّان الفلسطينيين كجماعة غير مرغوب فيها وكأشخاص يساوون أقلّ، بكلّ المعاني التي ينطوي عليها ذلك. والتغيير الحقيقيّ لهذا الوضع يتطلّب تغيير الواقع في القدس من أساسه.

وجاء في التقرير:
منذ اللحظة التي يعتقل فيها هؤلاء الفتيان يتمّ إقصاء أهلهم عن مجريات الأمور. لا تنظر السلطات، في أيٍّ من المراحل، إلى الأهل كطرف في الموضوع، ولا كمن يحقّ لهم حماية أولادهم. المعلومات التي تبلغهم عمّا يجري مع ولدهم وعن حقوقه هي معلومات أوّلية وفي الحدّ الأدنى، وفقط في حالات قليلة جداً يُسمح لهم بمقابلته، وهكذا يبقى الأهل عاجزين، يفتقدون إلى أيّة إمكانية لمساعدته.

في غياب الحماية من جانب الأهل أو أيّ بالغ آخر يثقون به، في تجاهل تامّ من السلطات لسنّهم الصغيرة، يضطرّ هؤلاء الفتية إلى عبور محنة الاعتقال والتحقيق وحيدين تماماً، بعيداً عن أسَرهم ومعزولين عن مجرى حياتهم اليوميّة وكل ما اعتادوه. يلقى بهم في أجواء مشبّعة بالتهديد ويولّد البلبلة، إذ لا أحد من البالغين المحيطين بهم يكلّف نفسه عناء تزويدهم بأيّة تفاصيل عمّا يجري. لا أحد يشرح لهم إلى أين يأخذونهم، ما هي الشبهات الموجّهة إليهم، ما هي حقوقهم، ممّن يُسمح لهم تلقّي الاستشارة، كم من الوقت سيستغرق الأمر ومتى سيعودون إلى عائلاتهم. والأسوأ من ذلك: يتبيّن من وصف الفتيان أنّ البالغين المحيطين بهم - عناصر الشرطة والمخابرات والسجّانون والقضاة - يتعاملون معهم وكأنّهم مجرّدين من أيّ حقّ. كلّ استجابة لطلب يطلبونه (شرب أو أكل، منشفة، دخول المرحاض، التحدّث مع الأهل) ينظر إليها هؤلاء كحسَنة تقدَّم بشكل تعسّفي وفقاً لأهواء المسؤولين.

هذه الممارسات تمكّن سلطات تطبيق القانون من ممارسة الضغط على هؤلاء الفتيَة لكي يعترفوا. وفعلاً، كثيرون منهم يوقّعون على اعترافات رغم إرادتهم (بعضها اعترافات مختلقة، وبعضها بلغة لا يفهمونها). هذه الاعترافات تصبح لاحقاً مستنداً لتجريمهم في لائحة الاتّهام المقدّمة ضدّهم.

ينعكس هذا الواقع في 60 تصريحاً سجّلته منظّمتا "بتسيلم" و"مركز الدفاع عن الفرد" من فم فتيان سكّان القدس الشرقية، كان قد جرى اعتقالهم خلال سنة ونصف (منذ أيّار 2015 وحتى تشرين الأوّل 2016). بعض هؤلاء تمّ الإفراج عنه بعد انتهاء التحقيق، وبعضهم قُدّمت في حقّهم لوائح اتّهام. المعلومات المستقاة من هذه التصريحات، ومن معطيات كثيرة جمعها مركز الدفاع عن الفرد وبتسيلم ومنظمات أخرى، تفيد بأنّ الممارسات التي يصفها الفتيان الذين أدلوا بتصريحات لغاية إعداد هذا التقرير هي الطريقة المتّبعة لدى سلطات الدولة في التعامل مع المشتبهين في رشق الحجارة: أي أنّنا لا نتحدّث هنا عن محقّق أو سجّان خالف التعليمات، وإنّما عن سياسة واضحة وعلنيّة تتّبعها السلطات، بدءاً بالشرطة التي تنفّذ الاعتقالات، مروراً بمصلحة السجون التي تحتجز الفتيان في ظروف قاسية، وانتهاءً بالقضاة الذي يمدّدون اعتقالهم بجرّة قلم وبشكل شبه روتينيّ - أيضاً حين لا يكون هنالك أيّ داعٍ للاعتقال أصلاً، وأيضاً بعد أن انتهى التحقيق، وفي الحالات التي اشتكى فيها الفتيان في شأن عنفٍ تعرّضوا له.

تبذل السلطات المختلفة جهدها لأن تنفّذ هذه السياسة مع الحفاظ على المتطلّبات الشكليّة التقنيّة التي ينصّ عليها القانون: إنّهم يصدرون أوامر اعتقال (على الأقلّ في بعض الحالات)، يجرون تحقيقات (معظمها) في الساعات المسموح بها قانونيّاً، ويمدّدون الاعتقالات في المحكمة وفقاً للفترات المحدّدة في القانون، وأخيراً: يجبون من الفتيان اعترافات موقّعة. بالإضافة إلى ذلك، تدير السلطات جهاز مراقبة من صلاحياته فحص شكاوى الفتيان ضدّ ممارسات كهذه أو أخرى قام بها أفراد الشرطة، السجّانون أو المحقّقون.

لكنّ هذا كلّه يخلق فقط مظهراً زائفاً يوحي بأداء قانونيّ، وذلك بهدف إضفاء الشرعية على هذه الممارسات. فعليّاً، يستند أداء السلطات إلى تأويل تقنيّ، لا أكثر، للحماية التي يمنحها القانون للقاصرين، كما يستند إلى التذرّع بالاستثناءات المنصوص عليها فيه. عندما يتعلّق الأمر بالفتيان الفلسطينيين من القدس الشرقية، يفرغ أفراد الشرطة والسجّانون والقضاة قانون الشبيبة من جوهر مضمونه، وهم يجرون في ذلك مجرى العادة - وفي المقابل، يدّعون البراءة بفضل تمسّكهم بشكليّات القانون.

وأشار التقرير إلى أن هذه الممارسات تكشف السياسة الإسرائيلية، وغايتها تمكين السلطات من مواصلة هذه المعاملة مع الفتية الفلسطينيين، ضمن توفير غطاء شكليّ لما هو في الواقع انتهاك منهجيّ واسع النطاق وموثّق لحقوق الإنسان الأساسية يطال مئات الفتية في كلّ سنة، على امتداد عشرات السنين.

وقال إنه كان من الممكن أن نتوقّع من جهاز تطبيق القانون التعاطي مع الأولاد بأسلوب يناسب سنّهم، وأخذ مستوى تطوّرهم النفسي والجسدي بعين الاعتبار، إدراكاً منه أنّ أيّ فعل يقومون به قد تكون له إسقاطات بعيدة المدى على الفتية وعائلاتهم. وكان من الممكن أن نتوقّع من هذا الجهاز أن يتعامل بشكل منصف وإنسانيّ مع الفتية، وأن يوفّر لهم الحمايات الأساسية. ولكن، عوضاً عن ذلك يتعامل جهاز تطبيق القانون الإسرائيلي مع هؤلاء الفتية على أنّهم جزء من قطاع سكّانيّ معادٍ، جميع أفراده - فتية وبالغين على حدّ سواء - متّهمون إلى حين إثبات العكس؛ ويتّخذ في حقّهم إجراءات متطرّفة، ما كان ليتجرّأ على اتّخاذها ضدّ قطاعات سكّانية أخرى في إسرائيل. وجهاز تطبيق القانون في إسرائيل موجود، بحُكم تعريفه، في معسكر واحد: أفراد الشرطة، السجّانون، مدّعو النيابة والقضاة هم دائماً مواطنون إسرائيليون يعتقلون ويحقّقون ويحاكمون ويسجنون فتية فلسطينيين، يُنظر إليهم كأعداء يلحقون الضرر بمصالح المجتمع الإسرائيلي.

كما أشار إلى أنه لا يمكن النظر إلى هذا الواقع منفصلاً عن مجمل سياسة إسرائيل في القدس الشرقية. فلقد ضمّت إسرائيل في العام 1967، في خطوة مخالفة للقانون، نحو 70 ألف دونم هي مساحة القدس الأردنية (نحو 6 آلاف دونم) مضافاً إليها المساحة الكاملة لـ28 بلدة وقرية. ولكنّ إسرائيل طالما تعاملت مع سكّان هذه المناطق على أنّه لا يُرغب في وجودهم، وعليه لم يحدث أبداً أن نظرت إليهم سلطات الدولة ومندوبوها على أنّهم متساوو الحقوق.

وأوضح التقرير أن جميع السلطات الإسرائيلية في القدس الشرقية بوصلتها دفع السكّان الفلسطينيين إلى مغادرة المدينة، ولذلك فُرضت قيود مشدّدة على بناء منازل جديدة، وحُكم على السكّان بالعيش في ظروف كثافة خانقة أو في خوف من هدم منازلهم التي بنوها دون ترخيص حين لم يتوفّر لديهم خيار آخر؛ ولذلك رُسمت سياسة لمّ شمل صارمة، تمنع سكّان القدس الشرقية من السكن هناك مع أزواجهم إذا كان هؤلاء من سكّان الأراضي المحتلّة؛ ولذلك أيضاً يُنتهج تمييز دائم ومؤسس في توزيع ميزانيات البلدية والدولة، ممّا يفرض على سكّان القدس الشرقية العيش في معاناة جرّاء المستوى المتدنّي لمرافق البنى التحتية والنقص الدائم في المؤسّسات العامّة.

وختم التقرير: لا يوجد ولا يمكن إيجاد تبرير لهذه الممارسات المتطرّفة التي يقوم بها جهاز تطبيق القانون تجاه الفتية في القدس الشرقية. إن الواقع الذي يصفه التقرير هو جزء من بنية أو هيكليّة السيطرة الإسرائيلية على السكّان الفلسطينيين في القدس الشرقية. وطالما استمرّت هذه السيطرة، من المتوقّع أن تواصل السلطات الإسرائيلية التعامل مع السكّان الفلسطينيين كجماعة غير مرغوب فيها وكأشخاص يساوون أقلّ، بكلّ المعاني التي ينطوي عليها ذلك. وجزم بأن التغيير الحقيقيّ لهذا الوضع يتطلّب تغيير الواقع في القدس من أساسه.

 

الجمعة, فبراير 23, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية