المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • وليد حباس

في شباط 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار رقم 3882 بعنوان "تجديد تنفيذ تسوية الأراضي في مناطق 'ج' في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)". ولكن حتى نهاية آب 2026، عند كتابة هذا التقرير، لم يصدر الأمر العسكري الذي من شأنه أن يشرع بتنفيذ هذا القرار. فالحلقة "القانونية" الوحيدة المتبقية هي صدور أمر عسكري يُلغي أو يعدّل الأمر العسكري الذي صدر العام 1968 وأمر بتعليق التسوية الأردنية، وبدونه فإن القرار الحكومي لن يتحوّل إلى صلاحية نافذة في الأرض المحتلة. ومع ذلك، بُني الجهاز الإداري والمالي والتعاقدي للتسوية بالكامل تقريبًا خلال هذه الأشهر الستة. يستعرض هذا التقرير ما حصل وما لم يحصل في ملف تسوية هذه الأراضي.

في 15 شباط 2026، اتخذت الحكومة الإسرائيلية واحدًا من أهم القرارات التي لها تداعيات على مستقبل الضفة الغربية، وهو القرار رقم 3882، بعنوان "تجديد تنفيذ تسوية الأراضي في مناطق C في منطقة يهودا والسامرة". وجاء في البند الأول من هذا القرار أنه ينبغي "توجيه قائد قوات الجيش الإسرائيلي في منطقة يهودا والسامرة إلى تخويل سلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية التابعة لوزارة العدل، بموجب القانون الساري في المنطقة، صلاحية دفع إجراءات تسوية الأراضي في مناطق 'ج' من الضفة الغربية".  أي أن القرار الحكومي نفسه يعترف بأن صلاحيات المستوى السياسي تظل غير نافذة ما لم ترفق بتشريع عسكري؛ على اعتبار أن شكل السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية هي "احتلال حربي" يستوجب قرارًا من سلطات الاحتلال.  

وقد وضع القرار الحكومي هدفًا كميًا واضحًا وهو تسجيل ما لا يقل عن 15% من الأراضي غير المسوّاة في المنطقة "ج" بحلول نهاية الربع الرابع من العام 2030 (وهذا يسمى المرحلة "أ"). ولا بد من التنويه بأن بعض المنظمات الحقوقية التي تراقب الاحتلال الإسرائيلي مثل FMEP، اعتقدت مخطئة أن الهدف للتسوية هو 15% من المنطقة "ج" وهذا غير صحيح لأنه يغير وحدة القياس وحجم الهدف المقصود إذ أن نص القرار يشير إلى 15% من الأراضي غير المسواة، وليست كل الأراضي "ج" هي أراضي غير مسواة.  

خصص القرار الموارد البشرية والمالية اللازمة لتنفيذ مشروع تسوية الأراضي على مرحلتين. ففي العام 2026، خصص 25 وظيفة حكومية لسلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية ولمقر وزارة العدل، إلى جانب ميزانية قدرها 14.2 مليون شيكل. كما خصصت 3 وظائف حكومية و20.3 مليون شيكل لمركز رسم الخرائط الإسرائيلي، ووظيفتان حكوميتان و0.3 مليون شيكل لشعبة المستشار القانوني لجهاز الأمن، و5 وظائف حكومية و0.8 مليون شيكل للإدارة المدنية. وبذلك يبلغ مجموع الوظائف الحكومية المخصصة للمشروع 35 وظيفة، فيما تصل ميزانية العام 2026 إلى 35.5 مليون شيكل. أما خلال السنوات 2027-2030، فيخصص القرار سنويًا 34.2 مليون شيكل لوزارة العدل، و15.9 مليون لمركز رسم الخرائط، و0.6 مليون لشعبة المستشار القانوني، و1.5 مليون للإدارة المدنية. وتبلغ مخصصات هذه السنوات مجتمعة 208.6 مليون شيكل، لترتفع الكلفة الإجمالية للمشروع إلى 244.1 مليون شيكل.

تشير التقديرات إلى أن تسوية كل حوض قد تستغرق نحو سنة ونصف السنة، فيما يحتاج استكمال المشروع إلى قرابة 30 عاما، تسبقها سنة ونصف السنة لبناء منظومة التسوية وتجهيزها. ويرتبط دخول القرار حيز التنفيذ بإقرار موازنة العام 2026 بالقراءة الثالثة في الكنيست، وهو ما حصل في يوم الإثنين 30 آذار 2026. إن تخصيص وظائف حكومية دائمة موزعة بين أربع مؤسسات، ضمن خطة خماسية ذات أهداف كمية وميزانيات سنوية، يعني أن انتقال مشروع تسوية الأراضي من مستوى التوجه السياسي إلى جهاز إداري مؤسسي طويل الأمد. على أن هذا الانتقال لا يزال انتقالًا على الورق من دون أن يجد بعد النور لتنفيذه عمليًا؛ بانتظار الأمر العسكري الذي بدونه لا تنتقل قرارات الحكومة الإسرائيلية إلى التنفيذ في منطقة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي. 

بين 25 و27 أيار 2026، أطلقت وزارة العدل الإسرائيلية منظومة "ريمون" في احتفالًا أقيم في بيت إيل. عند تدشين هذه المنظومة فإن إسرائيل لم تطلق منظومة تسوية الأراضي بعد، وإنما فقط قامت برقمنة مكاتب تسجيل الأراضي القائمة في الضفة الغربية وربطتها بمنظومة "ريمون"، وهي نظام النواة المركزي الذي تستخدمه سلطة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية داخل إسرائيل منذ قرابة عقد.

تتيح المنظومة فتح الملفات، وتقديم المستندات، ودفع الرسوم، ومتابعة المعاملات عبر منطقة شخصية مؤمنة ومرتبطة بمنظومة الهوية الإسرائيلية، من دون الحضور الفعلي إلى مكاتب التسجيل. وقد قدم وزير العدل ياريف ليفين الخطوة باعتبارها تحقيقًا للمساواة المدنية للمستوطنين، ووصف منظومة "ريمون" بأنها "تصحيح تاريخي وقانوني وأخلاقي لظلم متواصل أنتج تفاوتًا صارخًا بحق مئات آلاف المواطنين الإسرائيليين في يهودا والسامرة". تكمن أهمية الحدث في دمج سجل الأراضي في الضفة الغربية بالبنية التحتية الرقمية والقانونية للسجل الإسرائيلي. ويمثل ذلك، من منظور تحليلي، "ضم السجل قبل ضم الأرض". وتكتسب هذه الخطوة أهمية فورية تفوق مشروع التسوية نفسه في المدى القريب، لأنها دخلت حيز العمل فعليًا، بينما ظل مشروع التسوية مرتبطًا باستكمال التشريعات العسكرية والترتيبات المؤسسية والمالية اللازمة لتنفيذه.

ثم أكملت وزارة العدل الإسرائيلية الترتيبات الإدارية بنقلها خطوة جديدة إلى الأمام وقامت في 11 حزيران 2026، بنشر الكراسة النهائية للمناقصة تحت عنوان "مناقصة لإدارة إجراءات تسوية مناطق أراض في القدس الشرقية وفي يهودا والسامرة". وتجمع المناقصة المنطقتين (أي القدس الشرقية والضفة الغربية)، على اختلاف وضعيهما القانوني، في عقد واحد يتم استناده إلى مزود خدمات خارجي واحد.

تمتد مدة التعاقد سنتين مع الشركة التي ستقع عليها المناقصة، وتشمل إدارة مختلف مراحل التسوية، بدءًا من تحديد الأحواض وجمع الادعاءات والوثائق، وصولًا إلى إعداد جدول الحقوق النهائي وتحديث سجلات الأراضي. كما تحصر شروط المشاركة المنافسة عمليًا بالجهات الإسرائيلية، إذ تشترط وجود محام مسجل في إسرائيل، ومساح مرخص وفق القانون الإسرائيلي، وملف ضريبي إسرائيلي. وتلزم المتنافسين بتقديم عروضهم حصرًا عبر منظومة المشتريات الحكومية "يهلوم".

تكشف المناقصة عن انتقال المشروع من قرار حكومي عام إلى ترتيبات تنفيذية ملموسة، كما تدمج تسوية الأراضي في القدس الشرقية والمنطقة "ج" ضمن جهاز إداري وتعاقدي إسرائيلي موحد. 

في 25 حزيران 2026 قدمت منظمات "يش دين" و"بمكوم" وجمعية حقوق المواطن التماسًا إلى محكمة القدس المركزية، بصفتها محكمة للشؤون الإدارية، طالبت فيه بإلغاء المناقصة. استند الالتماس إلى أربع حجج رئيسة. 1) افتقار وزارة العدل الإسرائيلية إلى صلاحية العمل في الضفة الغربية؛ 2) حظر خصخصة صلاحية سيادية ذات طابع شبه قضائي؛ 3) مخالفة تسوية الأراضي في إقليم محتل للقانون الدولي؛ 4) التمييز الناتج عن شروط المناقصة التي تستبعد الفلسطينيين عمليًا.

وقد ردت الدولة أمام المحكمة بأن الالتماس ضد القرار الحكومي قد تم تقديمه قبل أوانه، لأن قائد المنطقة لم يصدر بعد الأوامر العسكرية اللازمة لتخويل وزارة العدل صلاحية التسوية. ولكن هذه كانت مراوغة من وزارة العدل الإسرائيلية نفسها التي واصلت تنفيذ القرار وطرحت المناقصة قبل صدور الأمر العسكري. وحتى نهاية آب 2026، أرجأت المحكمة المركزية البت في طلب إصدار أمر احترازي لإيقاف القرار الحكومي، كما امتنعت المحكمة العليا عن تجميد الإجراءات التي قامت بها وزارة العدل، ونتيجة لذلك استمرت المناقصة من دون أن تكون لها تداعيات عملية بعد. 

المصطلحات المستخدمة:

بمكوم, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات