وافقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع، في جلستها المنعقدة يوم الأحد 27 حزيران 2026، على اقتراح وزير الخارجية جدعون ساعر الاعتراف بـ"الإبادة الجماعية للأرمن". وعلى الرغم من أن الخطاب الرسمي الإسرائيلي يضع الهولوكوست في موقع محوري ويشدد على أهمية الاعتراف بجرائم الإبادة الجماعية ورفض إنكارها، امتنعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة طوال عقود عن استخدام هذا الوصف في الحالة الأرمنية، واكتفت بتوصيفات أكثر عمومية، مثل "المأساة الأرمنية". ويأتي هذا التحول في سياق إعادة صياغة أولويات السياسة الخارجية الإسرائيلية في ظل حكومة اليمين الحالية.
تتناول هذه المقالة دوافع هذا القرار وتداعياته على علاقات إسرائيل بكل من تركيا وأرمينيا وأذربيجان.
ما هي الإبادة الجماعية للأرمن؟
تشير الإبادة الجماعية للأرمن إلى حملة القتل والتهجير المنهجي التي نفذتها السلطنة العثمانية بحق الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى، ولا سيما بين عامي 1915 و1917. شملت الحملة اعتقال النخب السياسية والفكرية، وعمليات ترحيل قسري عبر مسيرات طويلة نحو الصحراء، إلى جانب القتل الجماعي والتجويع، ما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من الأرمن وتهجير أعداد كبيرة منهم. ويصنف عدد كبير من المؤرخين والباحثين هذه الأحداث بوصفها واحدة من أوائل جرائم الإبادة الجماعية في القرن العشرين. كما اعترفت بها دول وبرلمانات عديدة باعتبارها جريمة إبادة جماعية، بينما تواصل تركيا، بوصفها الدولة التي خلفت السلطنة العثمانية، رفض هذا التوصيف، مما يبقي القضية محل خلاف سياسي وتاريخي حتى اليوم.
لماذا امتنعت إسرائيل عن الاعتراف بها طوال عقود؟
ارتبط الموقف الإسرائيلي تاريخيا باعتبارات سياسية واستراتيجية أكثر من ارتباطه بالنقاشين التاريخي والأخلاقي، ولا سيما في ظل الاتهامات التي تواجهها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين. فمنذ سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، شكلت العلاقات الوثيقة مع تركيا أحد أبرز محددات السياسة الإسرائيلية في هذا الملف. فقد رفضت أنقرة باستمرار وصف أحداث العام 1915 بالإبادة الجماعية، وعدت الاعتراف بها مساسا بهويتها الوطنية وسيادتها. وفي ظل التعاون العسكري والأمني الواسع بين البلدين، الذي شمل صفقات تسليح ومناورات مشتركة وتعاونا استخباراتيا، حرصت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على تجنب أي خطوة قد تفسرها تركيا باعتبارها استهدافا سياسيا أو تهديدا لهذه الشراكة الاستراتيجية.
وحضرت إلى جانب هذه الاعتبارات أبعاد قانونية وسياسية داخل دوائر صنع القرار الإسرائيلي، تمثلت في التخوف من أن يشكل الاعتراف سابقة يمكن الاستناد إليها في نقاشات تتعلق بالنكبة الفلسطينية أو بالاتهامات المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة. لذلك، تعاملت قطاعات واسعة من النخب السياسية والقانونية الإسرائيلية بحذر مع توسيع استخدام مفهوم الإبادة الجماعية خارج سياق الهولوكوست، انطلاقا من خشيتها من انعكاسات ذلك على المكانة القانونية والدبلوماسية لإسرائيل
ما الذي تغير في العام 2026؟
في 27 و28 حزيران 2026، أقرت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع مقترح وزير الخارجية جدعون ساعر بالاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية للأرمن، ووصفت وزارة الخارجية القرار بأنه "تاريخي". ونص على أن إسرائيل، انطلاقا من "التزام أخلاقي وتاريخي"، تعترف بالإبادة الجماعية التي ارتكبت بحق الشعب الأرمني في أواخر العهد العثماني، وتدين إنكارها أو التقليل من شأنها أو تحريفها.
جاء هذا التحول في سياق تدهور غير مسبوق في العلاقات الإسرائيلية التركية، على خلفية الحرب على غزة وتصاعد الاتهامات التركية لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية، الأمر الذي قلص وزن الاعتبارات الاستراتيجية التي حكمت السياسة الإسرائيلية تجاه هذه القضية طوال عقود.
يعكس هذا الاعتراف إعادة ترتيب لأولويات السياسة الخارجية الإسرائيلية أكثر مما يعكس تحولا في مقاربتها الأخلاقية لقضية الأرمن. فقد جاء القرار في لحظة شهدت تراجعا في أهمية الحفاظ على العلاقة مع تركيا، وتزايدا في توظيف الملفات التاريخية ضمن حسابات الصراع الدبلوماسي والإقليمي.
كيف يؤثر القرار الإسرائيلي على علاقة إسرائيل بالإقليم؟
المقصود بـ"الإقليم" هنا، هو منطقة جنوب القوقاز، وتحديدا أرمينيا وأذربيجان. تنظر أرمينيا إلى نفسها بوصفها الوريث السياسي للشعب الأرمني الذي تعرض للإبادة الجماعية، وتواصل السعي إلى توسيع الاعتراف الدولي بها. في المقابل، تقع أذربيجان على حدودها الشرقية، وهي دولة ذات غالبية ناطقة بالتركية، وترفض، مثل تركيا، توصيف أحداث 1915-1917 على أنها إبادة جماعية.
ويتوسط الدولتين إقليم ناغورنو كاراباخ (قره باغ)، الذي تمتع تاريخيا بأغلبية أرمنية وشكل محور الصراع بينهما منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. فقدت أرمينيا السيطرة على أجزاء واسعة من الإقليم بعد حرب العام 2020، ثم خسرت السيطرة عليه بالكامل في أيلول 2023، الأمر الذي أدى إلى نزوح نحو مائة ألف أرمني إلى داخل أرمينيا.
وتسود في أرمينيا قناعة واسعة بأن الدعم العسكري الإسرائيلي لأذربيجان أسهم في ترجيح كفة الحرب، ولا سيما في ظل العلاقات العسكرية والاستخباراتية الوثيقة بين تل أبيب وباكو (عاصمة أذربيجان). وبلغ هذا التعاون مستوى غير مسبوق عندما زار وزير الدفاع الأذربيجاني إسرائيل قبيل الهجوم الإسرائيلي على إيران في حزيران 2025، في خطوة عكست عمق الشراكة الأمنية بين البلدين.
في ضوء ذلك، يبدو الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الجماعية للأرمن تحولا لافتا في تموضع إسرائيل الإقليمي، إذ يمنح الانطباع بأنها تبتعد سياسيا عن أذربيجان وتتجه نحو أرمينيا. غير أن هذا التحول يواجه حدودا واضحة، لأن الحكومة الأرمنية نفسها تتبنى مقاربة أكثر حذرا تجاه هذا الملف. ففي ظل مسار التطبيع الجاري مع كل من تركيا وأذربيجان، يسعى رئيس الوزراء نيكول باشينيان إلى تقليص حضور الصراع التاريخي في السياسة الخارجية، وتجنب تحويل قضية الإبادة إلى محور رئيس في علاقات بلاده الإقليمية.
في أعقاب الاعتراف الإسرائيلي، جاء رد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان فاترا، إذ أكد أن مصلحة أرمينيا تكمن في تجنب توظيف قضية الإبادة الجماعية الأرمنية في الصراعات السياسية المعاصرة. كما تعاملت قطاعات من الرأي العام الأرمني مع القرار بشك وسخرية، ورأت فيه محاولة إسرائيلية لتحسين صورتها الدولية في ظل الحرب على غزة، لا سيما أن القرار صدر بصورة مفاجئة، ومن دون تنسيق معلن مع الحكومة الأرمينية أو مع المستويات المهنية في وزارة الخارجية الإسرائيلية.
في المقابل، دانت أذربيجان القرار، واعتبرته تشويها للتاريخ وتسييسا لقضية تاريخية حساسة، محذرة من تداعياته على الاستقرار الإقليمي، وإمكان انعكاسه على مجالات التعاون الأمني والطاقة والنقل. وتكتسب هذه التحذيرات أهمية خاصة في ظل اعتماد إسرائيل بدرجة كبيرة على واردات النفط من أذربيجان، إلى جانب الشراكة الأمنية والاستخباراتية الوثيقة بين البلدين.
في السياق ذاته، وجه رؤساء الطوائف اليهودية الثلاث في أذربيجان رسالة إلى أعضاء الكنيست دعوهم فيها إلى عدم دعم المبادرات الرامية إلى الاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن. ووقع الرسالة ميليخ يبداييف، رئيس طائفة يهود الجبال في باكو، وألكسندر شاروفسكي، رئيس الطائفة الأشكنازية، والحاخام زمير إيساييف، رئيس الطائفة السفاردية. وأكد الموقعون أن القضايا التاريخية المعقدة تستدعي معالجة أكاديمية يقودها الباحثون والمؤرخون، ورأوا أن تدخل المؤسسات السياسية في حسمها قد يقوض الثقة بين القدس وباكو في مرحلة تشهد جهودا للتوصل إلى تسوية بين أذربيجان وأرمينيا.
تعكس هذه المواقف حجم القلق داخل الأوساط الإسرائيلية المعنية بالسياسة الخارجية. فقد وصف إفرايم عنبار، رئيس معهد القدس للاستراتيجية والأمن والمتخصص في العلاقات الإسرائيلية التركية، القرار بأنه "خطأ ساذج وضيق الأفق"، محذرا من أنه قد يفرض على إسرائيل ثمنا دبلوماسيا. ورأى أن الخطوة تبدو محاولة لمعاقبة تركيا، لكنها قد تلحق الضرر بأذربيجان، التي وصفها بأنها "أصل استراتيجي" لإسرائيل وشريك يتمتع بأهمية أمنية واقتصادية كبيرة.
للمزيد، استمعوا الى حلقة بودكاست مدار بعنوان: إسرائيل وأذربيجان: أسلحة، نفط، ومصالح متبادلة في ظل الحرب.