في 15 حزيران 2026 عقد بنيامين نتنياهو مؤتمرًا صحافيًا حاول من خلاله تثبيت الرواية الإسرائيلية الرسمية لما جرى في الحرب على إيران، خصوصًا بعد التفاهمات الإيرانية الأميركية ووقف الحرب. قدّم نتنياهو الحرب كـ "إنجاز تاريخي أنقذ إسرائيل من خطر وجودي"، وتحدث عن تدمير منشآت وبنى عسكرية، وإضعاف التهديد النووي والصاروخي إلى جانب قضايا أمنية وسياسية أخرى حاول من خلالها تأكيد أن إسرائيل خرجت من المواجهة في موقع قوة.
تنبع أهمية الخطاب من أنه جاء في لحظة ارتباك داخلية أعقبت وقف الحرب، إذ وجدت حكومة نتنياهو نفسها أمام اتفاق أميركي إيراني لم تصنعه، وأمام انتقادات إسرائيلية تساءلت عن الفجوة بين الأهداف التي رُفعت خلال الحرب والنتائج التي انتهت إليها. كما تطرّق نتنياهو إلى مجموعة من القضايا العسكرية والاستراتيجية التي تمس موقع إسرائيل وعلاقتها بالولايات المتحدة.
تستعرض هذه المساهمة أبرز القضايا التي تناولها المؤتمر الصحافي لنتنياهو، بما يشمل القضايا التقليدية في خطابه السياسي، والقضايا الاستراتيجية والعملياتية. كما تتناول أبرز الانتقادات السياسية والإعلامية التي وُجهت إلى المؤتمر.
القضايا التقليدية
تضمّن المؤتمر الصحافي جملة من القضايا التقليدية التي باتت تتكرر في معظم خطابات نتنياهو وكلماته، ويمكن عرضها على النحو الآتي:
- المشروع النووي الإيراني كجزء من مشروع نتنياهو السياسي
يعيد نتنياهو إدخال الحديث عن المشروع النووي الإيراني في صلب خطابه، إذ يتحدث عن "عشرات السنين" من مواجهة محاولات إيران امتلاك السلاح النووي ثم يصف هذه المواجهة بأنها مهمة حياته. وفي هذا المقام، تظهر قضية إيران كجزء من سيرة نتنياهو السياسية، وأن الصورة التي يريد ترسيخها لدى الجمهور الإسرائيلي بوصفه قائدًا ثابر طويلًا على منع إيران من الوصول إلى السلاح النووي.
وعند انتقاله إلى الحديث حول الاتفاق ومذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، يحرص نتنياهو على تأكيد أن أي تفاهم دولي لا يقيّد إسرائيل في العمل ضد إيران. لذلك يقول: "باتفاق أو من دون اتفاق، لن تمتلك إيران سلاحًا نوويًا، ما دمت رئيسًا لحكومة إسرائيل، فلن يحدث ذلك". هنا يقدّم نفسه كضمانة مباشرة أمام الخطر الإيراني ويجعل بقاءه في رئاسة الحكومة جزءًا من معادلة الأمن ويرسل إلى المجتمع الإسرائيلي رسالة حاسمة مفادها أن الاتفاق لا ينهي حق إسرائيل في العمل ضد إيران وأن الملف سيبقى حاضرًا في سياسته ما دام في الحكم.
- استعراض الإنجازات ضد إيران وصناعة صورة الحسم
ينتقل نتنياهو في خطابه إلى عرض صورة واسعة للإنجاز، فيبدأ من سؤال يردده خصومه في الداخل الإسرائيلي: "ماذا حققنا؟"، ثم يجيب عنه بسرد مكثف من الأفعال والنتائج. يستحضر أولًا نجاح إسرائيل في إبعاد "خطر إبادة فورية" ثم يعدد اغتيال علماء نوويين وقادة في النظام، وتدمير منشآت نووية ومرابض صواريخ ومصانع وبنى تحتية عسكرية.
وتخدم المفردات المختارة هذه الصورة بوضوح، إذ يستخدم نتنياهو أفعالًا مثل "سحقنا"، "دمرنا"، "قطعنا رؤوسًا"، وهي ألفاظ ترسم في ذهن المتلقي الإسرائيلي بالتحديد صورة انهيار واسع في قدرة الخصم. لذلك، تتحول اللغة إلى جزء من الصراع على الرواية، وتدفع سؤال الخصوم عن جدوى العملية إلى موقع هامشي.
فيما يدخل الاقتصاد الإيراني في الرواية نفسها حين يتحدث نتنياهو عن ضرر "بمئات مليارات الدولارات"، ثم يشير إلى تقديرات تقترب من "تريليون دولار". وقد يريد من ذلك تثبيت فكرة أن إسرائيل أصابت قدرة إيرانية احتاجت سنوات طويلة للبناء. بالتالي، حوّل الكلفة الاقتصادية إلى عنصر أساسي في رواية الانتصار.
- العلاقة مع الولايات المتحدة وتثبيت صورة التحالف
يحضر العامل الأميركي في خطاب نتنياهو بوصفه جزءًا من صورة القوة، وردًا ضمنيًا على الحديث عن توتر علاقته بترامب الذي تربطه به علاقة شخصية منذ سنوات عديدة. كما يعيد التأكيد أن الحرب انطلقت "بالتعاون التاريخي مع الرئيس ترامب ومع الجيش الأميركي"، فيجمع في عبارة واحدة بين العلاقة الشخصية مع الرئيس الأميركي والعلاقة المؤسسية مع الولايات المتحدة.
يرى نتنياهو أن واشنطن قد تختار أحيانًا مسارًا دبلوماسيًا لا يطابق الموقف الإسرائيلي كاملًا، وأن الخلاف في الحسابات لا يعني ضعف التحالف، وأن إسرائيل ما زالت قادرة من خلال علاقتها بواشنطن على مواجهة إيران.
- السابع من أكتوبر كمرجع دائم لتبرير الحرب
يستعيد نتنياهو حدث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر بوصفه اللحظة التي أعادت تعريف الأمن الإسرائيلي. لا يقدمه كحدث ماضٍ فقط، وإنما يجعله قاعدة تفسر استمرار الحرب واتساعها، وتمنح القرارات اللاحقة في غزة ولبنان وسورية واليمن والضفة معنى واحدًا. بهذا الاستحضار، يجعل السابع من أكتوبر أصلًا لكل ما تفعله إسرائيل بعده، ويحصر النقاش الداخلي في سؤال مركزي: كيف تمنع إسرائيل تكرار الهجوم؟
وتحضر لغة الخطر الوجودي في هذا السياق بكثافة، إذ يستخدم نتنياهو عبارات مثل "قتل جماعي"، "إبادة سكان إسرائيل"، "مذبحة". هذه اللغة تبقي الخوف حاضرًا في وعي الجمهور، وتمنح الحرب طابعًا دفاعيًا مستمرًا، وتحوّل التصعيد في أكثر من ساحة إلى متطلب أمني وشعبي تحت عنوان: منع تكرار السابع من أكتوبر.
- تمجيد القرار الشخصي ونزع الشرعية عن المعارضين
يعرض نتنياهو قراراته في الحرب بوصفها دليلًا على صواب تقديره وعلى تردد خصومه في لحظات الحسم. يستحضر النقاش الذي دار حول العملية العسكرية في رفح ومدينة غزة، ويقول إن هناك من طالبه بالتنازل، وعدم دخول رفح وإنهاء الحرب، ثم يرد: "لم أقبل هذه التفاهات. دخلنا رفح، دخلنا مدينة غزة، خلافًا لرأي كثيرين". بهذا، لا يكتفي نتنياهو بالدفاع عن قراره فهو يقلل من قيمة الرأي المعارض ويضع أصحابه في موقع الضعف وسوء التقدير. ويصبح رفضه للنصيحة دليلًا على الجرأة والصلابة، بدلًا من كونه موضوعًا للمساءلة أو النقاش.
القضايا العملياتية والاستراتيجية
كذلك، تضمّن المؤتمر الصحافي لنتنياهو جملة من القضايا الاستراتيجية العملياتية، ويمكن عرضها على النحو الآتي:
- المناطق العازلة كترجمة أمنية لما بعد السابع من أكتوبر
تحتل استراتيجية المناطق العازلة موقعًا مركزيًا في خطاب نتنياهو، حين يقول: "أقمنا أحزمة أمنية عميقة حول دولة إسرائيل". تكشف هذه العبارة تحولًا واضحًا في مفهوم الأمن الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر، إذ أصبح الدفاع يبدأ من داخل أراض تصنفها إسرائيل كمعادية. بهذا المعنى، يصبح الوجود العسكري خارج الحدود أداة لحماية الداخل وجزءًا من عقيدة أمنية تقوم على نقل الخطر بعيدًا عن المجال الإسرائيلي.
وعند الحديث عن الانسحاب، يؤكد نتنياهو أن إسرائيل ستبقى في هذه المناطق "كلما اقتضت الحاجة". ولا يربط هذا البقاء بتسوية سياسية ولا يضع له جدولًا زمنيًا مما يحول المناطق العازلة من إجراء عملياتي محدود إلى استراتيجية أمنية؛ هدفها تثبيت السيطرة على جغرافيا الخصم بوصفها شرطًا لمنع تكرار السابع من أكتوبر.
- المبادرة في الاستهداف
يعرض نتنياهو السلوك العسكري الجديد بعبارة مباشرة: "نحن نبادر، نحن نهاجم، نحن نفاجئ، ونحن نضرب من يطلبون أرواحنا". تختصر الجملة انتقال إسرائيل في السلوك العملياتي العسكري من منطق الرد إلى منطق المبادرة. بمعنى أنها تتحرك قبل اكتمال التهديد وتستخدم المفاجأة ضد خصومها.
ثم يرفع نتنياهو هذه الفكرة إلى مستوى أوسع حين يقول: "ما فعلناه هو أننا غيّرنا كامل نظرية الأمن الخاصة بنا. غيّرنا أنفسنا أيضًا. كسرنا حاجز الخوف". هنا، يدور الحديث عن تبدل في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يقوم على الهجوم المسبق وتقديم المبادرة كشرط لمنع تكرار السابع من أكتوبر.
- حرية عمل الجيش الإسرائيلي في كل الساحات
يحاول نتنياهو في خطابه تثبيت فكرة حرية عمل الجيش الإسرائيلي في كل الساحات، حين يقول: "فعلنا ذلك في غزة، فعلنا ذلك في لبنان، في سورية، في اليمن، فعلنا ذلك في مخيمات اللاجئين في يهودا والسامرة (الضفة الغربية). فعلنا ذلك في كل مكان". بهذه العبارة يرسم نتنياهو خارطة واسعة لحركة الجيش ويعرض الجبهات المختلفة كمساحة عمليات واحدة.
فيما يجمع نتنياهو هذه الساحات تحت عنوان "أذرع الإرهاب التابعة لإيران"، كي يقدم كل ضربة باعتبارها جزءًا من مواجهة مركزية مع طهران. هكذا لا يظهر الفعل العسكري في كل ساحة كقرار منفصل يحتاج إلى تبرير خاص، لأن الخطاب يربطه بالخطر الإيراني. وتحمل عبارة "في كل مكان" المعنى الأوضح في هذا الجزء، إذ تمنح إسرائيل لنفسها حق الاستهداف والعمل العسكري في كل مكان.
- التحالفات الجديدة بوصفها امتدادًا للقوة العسكرية والاقتصادية
تناول نتنياهو في خطابه فكرة التحالفات الجديدة مع دول المنطقة، إذ يقول: "سنبني تحالفات جديدة مع الدول في المنطقة وخارج المنطقة"، ثم يضيف: "إن التحالفات تُعقد مع القوي، وإسرائيل اليوم دولة قوية جدًا". إذ أن إسرائيل القوية – من وجهة نظر نتنياهو - تجذب الشركاء؛ لأنها تملك قدرة عسكرية متقدمة واقتصادًا فاعلًا وتكنولوجيا فائقة وخبرة عملياتية واسعة. ويكثف نتنياهو هذه الفكرة حين يقول: "قوتنا هي مفتاح مستقبلنا، هي مفتاح أمننا، هي مفتاح اقتصادنا، هي مفتاح تحالفاتنا". هنا تتحول القوة إلى أساس للسياسة الخارجية والمكانة الإقليمية، ولا يتم حصرها في المجال العسكري.
- الاستقلال التسليحي وخطاب الاعتماد على الذات
يضع نتنياهو الاستقلال التسليحي في قلب خطابه، وهي فكرة أحال إليها في خطابه السابق في أيلول/ سبتمبر 2025، حين تحدث عن تحول إسرائيل إلى "سوبر إسبارطة". يقول: "سنضمن استقلالنا التسليحي، هذا مبدأ آخر قررته، وأنا أضع 350 مليار شيكل إضافة إلى ميزانية الأمن". وهذا تأكيد على التوجه الاستراتيجي لدى إسرائيل؛ ويهدف إلى تقليل اعتماد إسرائيل على الخارج في السلاح والذخائر والتكنولوجيا العسكرية.
إذ أن الدولة التي تعتمد على الخارج في تسليحها تبقى عرضة للضغط والتأخير والشروط السياسية، بينما تمنحها الصناعة العسكرية المحلية والمخزون المستقل قدرة أوسع على المبادرة والاستمرار. ويضيف نتنياهو إلى هذا التصور وعدًا تكنولوجيًا حين يقول: "سنطور تقنيات تتجاوز حدود الخيال، وسنجعل إسرائيل قوة عظمى أقوى".
تناقض الإنجاز وفشل الأهداف
لقي خطاب نتنياهو نقدًا متعدد الأبعاد، بدأ من نقد شخصيات سياسية ركزت على الفجوة بين لغة الخطاب والنتائج على أرض الواقع.
رأى زعيم حزب "يشار" (استقامة) غادي أيزنكوت، أن نتنياهو كان سيحصل على احترام أكبر لو اعترف بأنه أخطأ، واتهمه بالتنصل من أهداف الحرب وتقديم صفر إجابات حقيقية لجمهور عاش سنوات قاسية. بينما ركّز زعيم المعارضة يائير لبيد على التناقض الداخلي في الخطاب، إذ لا يستطيع رئيس الحكومة أن يصف إسرائيل كقوة تقترب من الهيمنة الإقليمية ثم يقدمها في الوقت نفسه كدولة كانت على مسافة قصيرة من الإبادة.
وقال رئيس حزب "الديمقراطيون" يائير غولان إن من كرّس حياته لمواجهة إيران ثم يخبر الجمهور أن إسرائيل اقتربت من الإبادة يكون قد فشل في مهمة حياته. ومن جهته ربط رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت الخطاب بفشل متراكم لحكومة نتنياهو بدأت بانقسام داخلي وانتهت بفشل تاريخي أمام إيران.
ومن زاوية إعلامية، قدّم شابي غاتنيو في مقال له عبر موقع العين السابعة تحليلًا، رأى في سياقه أن نتنياهو لم يظهر في مؤتمر صحافي مفتوح وإنما في حدث إعلامي محسوب سمح فيه بستة أسئلة فقط بعد خمسة وتسعين يومًا من تجنّب أسئلة الصحافيين الإسرائيليين ومنح أفضلية لقناتي 14 وi24 كي يبدأ المؤتمر بأسئلة مريحة تساعده على تمرير رسائله.
في مضمون الخطاب، اتهم غاتنيو نتنياهو باستخدام المغالطات والتخويف خاصة حين نسب لنفسه إعادة كل المختطفين من غزة مع أن صفقات الإعادة تمت تحت ضغط ترامب ومع أن بعضهم قُتلوا في الأسر أو بنيران إسرائيلية.
كما رأى أن حديثه عن خطر موت جماعي لملايين الإسرائيليين لو لم تتحرك إسرائيل ضد إيران جاء لتغطية الفشل في تحقيق أهداف الحرب خصوصًا بعدما واجهه الصحافي مؤاف فاردي بالهدف الأصلي للحرب أي إنهاء التهديد من نظام الإيراني فحاول نتنياهو إعادة تعريف الهدف بأثر رجعي ونقل المسؤولية إلى الكابينيت.
بينما يرى شالوم يروشالمي، في مقال نشر عبر موقع "زمن إسرائيل"، أن خطاب نتنياهو يعكس رؤية سياسية مغلقة تقوم على استمرار الحرب وتفتقر إلى أي أفق سياسي. حيث يحاول نتنياهو إبقاء الجمهور الإسرائيلي داخل ذاكرة الحرب حتى يتجنب النقاش في مسؤوليته عما سبق 7 أكتوبر ويقدّم نفسه بوصفه القائد الذي أنقذ الدولة وحوّلها إلى قوة عسكرية كبرى.
غير أن هذه القوة - وفق يروشالمي - لا تجيب عن سؤال المستقبل في إيران ولبنان وغزة والضفة والشمال، ولا تفسر كيف بقيت إسرائيل بعد كل هذا التدمير أمام جبهات مفتوحة ومعظم المشكلات. كما أن حديث نتنياهو عن الاستقلال التسليحي والأحزمة الأمنية وتخصيص 350 مليار شيكل للصناعة العسكرية يؤثر سلبًا على إسرائيل؛ لأنه يرى فيه انتقالًا نحو دولة حرب دائمة على حساب التربية والتعليم والصحة والرفاه، ورؤية تجعل الأمن مشروعًا مفتوحًا بلا نهاية سياسية واضحة.