المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 23
  • وليد حباس

في 3 حزيران 2026، انتخب الكنيست محامي بنيامين نتنياهو الشخصي، ميخائيل رابيلو، لمنصب "مراقب الدولة". يأتي هذا التعيين، المدفوع من نتنياهو شخصيًا، ضمن سياق أوسع من تعيينات مثيرة للجدل شهدتها إسرائيل خلال السنوات الأخيرة شملت مفوض الخدمة المدنية ورئاسة الشاباك والموساد، والتي تم انتقادها داخل إسرائيل باعتبارها "مضرة بالديمقراطية"، وتهدف الى إضعاف مفاصل "الدولة العميقة" وآليات الرقابة الداخلية على عمل الحكومة. 

يحتل منصب "مراقب الدولة" في إسرائيل مكانة خاصة داخل منظومة الحكم، بوصفه إحدى أهم مؤسسات الرقابة على أداء الحكومة الإسرائيلية وسلطاتها وأجهزتها. في خلفية فوز رابيلو ثمة صراع بين معسكرين متنافسين: معسكر يرى في المراقب "حارس البوابة"، يساهم في كبح السلطة وأحيانًا قبل اتخاذ سياسات أو تنفيذ خطط، ومعسكر آخر يعتبر المراقب جزءًا من منظومة نخب ومؤسسات غير منتخبة، تحد من حرية عمل الحكومات المنتخبة، ولا بد من تقليص صلاحياته. تستعرض هذه المقالة عمل "المراقب" والجدل السياسي حول طبيعة دوره ومكانته في نظام الحكم في إسرائيل.

مراقب الدولة في إسرائيل

يشكل "مراقب الدولة" أحد الأعمدة الأساسية في أنظمة الحكم التي تصنف نفسها حديثة أو ديمقراطية، إذ يتولى مراقبة ممارسات الحكومة، الوزارات، والسلطات في الدولة، كيفية إدارة المال العام، وقضايا الفساد. تكمن أهمية، وأحيانًا نفوذ، مكتب "مراقب الدولة" في عدة أسباب: 1) هو هيئة مستقلة عن السلطة التنفيذية؛ 2) لديه القدرة على الوصول إلى المعلومات، حتى السرية منها أو التي ترغب السلطة التنفيذية بإخفائها عن الجمهور؛ 3) مخول بالنشر العلني للتقارير التي يصدرها؛ 4) لديه آليات لمتابعة تنفيذ التوصيات، لكن بدون أن تكون له صفة قانونية تلزم الحكومة بذلك.

في إسرائيل، يشغل ״مراقب الدولة״ مكانة دستورية تستند إلى "قانون أساس: مراقب الدولة" وقانون مراقب الدولة. ويتمتع باستقلالية واسعة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، مع ارتباط مؤسسي بالكنيست من خلال لجنة مراقبة الدولة. وتشمل صلاحياته فحص الوزارات الحكومية، والسلطات المحلية، والمؤسسات العامة، والشركات الحكومية، ومراقبة إدارة المال العام وكفاءة الأداء الإداري. ورغم أن توصياته لا تحمل قوة إلزامية قانونية مباشرة، فإن تقاريره تتمتع بثقل سياسي وإعلامي كبير، وتشكل أداة مركزية للمساءلة العامة والرقابة البرلمانية على السلطة التنفيذية.

يكتسب مراقب الدولة في إسرائيل أهمية خاصة لأنه يعمل في قلب أكثر القضايا حساسية في النظام السياسي الإسرائيلي، بما يشمل الأمن القومي، والعلاقات الخارجية، وإدارة الموارد العامة، والعلاقة مع الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. في السياق الفلسطيني تحديدًا، تزداد أهمية هذه المؤسسة لأن جزءًا كبيرًا من سياسات الاحتلال وإدارة الصراع يجري داخل منظومات بيروقراطية وأمنية معقدة يصعب تتبعها من الخارج، مثل الإدارة المدنية، ووحدة منسق أعمال الحكومة في المناطق، والجدار والحواجز، والعلاقات الاقتصادية مع الفلسطينيين. لذلك تكشف تقارير المراقب في كثير من الأحيان عن جوانب خفية من آليات الحكم والسيطرة وصنع القرار، سواء تعلق الأمر بإدارة الحروب، أو أداء الأجهزة الأمنية، أو التنسيق بين المؤسسات الحكومية، أو الإخفاق في التعامل مع تهديدات تعدها إسرائيل إستراتيجية. وحتى عندما لا يوجه المراقب نقدًا مباشرًا إلى السياسة نفسها، فإنه يكشف عن مواطن الضعف والقصور والتناقضات التي ترافق تنفيذها. من هذه الزاوية، تشكل تقاريره مصدرًا مهمًا لفهم الدولة الإسرائيلية كما تعمل فعليًا، لا كما تقدم نفسها في الخطاب الرسمي.

هل "المراقب" مستقل عن الحكومة؟

ومع أن مكتب "مراقب الدولة" يوصف عادة بأنه مؤسسة مستقلة وغير مسيسة، فإن الواقع أكثر تعقيدًا. فمنذ تعيين متنياهو أنغلمان (Matanyahu Englman) في منصب المراقب العام 2019 (لمدة 7 سنوات انتهت في حزيران 2026)، دار جدل واسع في إسرائيل حول نموذجين مختلفين لعمل مراقب الدولة

  1. النموذج الأول، الذي كان سائدًا قبل تعيين أنغلمان، يمكن وصفه بنموذج "حارس البوابة"، لأنه أتاح للمراقب التدخل في عملية صنع القرار من خلال طرح أسئلة تتعلق بجوهر السياسات الحكومية: لماذا تتبنى الحكومة هذه السياسات؟ وهل تمثل الخيار الأفضل؟ وفي عهد مراقبين مثل ميخا ليندنشتراوس (Micha Lindenstrauss) ويوسف شابيرا (Yosef Shapira)، اتسع نطاق الرقابة ليشمل متابعة السياسات أثناء تبلورها، مما عزز مكانة المراقب بوصفه "حارس بوابة" داخل منظومة الحكم.
  2. في النموذج الثاني، كما كان في عهد أنغلمان، فقد أصبحت تقارير المراقب أقل انشغالًا بأهلية السياسات نفسها، وأكثر تركيزًا على أسئلة مثل: كيف طبقت الحكومة قراراتها، هل تعمل السلطات والمؤسسات بشكل فعال أم لا؟ على أن طبيعة هذه السياسات باتت أقل تدقيقًا في تقارير "المراقب". من هذا المنظور، يمثل أنغلمان توجهًا يسعى إلى إعادة تعريف موقع مراقب الدولة داخل منظومة الحكم: من "حارس بوابة" قوي يراقب الحكومة ويقيد هامش حركتها، إلى مدقق إداري يرافق عملها ويقيّم أداءها، مع احتفاظه بإمكانية إصدار تقارير نقدية حادة عندما تفرض الوقائع ذلك.

كيف يريد اليمين أن يكون عمل "المراقب"؟

في أواخر 2017، طرح بتسلئيل سموتريتش، وكان عندها عضوًا في الكنيست عن حزب "البيت اليهودي"، مشروع قانون يقلص صلاحيات "المراقب". وقد ناقشت اللجنة الوزارية للتشريع في الكنيست هذا المشروع، لكنه لم يحصل حينها على دعم كاف وتم تجميده آنذاك. اليوم يعود هذا النقاش مع اقتراب موعد انتهاء ولاية أنغلمان. 

في حينها، اقترح سموتريتش تعديل صلاحيات مراقب الدولة بحيث يقيّد قدرته على إجراء "رقابة في الزمن الحقيقي"، أي أثناء تبلور سياسات حكومية معينة وقبل البدء بتنفيذها. المميز في مشروع القانون أنه يسعى إلى تقليص قدرة مراقب الدولة على التدخل الرقابي أثناء الحدث نفسه، ودفعه أكثر نحو الرقابة اللاحقة بعد انتهاء الحدث أو اتخاذ القرار. يعبر هذا التوجه عن رؤية اليمين الجديد في إسرائيل الذي يدعي أن الرقابة أثناء الحدث قد تعرقل عمل الحكومة والإدارة العامة. في المقابل، يرى المعارضون لهذا القانون (وهم بالأساس، التيارات التي تحافظ على الدولانية في إسرائيل)، أنه يجب أن يبقى مراقب الدولة قادرًا على التدخل والرقابة أثناء وقوع الأحداث عندما يراها ضرورية. 

فالصراع في إسرائيل، بحسب د. هنيدة غانم، ليس خلافًا بين حكومة ومعارضة، ولا بين يمين ويسار بالمعنى التقليدي، بل صراع بين معسكرين يتنافسان على تعريف الدولة نفسها. فمن جهة، يوجد معسكر "الدولانية" أو النخبة الصهيونية المؤسسة (الأشكنازية العلمانية الليبرالية) التي بنت مؤسسات الدولة والقضاء والبيروقراطية وترى أن المشروع الصهيوني يمر عبر دولة قوية ومؤسسات مستقلة نسبيًا. ومن جهة أخرى، يقف اليمين الجديد الذي تقوده الصهيونية الدينية والقوى الاستيطانية والحريدية والشرقية المحافظة، ويسعى إلى انتزاع الهيمنة من النخبة القديمة وإعادة تشكيل الدولة وفق هوية يهودية قومية أكثر صلابة. وتتمحور المعركة حول القضاء، والبيروقراطية، والتعليم، والإعلام، ومراكز إنتاج المعرفة، ومن ضمنها عمل "مراقب الدولة" حيث يسعى اليمين إلى تفكيك ما يراه آخر معاقل هيمنة "المؤسسين" وإحلال نخبة جديدة مكانهم.

لسان حال اليمين: "الكلاب تنبح والقافلة تسير"

يبقى السؤال الأهم في عمل "مراقب الدولة" متعلقًا بقدرته على فرض تنفيذ توصياته بعد انتقاد أداء الحكومة، سواء في الزمن الحقيقي أثناء اتخاذها القرارات والسياسات، أو عند تقييم أدائها لاحقًا.

ورغم المكانة المهمة لمراقب الدولة، فإنه لا يملك، بحسب القانون، أدوات تنفيذ أو عقوبات تجبر الوزارات والهيئات الحكومية على تطبيق توصياته. لكن اليمين في إسرائيل يشكك في هذه الصورة الشكلية، ويعتبر أن "نفوذ" مراقب الدولة لا ينبع من القانون نفسه، وإنما من حقيقة أن "مراقب الدولة" يشكل حلقة أساسية في شبكة متكاملة تتموضع في قلب ما يسميه اليمين "الدولة العميقة"، وتشمل المحكمة العليا، والإعلام ومؤسسات صناعة الرأي العام، وطيفًا واسعًا من منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية. إن التفاعل المتبادل بين هذه المؤسسات من جهة، وتقارير "مراقب الدولة" من جهة أخرى، هو ما يمنح توصيات المراقب هذا "الوزن"، خصوصًا عندما تجد طريقها إلى آليات عمل المحكمة العليا، ومكتب المستشار القانوني للحكومة، والإعلام الإسرائيلي.

فعلى سبيل المثال، يحدد المستشار القانوني للحكومة قانونية القرارات الحكومية، ويُعد تفسيره القانوني ملزمًا عمليًا للسلطات التنفيذية ما لم تقرر المحكمة خلاف ذلك. ولأن المستشار القانوني يستطيع إجبار الحكومة على تعديل أو إلغاء ترتيبات يراها مخالفة للقانون، فإن وصول توصيات "المراقب" إلى مكتب المستشار القانوني قد يجعل من "المراقب" عقبة أمام بعض سياسات الحكومة الإسرائيلية.

أما في ما يتعلق بالمحكمة العليا، التي تستطيع إلغاء قرارات أو ترتيبات حكومية إذا رأت أنها غير قانونية أو غير معقولة بصورة متطرفة، فإن تجاهل الحكومات الإسرائيلية لملاحظات "مراقب الدولة" قد يشكل أحيانًا حافزًا لمنظمات المجتمع المدني في إسرائيل للمطالبة بتدخل المحكمة العليا. وتستخدم هذه المنظمات الالتماسات القضائية والضغط الإعلامي لتحدي قرارات الحكومة، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تأخير سياسات حكومية أو تعديلها.

من هنا، فإن النموذج الذي يدفع نحوه اليمين الجديد في إسرائيل يقوم على تقليص قدرة هذه الشبكة (أي المحكمة العليا، والمستشار القانوني للحكومة، مراقب الدولة، ومنظمات المجتمع المدني) على تشكيل آلية ضغط تكبح حرية عمل الحكومات اليمينية أو تدفعها إلى مراجعة سياساتها أو إلغائها. وبذلك يسعى اليمين إلى جعل علاقة الحكومة مع "المراقب" قائمة على مبدأ أن تستمر الحكومة في سياساتها بصرف النظر عن الانتقادات على قاعدة "الكلاب تنبح والقافلة تسير".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات