حذّر البروفيسور حجاي ليفين، رئيس اتحاد أطباء الصحة العامة، مؤخرًا، من النقص في ملاكات الأطباء في المستشفيات العامة. وقال في جلسة للجنة الصحة البرلمانية إن "الأطباء اليوم يعملون في محطات الوقود وفي السوبرماركت، ومهنة الطب تحولت إلى إهانة. أطباء يجلسون اليوم في البيت ولا يجدون عملًا، ولكي يحصل الشخص على وظيفة معيارية كطبيب يجب أن يكون الأكثر ارتباطًا ومعرفةً بالناس في العالم".
وحذّر: "أنا قلق على الصحة العامة في إسرائيل، نحن على شفا انهيار جهاز الصحة الإسرائيلي. النقص في الوظائف والملاكات يؤدي إلى ضغط متزايد وتفاقم إضافي خلال سنوات الحرب، وقبلها خلال الجائحة. الناس عملوا في ظروف غير إنسانية تحت الأرض بينما كانوا يعرّضون صحتهم للخطر، وكذلك عدد غير قليل من جنود الاحتياط الذين خرجوا للقتال. نحن نتحدث عن مغادرة جماعية لأفراد الطواقم الصحية الذين يتركون العمل".
وأضاف: "ما كان متوقعًا من حكومة معقولة هو تعيين وزير صحة متفرغ. هذا الموضوع المعقد، الذي يتجاوز الائتلاف والمعارضة، هو موضوع عميق ومهني. نحن بحاجة إلى استثمار دراماتيكي خلال العقد القادم في الصحة في دولة إسرائيل. معنى أن الناس لا يجدون مكانهم أو لا يتقدمون، هو أن أطباء لا ينجحون في تحقيق رسالتهم. فإما أن يُشغَّلوا في ظروف سيئة للغاية أو يغادروا. المجتمع الإسرائيلي متضرر جدًا في صحة الجسد والنفس. أريد أن أرى أيضًا أن موضوع الصحة يصبح جزءًا مركزيًا في برامج الأحزاب في الانتخابات. إذا لم توجد التزامًا سياسيًا، فسنشهد انخفاضًا في متوسط العمر المتوقع وتدهورًا في الخدمات الطبية سيزداد سوءًا. المزيد والمزيد من طلابي يغادرون إسرائيل إلى أماكن أخرى"، على حد قوله.
ارتباطًا بمسألة هجرة الكوادر الطبية، قدّم الاتحاد القطري للطلاب الجامعيين في إسرائيل إحصائية خلال جلسة للجنة الاقتصاد البرلمانية مفادها أن "ثلث الطلاب يُفكرون في الانتقال إلى الخارج بسبب غلاء المعيشة في إسرائيل"، وأكدت: "الأمر لا يتعلق حتى بالوضع الأمني، أو خدمة الاحتياط، أو الانتقال بين الروتين والطوارئ. ببساطة، تكلفة المعيشة هنا باهظة. يجب على الدولة اتخاذ إجراءات فعّالة لأن الأزمة وطنية. غلاء المعيشة يدفع الشباب بشكل متزايد إلى الرحيل. إنه عار كبير. نحن لا نطالب بتخفيضات بل نطالب بالقدرة على الدراسة والعمل وبناء مستقبل أفضل".
يشار إلى أن بيانات ممثلي الطلاب الجامعيين، كما عرضت في جلسة للجنة الاقتصاد، تُظهر أن متوسط إنفاق الطالب يبلغ حوالي 6800 شيكل، بينما يبلغ متوسط دخله 6200 شيكل فقط، مما يُسبب عجزًا بنيويًا قدره 600 شيكل. وأكثر من 25% من الطلاب يقترضون مبالغ كبيرة لتمويل دراستهم، و 60% من القروض التي حصل عليها الطلاب تتجاوز 20000 شيكل. كما أفاد 57% من الطلاب أن اضطرارهم إلى العمل لإعالة أنفسهم يُؤثر سلبًا على تحصيلهم الأكاديمي.
ارتفاع حاد في هجرة الأطباء من إسرائيل خلال 2023–2024
وكان اتحاد أطباء الصحة العامة نشر معطيات من بحث أجري في جامعة تل أبيب أشار إلى ارتفاع حاد في هجرة الأطباء من إسرائيل خلال عامي 2023–2024. ووفقًا للبيانات، غادر 949 طبيبًا إسرائيل خلال هاتين السنتين، وبعد احتساب العائدين في العامين، يبلغ عدد الأطباء الذين غادروا 509 أطباء.
اعتمدت نتائج الدراسة المتعلقة بهجرة الأطباء وعودتهم على بيانات مكتب الإحصاء المركزي، إلى جانب معطيات تراخيص وزارة الصحة. ووفقًا للبيانات، غادر 949 طبيبًا إسرائيليًا البلاد خلال العامين الأخيرين فقط. وفي العام 2024 وحده غادر 530 طبيبًا، وبعد خصم 202 عادوا إلى البلاد، خسرت إسرائيل صافيًا 328 طبيبًا، وهو أعلى رقم منذ بدء القياس.
وللمقارنة، أظهر تقرير مكتب الإحصاء المركزي الذي نُشر في كانون الأول الماضي أن نحو 790 طبيبًا من خريجي الأعوام 1990–2018 يقيمون في الخارج لمدة ثلاث سنوات أو أكثر، وهو معطى بقي مستقرًا نسبيًا مقارنة بالسنوات السابقة. غير أن الحديث يدور عن منهجيتين مختلفتين تكمل إحداهما الأخرى: فتقرير مكتب الإحصاء هو صورة تراكمية على مدى عقود، بينما تفحص الدراسة الجديدة حركة التدفق في الزمن الحقيقي.
وتشير بيانات ميزان هجرة الأطباء الإسرائيليين بين عامي 2009 و2024 إلى حدوث كسر واضح في الاتجاه العام. فعلى مدى نحو 13 عامًا تراوح الميزان ضمن نطاق مستقر نسبيًا بين 0 و130، وكانت أدنى نقطة في العام 2020، وهو انخفاض يمكن عزوه في معظمه إلى التباطؤ العالمي في حركة الأشخاص بسبب جائحة كورونا. لكن منذ العام 2021 تغيّرت الصورة: فمن ميزان بلغ 116 العام 2021، ارتفع إلى 135 العام 2022، ثم إلى 181 العام 2023، وصولًا إلى 328 العام 2024. وهذا يعني أن إسرائيل خسرت صافيًا 328 طبيبًا في سنة واحدة فقط، أي ما يعادل ضعفين ونصف ضعف العدد قبل ثلاث سنوات. ويقول الباحثون إن هذا المنحى الحاد والمتواصل هو ما يدفعهم للحديث عن "الخروج من حالة التوازن" وليس مجرد ارتفاع معتدل، ولا يظهر في الرسم البياني أي مؤشر إلى تباطؤ الظاهرة.
وفحصت الدراسة ظاهرة الهجرة بصورة واسعة وليس فقط في مجال الطب، وتشير إلى أنه خلال العامين الممتدين بين كانون الثاني 2023 وكانون الأول 2024 غادر نحو 99 ألف إسرائيلي البلاد، بينهم 50 ألفًا في العام 2023 وحده. وانخفض عدد العائدين إلى أدنى مستوى، أقل من 20 ألفًا، في العام 2024. وبين المغادرين أكثر من 21 ألف حامل شهادة جامعية أولى، من بينهم نحو 7400 خريج في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، و686 من حملة الدكتوراه في المجالات العلمية والتكنولوجية، و3350 مهندسًا. وأكثر من ثلاثة أرباع المغادرين تقل أعمارهم عن 40 عامًا. كما ارتفعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة نسبة المغادرين من ذوي الدخل الأعلى من المتوسط.
ويؤكد الباحثون أن الخطر لا يكمن في الأرقام الحالية بحد ذاتها، بل في الديناميكية القائمة: فالجمع بين ارتفاع عدد المغادرين وانخفاض عدد العائدين يؤدي إلى تآكل متواصل في رأس المال البشري لإسرائيل، التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على العاملين المهرة في مجالات الهايتك والهندسة والجهاز الصحي.
وزارة الصحة لا تملك بيانات واضحة في ما يخص النقص
القائمة بأعمال رئيس اللجنة عضو الكنيست تاتيانا مازارسكي قالت في الجلسة المذكورة أعلاه إن موضوع نقص الأطباء والممرضات والمتدربين قد نوقش مرات عدة، ويعود سبب المشكلة إلى عدد الوظائف المعتمدة الذي لم يُحدَّث منذ العام 1977، على الرغم من الزيادة الكبيرة في عدد السكان، حيث لا تمتلك وزارة الصحة بيانات واضحة بما يخص النقص وهوية المؤسسات الطبية التي تعاني منه.
وحذرت من أن القوى العاملة المتمرسة والخبراء في المهن الطبية يتركون أماكن العمل وينتقلون للعمل في الخارج، بينما وفي الحين نفسه يتعذر على المواطنين الإسرائيليين الذين تخرجوا من مؤسسات أكاديمية حول العالم الالتحاق بالعمل في إسرائيل.
ممثلة منظمة "مرشام" التي تضم أطباء وطبيبات تركوا النقابة العامة للأطباء احتجاجًا قبل سنوات أفادت: "نحن نرى في استطلاعاتنا أن جيل المستقبل لا يريد الدخول إلى جهاز الصحة الإسرائيلي. نحن ندعو الحكومة إلى تغيير الوضع. النقص في الوظائف حقيقي، وما ينقص فعلًا هو الشفافية وإتاحة المعلومات. يتعرض الطلاب خلال فترة التدريب العملي لعدد من المستشفيات، لكن ليست لديهم أي وسيلة لمعرفة أين توجد وظائف شاغرة وأين يمكن بدء التخصص".
نائبة رئيس شعبة الطب في وزارة الصحة قالت إنه: "عندما نضيف موردًا على شكل سرير استشفائي، فإنه يأتي مع ملاك وظيفي مرافق له، ويتم فحص ما إذا كان الملاك قد فُتح وتم إشغاله. بين عامي 2023 و2028 من المتوقع افتتاح نحو 1800 سرير، ويتم تحديد نوع الأسرة بحسب احتياجات الجهاز والضغوط القائمة. نحن نفحص أين توجد الضغوط، ولدينا برامج وطنية في مجالات السكتات الدماغية، وطب الأعصاب، والعناية المكثفة، سندفعها قدمًا أكثر. ويتم تحديد ذلك بالتعاون مع وزارة المالية. عند افتتاح سرير عناية مكثفة يتم تحرير ثلاثة ملاكات وظيفية لكل سرير، وعلى سبيل المثال في الجراحة هناك ملاك واحد لكل خمسة أسرّة. مفتاح المعايير وُضع العام 1977، في سبعينيات القرن الماضي. ونحن في نقاش متواصل مع وزارة المالية للعمل على تحديث مفتاح المعايير".
خلال الجلسة طُرحت مطالبة بمعرفة عدد الوظائف المشغولة وعدد الشواغر. ورد ممثلو الوزارة بالقول: "نحن نعمل على ذلك، وخلال أسبوعين سيكون لدينا الجواب. لا توجد لدينا إمكانية الحصول على ذلك بضغطة زر، فالأمر يتطلب جمع بيانات وهذا يستغرق وقتًا". كما طُلب أيضًا معرفة عدد الأطباء غير العاملين. وأشاروا كذلك إلى أن لجنة تخطيط القوى البشرية في وزارة الصحة ما زالت في طور النقاشات ولم تقدّم بعد توصياتها للمدير العام، وأن التوقعات الحالية، بحسب ممثلي وزارة الصحة، تمتد حتى العام 2030. في المقابل، قالت ممثلة وزارة المالية بخصوص طلب إضافة ملاكات جديدة: "نحن نعمل وفق خطة متفق عليها حتى العام 2028. أنا لا أعرف عن طلب لتغيير المعايير. وبالنسبة للنقص؟ يمكن فتح موقع نقابة الأطباء وقاعدة بيانات الأطباء المتخصصين".
آلاف الأطباء العرب أكملوا تدريبهم ولم يُقبلوا للعمل في وظيفة معتمدة
اقترح رئيس اتحاد أطباء الصحة العامة إقامة هيئة خاصة لتشغيل الأطباء الذين ينهون دراستهم ومساعدتهم في العثور على أماكن عمل. وهنا قال عضو الكنيست أحمد طيبي، أحد المبادرين إلى الجلسة، إن: "هناك آلاف الأطباء هنا بالقرب من بيوتكم. لا حاجة للبحث في الخارج، فهناك تمييز ضد الأطباء من المجتمع العربي، ولكن هناك من يحتفظون بالوظائف لأصدقائهم".
وتابع أن "العبء المتزايد على المستشفيات يتجلى في قوائم الانتظار الطويلة، والاكتظاظ، ونقص الكوادر الطبية، وذلك من بين أمور أخرى نتيجة انعدام الملاكات الكافية التي تتناسب مع النمو السكاني والاحتياجات الطبية. يؤثر هذا الوضع سلبًا على جودة الرعاية الصحية، وسلامة المرضى، وتكافؤ فرص الحصول على خدمات الصحة العامة. لقد أكمل آلاف الأطباء العرب فترة تدريبهم ولم يتم قبولهم للعمل في وظيفة معتمدة، أو أنهم يعملون في غير وظيفة معتمدة، أو أكملوا دراساتهم ولم يتم قبولهم في برامج التدريب. على وزارة الصحة دراسة حلول لزيادة عدد الأطباء ورفع عدد الوظائف المعتمدة في المستشفيات العامة وصناديق المرضى، وضمان توفير رعاية طبية مناسبة ومتاحة لجميع المواطنين. يعمل اليوم 11 ألف طبيب عربي، وأكثر من 3500 ينتظرون بدء فترة التدريب". كما طالب بالشفافية في عملية قبول الأطباء المتدربين.
وانضمت عضو الكنيست كيتي شطريت إلى الموقف وأكدت النقص الحاد في عدد الأطباء النفسيين رغم الوظائف المعتمدة من قبل وزارة الصحة، ورغم حقيقة أن الأطباء النفسيين القادمين إلى إسرائيل ينتظرون نحو عام كامل للحصول على تصريح عمل. كما أشارت إلى أن إسرائيل تعاني من نقص حاد في عدد الممرضات، حيث أن هناك 5.6 ممرضة لكل ألف نسمة، مقارنةً بـ 9 ممرضات لكل ألف نسمة في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وفي نهاية الجلسة طالبت اللجنة وزارة الصحة بتقديم تقرير لها في غضون أسبوعين حول كل مستشفى وقسم، بحيث يفصل عدد الوظائف المعتمدة المطلوبة وفقًا للوضع القائم، وعدد الكوادر الطبية العاملة وغير العاملة، وأنواع الأقسام التي بحاجة لتعديل عدد الملاكات ونوع التعديل المطلوب، وما إذا كان الجهاز بحاجة إلى أطباء غير متخصصين، وإن كان كذلك، فلماذا وإلى أي مدى، وعدد ملاكات الأطباء والممرضات المضافة للرعاية المنزلية.