قد يكون الهجوم العسكري الأميركي على إيران أقل ارتباطاً بالأمن الأميركي وأكثر ارتباطاً بأولويات الحكومة الإسرائيلية.
إن أحد المبررات البارزة للهجوم الإسرائيلي- الأميركي على إيران يتمثل في قصف البلاد لإجبارها على تبنّي موقف ودي تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل. قلة قليلة تعتقد أن ذلك سينجح. فإيران، وهي دولة تعادل مساحتها مجموع ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، يبلغ عدد سكانها 93 مليون نسمة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف سكان العراق عندما حاولت الولايات المتحدة، حتى بجيش ضخم، تحويله إلى حليف لها. ونتذكر جميعاً كيف انتهى ذلك.
خاض الرئيس دونالد ترامب حملتين رئاسيتين ناجحتين على أساس برنامج سياسة خارجية شعبوي تعهّد فيه قائلاً: "لن أبدأ حرباً، بل سأوقف الحروب"، وندّد بـ "الحروب التي لا نهاية لها" التي خاضها أسلافه في العراق وأفغانستان. لكنه يبدو الآن وكأنه تخلّى عن سياسة "أميركا أولاً" من دون مبرر استراتيجي واضح. إن فهم هذه الحرب بوصفها قراراً عقلانياً يفترض أن أميركا شنتها لتحقيق هدف محدد يخدم الأميركيين. ومع ذلك، وعلى خلاف ما يدّعيه ترامب، فإن برنامج الصواريخ بعيدة المدى الإيراني لم يكن يشكّل تهديداً متوقعاً للولايات المتحدة وفقاً لتقديرات الاستخبارات الأميركية. وهذا يوجّه الانتباه إلى أن أصل الحرب حقيقة، والمستفيد الأساسي منها، هو إسرائيل.
أقرّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأن الإجابة الأساسية عن سؤال "لماذا [مهاجمة إيران] الآن؟" تتمثل في أن قرارات خوض الحرب الأميركية كانت عملياً مدفوعة بإسرائيل. وقال في 2 آذار: "كنا نعلم أن عملاً إسرائيلياً سيحدث، وكنا نعلم أن ذلك سيؤدي إلى هجوم على القوات الأميركية، وكنا نعلم أنه إذا لم نبادر إلى ضربهم قبل أن يشنّوا تلك الهجمات فسنتكبد خسائر أكبر وربما عدداً أكبر من القتلى، وعندها كنا سنقف جميعاً هنا نجيب عن أسئلة حول سبب معرفتنا بذلك وعدم تحرّكنا".
الجزء الأول من إجابة روبيو بأن إسرائيل كانت تخطط لمهاجمة إيران وأن إيران سترد باستهداف مواقع أميركية، يعكس مشكلة حقيقية: سلوك إسرائيل يفرض تكاليف أمنية واقتصادية على الولايات المتحدة. فقد قدّم رؤساء أميركيون متعاقبون لإسرائيل مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية، وغطاءً سياسياً في المحافل الدولية، وعملوا بلا كلل لحمايتها من المساءلة عن حربها على غزة واحتلالها الطويل للضفة الغربية. وقد اعتادت إسرائيل على العمل بإفلات من العقاب وتجاهل المصالح الأميركية، ولا سيما فيما يتعلق بأولويات الرؤساء باراك أوباما وجو بايدن وترامب المعلنة لإعادة توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحو تحديات صعود الصين.
لكن حل إدارة ترامب، كما أوضحه روبيو، تمثل ببساطة في الإذعان لإسرائيل والانخراط في حرب اختيارية مميتة ضد إيران، تسهم بشكل متوقع في نشر الفوضى في المنطقة، وتقتل مدنيين إيرانيين، وتَعِد (على غرار حرب العراق المشؤومة في عهد جورج بوش) بتغيير سريع للنظام إلى ديمقراطية صديقة للولايات المتحدة وإسرائيل.
لا يمكن العثور على الأهداف الحقيقية لحرب ترامب في رؤيته الاستراتيجية، التي (إن وُجدت أصلاً) تطغى عليها مواقف متقلبة تخدم نزعاته الشخصية ومصالحه السياسية قصيرة الأمد. فمع أن معظم العمليات القتالية نفذها الجيش الأميركي، مع ما ينطوي عليه ذلك من أخطار كبيرة على الجنود الأميركيين وتكاليف يتحملها دافعو الضرائب، فإن الحرب وُلدت وخُطِّط لها وأُصرّ عليها من قبل إسرائيل ورئيس وزرائها طويل الأمد بنيامين نتنياهو.
وقال نتنياهو: "لقد حاولت إقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة باتخاذ إجراءات حازمة [ضد إيران]، وقد فعل الرئيس ترامب ذلك"، في إقرار بجهوده لدفع الولايات المتحدة إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط. ويشتهر نتنياهو بالمبالغة في وعوده بشأن نتائج التدخلات الأميركية؛ ففي العام 2002 قال: "إذا أزلتم صدام ونظامه، فأنا أضمن أن ذلك سيحدث أصداء إيجابية هائلة في المنطقة".
في حين تقود إسرائيل إحدى أقوى الترسانات النووية في العالم، ظلّ نتنياهو لعقود يحذّر من أن إيران تمثّل تهديداً وجودياً لإسرائيل لمجرد سعيها إلى امتلاك القدرة على تصنيع سلاح نووي. غير أن السبب الحقيقي لهوس نتنياهو، وفق هذا الطرح، يتمثل في الدور الذي لعبه هذا الخطاب (رغم كثرة الأدلة المناقضة) في ترسيخ صورته بوصفه "السيد أمن"، أي القائد الوحيد في إسرائيل المستعد والقادر على فعل ما يلزم للدفاع عن اليهود في مواجهة "هتلر العصر".
ومع مواجهته احتمال الإدانة الجنائية والسجن إذا غادر منصبه، فإن لدى نتنياهو الكثير ليخسره. وقد ساعدته حتى الآن حملة الدفع نحو الحرب، ولكن بعد أن حصل على حربه وقتل "الديكتاتور" الإيراني، ما هي خطته؟ أفضل طريقة للإجابة عن هذا السؤال هي النظر إلى ما سعى إلى فعله وما فعله بالفعل في غزة.
بعد الهجمات التي قادتها حركة حماس على المستوطنات الإسرائيلية قرب قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أطلق نتنياهو حرب تدمير وعقاب كان هدفها المعلن القضاء على حكم حماس هناك. فضلا عن أن الهدف هذا لم يتحقق بعد، إلا أنه أيضا لم يكن فعلياً هدفها الحقيقي. فبعد ما يزيد عن عامين من القصف الساحق ومقتل أو إصابة أكثر من 10% من سكان غزة، لا تزال حماس تحكم في غزة. غير أن هذه الحرب، التي طال أمدها وأُديرت بطريقة تحافظ على بقاء نتنياهو في السلطة وتعزز فرصه في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، حوّلت غزة إلى ساحة معاناة وفوضى ومنطقة إطلاق نار شبه مفتوحة للجيش الإسرائيلي. وهذا، إلى حد كبير، ما ينتظر إيران أيضاً، وهو ما سيخدم نتنياهو مرة أخرى أكثر من أي مصلحة أمنية أو جيوسياسية أميركية محتملة.
وللتوضيح، تعتمد إسرائيل على الولايات المتحدة في المساعدات العسكرية، وكذلك في الحماية داخل الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية عندما تحاول هذه المؤسسات متعددة الأطراف محاسبة قادتها على جرائم الحرب في غزة، ولم يكن بإمكانها تنفيذ حروبها في غزة ولبنان وسورية وإيران من دون دعم الولايات المتحدة.
لا تزال كلفة الحرب في إيران غير مؤكدة، لكن يمكن بالفعل الاستنتاج أن كلفتها البشرية والمالية ستكون هائلة وكان بالإمكان تجنّبها بالكامل. إن البدء في معالجة إخفاقات السياسات التي أوصلت الولايات المتحدة إلى هذه المرحلة يتطلب تمحيصاً في كيفية تمكّن دولة تُوصَف بأنها تابعة من اكتساب هذا القدر الكبير من التأثير على السياسة الخارجية لقوة عظمى.
في العام 2001، عبّر بنيامين نتنياهو بوضوح شديد عن رؤيته لنفوذ إسرائيل على الولايات المتحدة، إذ قال لناشطين من اليمين المتطرف الإسرائيلي: "أنا أعرف ما هي أميركا. أميركا شيء يمكن تحريكه بسهولة شديدة، تحريكه في الاتجاه الصحيح. لن يقفوا في الطريق".
اللوبي الإسرائيل الذي تقوده مجموعة صغيرة من المليارديرات الإسرائيليين-الأميركيين، والأميركيين من الحزبين، ممن يضعون طموحات حكومة إسرائيل اليمينية في مقدمة أولوياتهم، يستعد مرة أخرى لإغراق نظام تمويل الحملات الانتخابية قبيل انتخابات التجديد النصفي للعام 2026. وفي الوقت نفسه، تتورط الولايات المتحدة في حرب طالما سعت إليها إسرائيل ضد إيران من دون مبرر واضح يتعلق بالأمن القومي الأميركي. ومن السهل تصوير دونالد ترامب كرئيس أميركي آخر خضع لتأثير نتنياهو. لكن ترامب، بخلاف أسلافه، يتميز بصفة تجعله مختلفاً: فهو أحياناً يصرّح بما يُقال عادةً خلف الأبواب المغلقة.
وخلال حديثه أمام الكنيست الإسرائيلي في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أشار ترامب نفسه إلى قبضة لوبي إسرائيل على السياسة الخارجية الأميركية، وخصّ بالذكر المليارديرة الإسرائيلية- الأميركية ميريام أديلسون، إحدى أكبر ممولي هذا اللوبي وأكبر متبرعة للحملات في النظام السياسي الأميركي بأسره.
فقذ قال ترامب: "ميريام؟ أنظروا إلى ميريام. إنها هناك في الخلف. انهضي الآن. انهضي". وفي ختام حديثه الودي عن عائلة أديلسون، تساءل ترامب بشأن ولاءات أكبر وأقوى مموليه، قائلاً: "في الواقع سألتها (وقد أوقعها هذا في الحرج) وقلت لها: إذاً يا ميريام، أعلم أنك تحبين إسرائيل. ماذا تحبين أكثر، الولايات المتحدة أم إسرائيل؟"... لقد رفضت الإجابة. وهذا قد يعني (ربما يعني) إسرائيل.
(*) هذه المقالة نشرت بتاريخ 12 آذار 2026، في مجلة The Nation الأميركية. إيلي كليفتون هو صحافي وباحث أميركي متخصص في السياسة الخارجية الأميركية، وجماعات الضغط، والعلاقات الأميركية- الإسرائيلية. أما إيان لوستيك فهو أستاذ علوم سياسية أميركي بارز متخصص في شؤون الشرق الأوسط وإسرائيل، كما أنه باحث في القومية والصراع، ومؤلف أعمال أكاديمية مؤثرة.