المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 5
  • هشام نفاع

هذه حلقة ثانية من قراءة في مراجعة صدرت حديثًا في تقرير عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، خلصت إلى أن فترة عمل الكنيست الـ25 شهدت مسارًا متواصلًا لـ"إضعاف الديمقراطية في إسرائيل"، وليس مجرد خطوات متفرقة. 

فيما يلي نتوقف عند محورين اثنين: المساس باستقلالية الشرطة، وتسييس الخدمة العامة؛ وكنا تناولنا محوري: المساس باستقلالية الجهاز القضائي وتقويض سيادة القانون، على أن نختتم التقارير بحلقة أخيرة تتناول محاور: المساس بحرية الإعلام، تسييس جهاز التعليم والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني والمساس بالحقوق الأساسية.

بدأت عملية المساس باستقلالية الشرطة الإسرائيلية وفقًا للتقرير مع تشكيل الكنيست الخامس والعشرين، ثم تسارعت بصورة ملحوظة في ظل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى حد دفع عددًا من كبار المسؤولين في أجهزة إنفاذ القانون إلى التحذير من أن الوزير يقوّض مبدأ استقلال الشرطة ويضعف قدرتها على العمل بولاء للمصلحة العامة، لا للقيادة السياسية، كما تقتضي الأنظمة الديمقراطية. كما حذّر آخرون من أن الشرطة أصبحت أكثر تسييسًا، وأن أداءها بات يتأثر بتوقعات الوزير ورغباته.

ويتجلى هذا المساس في ثلاثة محاور مترابطة: أولها تعديل الإطار القانوني المنظم لعمل الشرطة بما وسّع صلاحيات وزير الأمن القومي على حساب استقلاليتها المهنية؛ وثانيها التدخل المباشر والمتزايد في عمل الشرطة، سواء في التعيينات أو التحقيقات أو إدارة العمليات؛ وثالثها التضييق على حرية التظاهر والاحتجاج.

تعديل قانون الشرطة وتوسيع صلاحيات الوزير وتدخّله

في نهاية العام 2022، وقبل تشكيل الحكومة الحالية، أُقرّ على وجه السرعة التعديل رقم (37) لقانون الشرطة، استنادًا إلى صياغة أعدها بن غفير وفريقه. ومنح التعديل وزير الأمن القومي نفوذًا غير مسبوق على جهاز الشرطة، فنص على أن الشرطة تخضع لسلطة الحكومة، وأن الوزير هو المسؤول عنها باسم الحكومة، كما خوّله رسم سياسة الشرطة ومبادئ عملها العامة، بل ومنحه أيضًا صلاحية تحديد السياسة المتعلقة بالتحقيقات الجنائية.

وفي كانون الثاني 2025، نظرت هيئة موسعة من قضاة المحكمة العليا في دستورية هذا التعديل، وقررت عدم إبطاله بالكامل، لكنها ألغت المادة التي تمنح الوزير صلاحية التدخل في التحقيقات، معتبرة أنها تمس بصورة غير متناسبة بالحقوق الدستورية للمشتبه فيهم. وأكدت المحكمة في الوقت نفسه أن الوزير يستطيع رسم سياسة عامة للشرطة، لكنه ممنوع من التدخل في عملها التنفيذي أو إصدار تعليمات عملياتية.

اتسمت فترة تولي بن غفير وزارة الأمن القومي بتدخل غير مسبوق في عمل الشرطة، رغم أن المحكمة العليا شددت صراحة على ضرورة امتناعه عن إصدار تعليمات عملياتية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ففي مطلع العام 2024، وصل الوزير إلى مكاتب دائرة التحقيق مع أفراد الشرطة (ماحش) دعمًا لشرطي قتل طفلًا فلسطينيا يبلغ من العمر 12 عامًا في مخيم شعفاط، وانتقد علنًا قرار فتح تحقيق معه. واعتبرت المستشارة القانونية للحكومة أن هذا السلوك يشكل مساسًا خطيرًا بسيادة القانون، ويعكس تسييسًا لأجهزة إنفاذ القانون.

كما أفادت تقارير بأنه طلب مباشرة من المفتش العام للشرطة تغيير طريقة توزيع القوات، وأنه أجرى اتصالات مباشرة مع قادة الشرطة بشأن قضايا عملياتية، وهو ما يتعارض مع الحدود التي رسمتها المحكمة العليا لصلاحياته. وبالتوازي، ظهرت مؤشرات على أن تدخل الوزير أدى إلى إحجام الشرطة عن القيام بواجباتها في قضايا لا تنسجم مع مواقفه السياسية. فقد أفادت تقارير بأن مستشاره الأمني أوعز إلى ضباط الشرطة باحتواء أحداث الشغب التي شهدتها قاعدة "بيت ليد" العسكرية في تموز 2024، بعد اعتقال جنود مشتبهين باعتداء جنسي على أسير فلسطيني، بدل التعامل معها بحزم.

وفي قضية أخرى، ذُكر أن التحقيق تباطأ في شبهات تتعلق بمساعدين لبن غفير متهمين بتوزيع أسلحة بصورة مخالفة للقانون، خشية أن يقود التحقيق إلى الاشتباه بالوزير نفسه. وأشار مسؤولون في الشرطة إلى وجود مخاوف من أن يؤدي التحقيق معه إلى الإضرار بالمحققين وقادتهم.

انتهاك اتفاق لتقييد تدخل الوزير بعد التماسات للمحكمة العليا

بعد تقديم التماسات للمحكمة العليا تطالب بإقالة بن غفير من منصبه، تم في نيسان 2025 التوصل إلى وثيقة مبادئ متفق عليها بين المستشارة القانونية للحكومة ووزير الأمن القومي، هدفت إلى الحد من تدخله في العمل العملياتي للشرطة وفي إجراءات التعيين داخل الجهاز. إلا أن المستشارة القانونية أعلنت بعد فترة وجيزة أن الوزير تجاوز بالفعل القيود التي تضمنها الاتفاق، وأنه ما زال يتصرف كما لو كان "مفتشًا عامًا فوق المفتش العام"، في مخالفة مباشرة لقرارات المحكمة العليا.

وحددت ثلاثة مجالات رئيسة لهذه التجاوزات:

الأول، استمرار الوزير في الإدلاء بتصريحات علنية ومتكررة بشأن تحقيقات جنائية محددة، عندما تخدم هذه التصريحات مصالحه أو مواقفه السياسية، بما يبعث رسائل ضمنية إلى أجهزة إنفاذ القانون حول السلوك المتوقع منها. ومن الأمثلة على ذلك مطالبته المفتش العام للشرطة، خلال قضية المدعية العسكرية العامة، التي اتهمت بتسريب معلومات لقناة تلفزيونية عن التعذيب في القاعدة العسكرية "سديه تيمان"، بنقل مواد التحقيق إلى مفوض شكاوى القضاة، رغم أن القضية كانت لا تزال منظورة أمام المحكمة العليا.

الثاني، مواصلة التدخل في التعيينات داخل الشرطة. ومن أبرز الأمثلة رفضه بصورة غير مسبوقة المصادقة على ترقية ضابطة شاركت في التحقيقات المتعلقة بملفات رئيس الحكومة، وهو ما دفع المفتش العام إلى التحذير من أن هذا السلوك قد يرهب رجال الشرطة الذين يشاركون في التحقيقات الجنائية. كما رفض الوزير، على امتداد عدة أشهر، المصادقة على تعيين الفائز في مناقصة منصب المسؤول عن أوامر الحصانة في مقر الشرطة، في محاولة لنقل صلاحية التوقيع على تلك الأوامر إلى يده. وحذرت المستشارة القانونية من أن هذا التأخير ألحق ضررًا بالغًا بإجراءات إنفاذ القانون، وأدى حتى إلى إطلاق سراح موقوفين خطرين، قبل أن يوافق الوزير في تشرين الثاني على تعيين قائم بالأعمال.

أما المجال الثالث، فتمثل في تدخل الوزير في إدارة المظاهرات، إذ نشر "وثيقة سياسة" تحدد كيفية تعامل الشرطة مع الاحتجاجات، بما يقلص هامش استقلالها في اتخاذ القرار بشأن مكان المظاهرة ومضمونها، وهما عنصران يرتبطان مباشرة بحرية التعبير.

واعتمدت الوثيقة معيارًا منخفضًا للغاية لتقييد حرية التعبير، وهو مجرد وجود "أساس معقول للاشتباه"، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام الرقابة غير المشروعة واستخدام القوة بصورة غير متناسبة. كما أنها صدرت من دون مشاورات جوهرية مع المفتش العام للشرطة أو المستشارة القانونية للحكومة، رغم أنها رأت لاحقًا أن الوثيقة تفتقر إلى أي أثر قانوني.

وفي نيسان 2026، نظرت المحكمة العليا في سلسلة التماسات طالبت رئيس الحكومة بإقالة بن غفير بسبب تدخله في عمل الشرطة. وبعد الجلسة، منحت المحكمة وثيقة المبادئ المتفق عليها قوة قرار قضائي، وسمحت للأطراف بالعودة إليها إذا وقع أي خرق لها، كما قررت أن تتم الترقيات إلى المناصب القيادية العليا في الشرطة بناءً على توصية هيئة القيادة العليا للشرطة، مع إبلاغ المستشارة القانونية مسبقًا، وأن يمتنع وزير الأمن القومي عن الإدلاء بتصريحات تتعلق باستخدام القوة ضد المواطنين أو التحقيقات الجارية.

تقييد حرية الاحتجاج وتصاعد العنف البوليسي ضد المظاهرات

تناول التقرير أيضًا تقييد حرية الاحتجاج وتصاعد العنف الشرطي، مؤكدًا: يُفترض بالشرطة في النظام الديمقراطي أن تحافظ على النظام العام مع صون الحقوق الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير والتظاهر. إلا أن أداء الشرطة خلال ولاية الحكومة الحالية اتسم بتضييق متزايد على الحق في الاحتجاج، إلى جانب تسجيل حالات عديدة من الاستخدام المفرط للقوة ضد المتظاهرين، ولا سيما من خلال الاعتقالات غير المستندة إلى مبرر قانوني، ومحاولات إسكات الرسائل السياسية.

ومن الأمثلة على ذلك ما جرى في آذار 2023، في أثناء المظاهرات المناهضة لخطة "الإصلاح القضائي"، عندما ألقت الشرطة ثلاث قنابل صوتية في اتجاه متظاهرين لم يمارسوا أي عنف ضد أفرادها. وبعد اندلاع الحرب العام 2023 تصاعد هذا التوجه بصورة أكبر. ففي الأيام الأولى للحرب، أعلن المفتش العام للشرطة آنذاك، يعقوب شبتاي، في تصريح غير مسبوق، أنه لن يسمح بتنظيم مظاهرات تضامن مع سكان قطاع غزة، وقال إن من يريد أن يكون مواطنًا في إسرائيل "أهلًا وسهلًا"، أما من يريد التضامن مع غزة "فسنضعه في الحافلات المتجهة إليها".

وبالفعل، منعت السلطات في عدد من الحالات تنظيم مظاهرات أو قامت بتفريقها بالقوة، رغم عدم وجود مبرر قانوني واضح لذلك. كما استخدمت الشرطة العنف ضد متظاهرين، بمن فيهم أفراد من عائلات الأسرى، وأعضاء كنيست، وصحافيون، في ظروف بدا فيها أن استخدام القوة تجاوز التعليمات المنظمة لتفريق المظاهرات وافتقر إلى أي أساس قانوني.

وشملت الإجراءات أيضًا مصادرة لافتات تحمل مضامين سياسية، رغم توجيهات المستشار القانوني للشرطة التي تؤكد ضرورة السماح برفع لافتات تتضمن رسائل سياسية، حتى وإن كانت ناقدة أو حادة، وكذلك رغم أحكام قضائية أقرت بأن الشرطة لا تملك صلاحية مصادرة لافتات لمجرد مضمونها السياسي.

وفي السياق نفسه، خففت الشرطة التعليمات المتعلقة باستخدام القنابل الصوتية خلال المظاهرات، فأصبح الشرطي غير ملزم بإلقائها على بعد متر واحد على الأقل من المتظاهرين، وإنما يلتزم بذلك فقط "قدر الإمكان"، الأمر الذي وسّع هامش استخدام هذه الوسيلة.

كما أُبلغ مؤخرًا عن عدة حالات أُجبرت فيها متظاهرات، بعد اعتقالهن، على خلع ملابسهن بالكامل لإجراء تفتيش جسدي عارٍ. 

ويرى التقرير أن مجمل هذه الوقائع يكشف عن نمط متواصل من تقليص الحق في الاحتجاج، واستخدام غير متناسب للقوة، بل وإمكانية توظيف التفتيش العاري كوسيلة لردع المتظاهرين، بما يمس بحرية التعبير في الحيز العام.

تسييس الخدمة العامة وتراجع تمثيل النساء فيها

يشير تقرير "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" إلى أن الخدمة العامة في إسرائيل تعرضت خلال ولاية الحكومة الحالية إلى ضغوط سياسية متزايدة بلغت مستويات غير مسبوقة، من خلال الجمع بين شل عمل الجهاز الإداري وتسييسه. ويتجسد هذا المسار في ثلاثة اتجاهات رئيسية: الإبقاء على مناصب مركزية شاغرة أو شغلها بتعيينات مؤقتة، وتراجع تمثيل النساء في المناصب القيادية العليا، والسعي إلى إضعاف الآليات المهنية لإدارة الشركات الحكومية.

فقد اعتمدت الحكومة، طوال فترة ولايتها، بصورة واسعة، على تعيين قائمين بالأعمال بدل التعيينات الدائمة في المناصب العليا. ورغم أن الوزراء ليسوا جزءًا من الجهاز المهني للخدمة العامة، فإن عدم الاستقرار في المستوى الوزاري انعكس مباشرة على أداء الجهاز الإداري الخاضع لهم. فقد لجأت الحكومة، لفترات طويلة، إلى تكليف وزراء بإدارة عدة وزارات في الوقت نفسه.

فعقب انسحاب حزب شاس من الحكومة، تولى وزير العدل، بصفة مؤقتة، مسؤولية أربع وزارات إضافية، ليصبح مشرفًا على خمس وزارات في آن واحد. وفي الوقت نفسه، تولى وزير السياحة إدارة ثلاث وزارات أخرى، فأصبح مسؤولًا عن أربع وزارات متزامنة. ويعتبر التقرير أن إدارة وزير واحد لعدد كبير من الوزارات، ولا سيما الوزارات الكبيرة والمركزية، تضر بالمصلحة العامة وتؤثر سلبًا في جودة الإدارة والخدمة العامة.

وشهدت الخدمة العامة خلال فترة الحكومة الحالية تغييرات متكررة في شاغلي المناصب العليا، كما بقي عدد من الوظائف المركزية شاغرًا أو أُدير بواسطة قائمين بالأعمال. كذلك استمرت "مؤسسة التأمين الوطني" في العمل من دون مدير عام ثابت لمدة ثلاث سنوات، بينما بقيت وزارات حكومية عديدة طوال هذه الفترة من دون كبار الموظفين المهنيين الذين يفترض أن يشغلوا مناصبها القيادية.

في شباط 2025 أصدرت المحكمة العليا حكمًا اعتبر سابقة قضائية، قضت فيه بأن الحكومة انتهكت واجبها القانوني في ضمان التمثيل الملائم للنساء في المناصب العليا، وألزمتها بوضع تعليمات، خلال ستة أشهر، تكفل تطبيق هذا المبدأ عند تعيين المديرين العامين للوزارات والمناصب الأخرى المعفاة من المناقصات. لكن، ورغم هذا الحكم، لم تُعيَّن بعد صدوره سوى امرأة واحدة مديرًا عامًا لوزارة حكومية بصورة دائمة، مقابل تعيين تسعة رجال في الفترة نفسها. ويشير التقرير إلى أن الدراسات تظهر أن ضعف تمثيل النساء في مناصب المديرين العامين ليس جديدًا، إلا أن الحكومة الحالية أوصلت هذا التراجع إلى أدنى مستوياته منذ ما لا يقل عن عقدين.

المصطلحات المستخدمة:

التأمين الوطني, الكنيست, رئيس الحكومة

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات