يمثل التقارب الإسرائيلي- الهندي بعد زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل في شباط 2026 تحولًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين الطرفين. والجديد لا يكمن في زيادة مشتريات السلاح أو في توقيع اتفاقيات اقتصادية جديدة، بل في انتقال العلاقة من نموذج "الزبون والمورد" إلى نموذج "الشريك الاستراتيجي". ومن المتوقع أن تؤدي الهند، بعد هذه الزيارة، وظيفة "العمق الاستراتيجي" لإسرائيل: قاعدة صناعية، وسوق ضخمة، ومجال للتصنيع المشترك. هذا التحول يعكس رؤية إسرائيلية جديدة ترى في الهند رافعة عسكرية وتكنولوجية.
تحاول إسرائيل منذ سنوات تقليل اعتمادها على الغرب، وخاصة على الولايات المتحدة، في مجالات الإنتاج العسكري وسلاسل التوريد. وبحسب تقرير صادر عن مركز بيغن- السادات للدراسات الإستراتيجية، فقد "كشفت الحرب التي اندلعت بعد العام 2023 عن حجم هشاشة الاقتصاد العسكري الإسرائيلي عندما تتعرض البلاد لهجمات مكثفة ومتعددة الجبهات تشمل الطائرات المسيرة، والذخائر الانتحارية، والصواريخ الدقيقة، والهجمات السيبرانية". في هذا السياق، تحتاج إسرائيل إلى شريك خارجي يملك قدرة صناعية كبيرة تسمح لإسرائيل بمواصلة الإنتاج والتطوير والتعويض السريع عن الخسائر؛ والهند هي المرشح الأبرز. فالهند لم تعد مجرد أكبر مستورد للسلاح الإسرائيلي، بل باتت تؤدي دور "المؤخرة الاستراتيجية" لإسرائيل: أي أن الهند توفر لإسرائيل ما تفتقده من مصانع واسعة، وقوى عاملة ماهرة، وقدرة على الإنتاج الضخم، وسوقًا كبيرة تسمح بخفض الكلفة وتوسيع نطاق التصنيع. في المقابل، تقدم إسرائيل للهند ما تحتاجه من التكنولوجيا المتقدمة، والخبرة السيبرانية، والقدرات الخوارزمية، والهندسة العسكرية الدقيقة.
يكمن التحول الأساس في انتقال العلاقة من شراء منظومات إسرائيلية جاهزة إلى تصنيعها وتطويرها داخل الهند نفسها. وتتحدث الخطط الجديدة عن مشاريع مشتركة في مجال الدفاع الجوي متعدد الطبقات، ومواجهة الطائرات المسيرة، والحرب السيبرانية، مع تصنيع جزء كبير منها وفق شعار "صنع في الهند". وبهذا تصبح الهند امتدادًا للصناعة العسكرية الإسرائيلية، بحيث تستطيع إسرائيل الاعتماد عليها في أوقات الحرب الطويلة، عندما تصبح المصانع المحلية عاجزة عن تلبية الطلب أو عندما تتعرض سلاسل التوريد إلى الانقطاع.
يرتبط هذا التحول أيضًا بصعود مفهوم "التشبع" في الحروب الحديثة. فلم تعد الحروب تحسم عبر امتلاك سلاح متفوق نوعيًا فقط، بل عبر القدرة على تحمل الضربات، والاستمرار في الإنتاج، وتوفير قطع الغيار، وتحديث المنظومات بسرعة. في حروب الاستنزاف، يصبح العمق الصناعي أهم من التفوق التقني بحد ذاته؛ لهذا ترى إسرائيل أن الهند تشكل رصيدًا استراتيجيًا لأنها تمنحها القدرة على الصمود في حرب طويلة ومكلفة.
ولا تقتصر العلاقة الجديدة على المجال العسكري المباشر. فإسرائيل والهند توسعان تعاونهما في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وأشباه الموصلات. تنظر إسرائيل إلى هذه المجالات باعتبارها بنية تحتية للسيطرة العسكرية المستقبلية. فالذكاء الاصطناعي يدخل اليوم في تحديد الأهداف، وإدارة النيران، ودمج المعلومات، وتشغيل الطائرات المسيرة، وتحليل الصور والبيانات. أما الحوسبة الكمية فترتبط بمستقبل الاتصالات المشفرة والحرب السيبرانية. وتشكل أشباه الموصلات نقطة ضعف مركزية في كل الصناعات العسكرية والمدنية الحديثة.
تحاول الهند بدورها تقليل اعتمادها على شرق آسيا، وخاصة على الصين، في قطاع التكنولوجيا المتقدمة. لذلك ترى في إسرائيل شريكا قادرًا على توفير التصميمات، والخبرة البرمجية، والبنية السيبرانية، بينما توفر هي الإنتاج والتوزيع. هذه العلاقة تعطي الطرفين ما يمكن تسميته "اعتمادًا متبادلًا ذكيًا"؛ أي اعتماد يزيد من القدرة على الصمود بدلًا من أن يخلق هشاشة جديدة.
وتظهر هذه الرؤية أيضًا في الحديث عن البنية الرقمية العامة واتفاقية التجارة الحرة. فإسرائيل تنظر إلى أنظمة الدفع الرقمية، وشبكات البيانات، والمعايير التقنية، باعتبارها جزءًا من الأمن القومي. من يسيطر على هذه البنية يملك القدرة على التحكم في الاقتصاد، وحركة البيانات، واستمرار العمل وقت الأزمات. لذلك تسعى إسرائيل إلى ربط قدراتها السيبرانية والبنيوية بالبنية الرقمية الهندية، بما يخلق شبكة مصالح تجعل من الصعب على أي طرف التراجع عن العلاقة مستقبلًا.
كذلك يجري وضع هذه الشراكة داخل أطر إقليمية أوسع مثل اتفاقية I2U2 (اختصار للأحرف الأولى من أسماء أربع دول بالإنكليزية، وهي: إسرائيل والهند، الإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة)، بالإضافة إلى ممر IMEC (الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا). لا تنظر إسرائيل إلى هذه الأطر باعتبارها مشاريع اقتصادية فقط، بل باعتبارها بنية جيوسياسية جديدة تربطها بالهند، والخليج، والولايات المتحدة، في مواجهة النفوذ الصيني والإيراني. يهدف ممر IMEC مثلا إلى خلق شبكة نقل وطاقة واتصالات تربط الهند بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل، بما يعزز موقع إسرائيل كمحطة مركزية في النظام الإقليمي الجديد.
لكن تقرير مركز بيغن- السادات للدراسات الإستراتيجية يرى أن هذا التصور الإسرائيلي يحمل قدرًا من المبالغة. فالهند لا تزال تتبع سياسة تعدد المحاور، وهي تعتمد على العالم العربي في الطاقة، والتجارة، وتحويلات ملايين العمال الهنود. كما أنها لا تزال تحافظ على علاقات مع إيران، سواء لأسباب تتعلق بالممرات التجارية أو بمكانة إيران في آسيا الوسطى. لذلك، لا تستطيع إسرائيل التعويل على اصطفاف هندي كامل معها في المحافل الدولية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضية الفلسطينية أو بالحروب في المنطقة.
تحاول إسرائيل تجاوز هذه المعضلة عبر بناء شراكة قائمة على المصالح العملية وليس على التطابق السياسي. الفكرة المركزية تقول إن الهند قد تختلف مع إسرائيل في الخطاب الدبلوماسي، لكنها ستواصل التعاون معها عندما ترى في ذلك مصلحة تتعلق بالأمن، والتكنولوجيا، والاقتصاد. من هنا جاءت الدعوة الإسرائيلية إلى إنشاء منتديات دائمة تضم مجلس الأمن القومي، ووزارة الدفاع، والشركات الصناعية، ووضع مشاريع محددة بتمويل وجداول زمنية واضحة، وبناء مخازن وورش إنتاج داخل الهند نفسها.
يكشف هذا التحول عن أزمة إسرائيلية بقدر ما يكشف عن صعود هندي. فإسرائيل التي كانت تقدم نفسها طوال عقود باعتبارها قوة مستقلة ومكتفية ذاتيًا، باتت تبحث عن "عمق استراتيجي" خارج حدودها. ويعني ذلك أن الحروب الأخيرة أظهرت حدود القدرة الإسرائيلية الذاتية، ودفعتها نحو الارتهان إلى شراكات صناعية وتقنية خارجية. لذلك، فإن العلاقة الجديدة مع الهند ليست قصة "نجاح" دبلوماسي فقط، بل أيضاً تعبير عن حاجة إسرائيلية عميقة لتعويض نقاط ضعفها البنيوية عبر الهند.