يقدّم الفصل السادس من تقرير "مدار" الاستراتيجي قراءة تحليلية للمشهد الاجتماعي في إسرائيل في العام 2025، وبعد انتهاء الحرب على غزة، مركّزًا على التحولات البنيوية التي أصابت المجتمع الإسرائيلي في ظل استمرار حكم اليمين وتصاعد الاستقطاب الداخلي. يستخلص الفصل أن الحرب لم تُنتج تماسكًا دائمًا، بل كشفت هشاشة "العقد الاجتماعي" الذي يجمع الإسرائيليون وأعادت تفجير التناقضات الكامنة داخل المجتمع.
يبيّن الفصل أن اليمين الإسرائيلي واصل مشروعه لإعادة تشكيل الدولة ومؤسساتها، من خلال تقليص القيود المؤسسية على عمل السلطة التنفيذية، وخاصة القيود القضائية، وعمل على تعزيز حضور التيارات الدينية والقومية داخل مراكز القرار. تزامن ذلك مع دمج متزايد للمستوطنين في مؤسسات الحكم والأمن، وتطبيع خطاب الضم والعنف الاستيطاني في الفضاء العام، بما يعكس تحوّلًا عميقًا في طبيعة الدولة واتجاهاتها.
في المقابل، تراجع التضامن الداخلي الذي تعزّز مؤقتًا خلال الحرب، مع عودة الانقسام بين معسكرين رئيسيين: معسكر علماني-ليبرالي، وآخر ديني-يميني محافظ. هذا الاستقطاب لم يعد هامشيًا، بل تحوّل إلى التوتر المركزي داخل المجتمع الإسرائيلي، متجاوزًا حتى الانقسام التقليدي بين اليهود والعرب. كما تشير المعطيات إلى تراجع الثقة بالقيادة السياسية، مقابل استمرار مكانة المؤسسة الأمنية رغم تصاعد الخلافات حولها.
يرصد الفصل أيضًا تحولات ديمغرافية داخل المشهد الاجتماعي الإسرائيلي، أبرزها تباطؤ النمو السكاني وازدياد الهجرة العكسية، خاصة بين الفئات الشابة والمتعلمة، بما يشمل "هروب الأدمغة" وتأثير هذه الظاهرة على الاقتصاد، ولا سيما قطاع الهايتك. بالتوازي، يتعمق الصراع حول تجنيد الحريديم، الذي بات يمس ركائز أساسية في بنية الدولة: الجيش، والاقتصاد، ومفهوم تقاسم الأعباء، ما يجعله أحد أخطر خطوط التصدع الداخلي.
كما يتناول الفصل تزايد مظاهر العنف الاجتماعي واتساع الفجوات الاقتصادية، بما في ذلك ارتفاع معدلات الجريمة والعنف ضد النساء، وتراجع الحصانة المجتمعية. تعكس هذه المؤشرات مجتمعة حالة من التفكك التدريجي، حيث تتراجع القدرة على إنتاج توافقات داخلية مستقرة.
يخلص الفصل إلى أن المجتمع الإسرائيلي يدخل مرحلة إعادة تشكّل عميقة، تتسم بتصاعد النزعات اليمينية، وتآكل التضامن الداخلي، وتزايد التوترات البنيوية، بما يضع أسسًا لتحولات طويلة المدى في طبيعة الدولة ومجتمعها.