المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 8
  • برهوم جرايسي

تتجه أنظار المراقبين، والحلبة السياسية الإسرائيلية، في هذه الأيام، إلى الجمهور العربي، بشأن حجم مشاركته في الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي ستجري يوم 27 تشرين الأول الجاري، إذ إن التوقعات تُجمع على ارتفاع نسبة المشاركة في التصويت، إلى أكثر من 60%، ما من شأنه زيادة التمثيل البرلماني، عن آخر جولتي انتخابات، جرتا في العامين 2021 و2022، ما قد ينعكس على نسبة التصويت العامة، وبالتالي على توزيع المقاعد، بشكل يعمّق أزمة تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، بحسب ما تُجمع عليه استطلاعات الرأي العام، بأن لا أحد من المعسكرين المتنافسين على تولي الحكومة، سيحظى بأغلبية مطلقة، بفعل قوة القائمة المشتركة، التي تضم ثلاثة أحزاب، التي من المتوقع أن يتراوح تمثيلها ما بين 8 إلى 10 مقاعد.

معطيات ديمغرافية ونسب التصويت

أعلن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، في منتصف أيلول الماضي، بمناسبة رأس السنة العبرية، أن عدد سكان إسرائيل، عند صدور التقرير، بلغ 10 ملايين و305 آلاف نسمة، وهذا يشمل الفلسطينيين في القدس المحتلة، والسوريين في الجولان السوري المحتل، غير المجنسين، بمعنى حسب تقديرات غير رسمية، فإن عدد السكان من دون هاتين المنطقتين، بات تقريبًا 9 ملايين و935 ألف نسمة. 

وفي تقديرنا، فإن في القدس المحتلة حاليًا أكثر بقليل من 400 ألف فلسطيني، من بينهم، وأيضًا حسب التقديرات، حوالي 37 ألفًا منهم يحملون الجنسية الإسرائيلية، إما كونهم انتقلوا إلى القدس من مناطق أخرى، وأيضًا أهالي قرية بيت صفافا، أو الذين طلبوا وحصلوا على الجنسية، كذلك حسب التقديرات، ما زال بضعة آلاف من السوريين لم يطلبوا الجنسية الإسرائيلية. وهذا يعني حسب تقديرنا أن عدد فلسطينيي 48، بات في هذه المرحلة، حوالي 1.865 مليون نسمة، ويشكلون ما نسبته 18.77% من المواطنين، من دون القدس والجولان. 

نشير هنا إلى أن المجتمع العربي يشهد منذ مطلع سنوات التسعين تراجعًا بمعدلات الولادة، وبالتالي تراجعًا بنسب التكاثر، وهذا بروح العصر، حتى بات معدل الولادات للمرأة العربية ككل، حوالي 2.9 ولادة، مقابل 3.1 ولادة للأم اليهودية، لكن هذا المعدل العالي لدى اليهود، بفعل معدل الولادات لدى نساء الحريديم، حوالي 6.5 ولادة للأم الواحدة. وهذا انعكس أيضًا على تركيبة المجتمع العربي، ففي العام 2005، كان 47% من المواطنين العرب حتى عمر 17 عامًا، وفي العام 2015 هبطت النسبة إلى 41%، وفي العام الجاري 2026، فإن النسبة هبطت إلى 35%، بواقع تراجع بنسبة نصف بالمائة تقريبًا سنويًا.

 وبحسب التقديرات، فإن نسبة العرب من سجل الناخبين، ستقفز بقليل عن 16%، من أصل عدد ذوي حق اقتراع بلغ بالتقريب، 7.332 مليون، ومنهم عرب 1.18 مليون صاحب حق اقتراع. لكن في يوم الانتخابات، وباعتبار أن أكثر بقليل من 10% من المسجلين اليهود، مقيمون خارج البلاد، مقابل نسبة 5% بالتقدير من العرب، فإن نسبة العرب تصل يوم الانتخابات إلى 17%. إلا أن نسبة المشاركة بين العرب واليهود، باتت بفجوة كبيرة جدًا، ابتداء من الانتخابات البرلمانية التي جرت في مطلع العام 2003، إذ إن نسبة المشاركة بين اليهود في محيط 73% من المسجلين في سجل الناخبين، وأكثر من 80% من المتواجدين في البلاد في يوم الانتخابات، إلى نسبة بين العرب تتأرجح بالمعدل ما بين أقل من 50% وحتى 65% كما جرى في العام 2020، من إجمالي المسجلين في سجل الناخبين، وهذا ينعكس فورًا على حجم تمثيل الأحزاب الفاعلة بين العرب. 

وعلّمت التجربة، خاصة في آخر خمس جولات انتخابات، ما بين ربيع 2019، وخريف 2022، أن نسبة التصويت العامة تعلو وتنخفض، بحسب نسبة التصويت بين العرب، ما يعني أن نسبة تصويت اليهود وصلت إلى أشبه ما يمكن تسميته "سقفًا زجاجيًا"، والارتفاع الزاحف في نسبة تصويت اليهود، بفعل التكاثر السكاني لدى الشرائح الأكثر إقبالًا على التصويت، خاصة جمهور الحريديم، ما بين 88% إلى 92%، ثم جمهور التيار الديني الصهيوني، بنسبة تتراوح ما بين 85% إلى 90%. وفي انتخابات الأول من تشرين الثاني 2022، بلغت نسبة التصويت العامة 70.6% إذ أن نسبة التصويت بين العرب، تراوحت ما بين 56% إلى 57%، بينما في انتخابات العام 2021، هبطت نسبة التصويت العامة إلى حوالي 67.5% لأن نسبة مشاركة العرب لم تصل إلى 44%. وللمقارنة، فإنه في انتخابات ربيع العام 2020، قفزت نسبة التصويت العامة عن 73%، لأن نسبة تصويت العرب قفزت عن 65%، ويومها حازت القائمة المشتركة الشاملة على 15 مقعدًا. 

في الانتخابات القريبة، تشعر القائمتان الفاعلتان في المجتمع العربي أن التفاعل الجماهيري أكبر من الانتخابات السابقة، والانطباع السائد، الذي تدعمه استطلاعات داخلية، يقول إن نسبة التصويت بين العرب ستتراوح ما بين 60% وحتى 65%، من المسجلين في سجل ذوي حق الاقتراع.

الانتخابات القريبة

تخوض الانتخابات في المجتمع العربي، حاليًا، قائمتان: الأولى، "القائمة المشتركة"، وهي تحالفية بين ثلاثة أحزاب: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، برئاسة البروفيسور يوسف جبارين، والتجمع الوطني الديمقراطي، برئاسة سامي أبو شحادة، (حتى شطب ترشيحه وسنأتي عليه)، والحركة العربية للتغيير، برئاسة الدكتور أحمد طيبي. والقائمة الثانية هي "القائمة العربية الموحدة" برئاسة الدكتور منصور عباس، والتي رفضت التوجه العام في الشارع العربي، لإعادة بناء القائمة المشتركة الشاملة، بسبب إصراره على نهجه، بالانخراط كليًا في كل حكومة تتشكل بعد الانتخابات، ومطلبه بأن تدعم الأحزاب الثلاثة نهجه، وتعمل برلمانيًا بموجب ما يخطط له، وهو الأمر الذي رفضته الأحزاب الثلاثة كليًا، وفي المقابل ضم عباس لقائمته، القائد الأسبق في الشرطة الإسرائيلية، يوآف سيغالوفيتش، الذي انسلخ عن حزب "يوجد مستقبل" لهذا الغرض. 

وتقول الأحاديث، غير المدعومة رسميًا، إن خطوة عباس بشأن سيغالوفيتش، تهدف إلى إزالة عثرة موقف أحزاب المعارضة الصهيونية، برفضها ضم عباس وقائمته لأي حكومة يشكلونها، أما الآن، فإن الضم سيكون من خلال سيغالوفيتش، لأنه من دون هذه القائمة، تبقى حكومتهم بعيدة جدًا عن الأغلبية المطلقة. 

نشير هنا إلى أن لجنة الانتخابات المركزية، التي تتشكل من الأحزاب الممثلة في الكنيست المنتهية ولايته، وبرئاسة قاضي محكمة عليا، قد شطبت ترشيح القائمتين المذكورتين، وأيضًا ترشيح رئيس التجمع، سامي أبو شحادة، الذي انضمت ضده كل أحزاب المعارضة الصهيونية، ومعهم بشكل غير مألوف رئيس اللجنة، القاضي سولبرغ، وأيضًا المرشح في قائمة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، النائب د. عوفر كسيف، الذي أيضًا صوتت ضده غالبية أحزاب المعارضة الصهيونية. إلا أن المحكمة العليا، ألغت قرارات لجنة الانتخابات المركزية، باستثناء قرار شطب ترشيح أبو شحادة، وحتى أنه عملاً باقتراح رئيس المحكمة العليا، آرييه عميت، فقد سحب أبو شحادة ترشيحه، قبل صدور قرار نهائي من المحكمة، تحسبًا لسلسلة من التبعات السلبية لصدور قرار كهذا. وتقول آخر استطلاعات الرأي العام إن القائمة المشتركة ستحصل على ما بين 8 إلى 9 مقاعد، مقابل 5 مقاعد للقائمة الموحدة. بمعنى قوة مجتمعة تتراوح ما بين 13 و14 مقعدًا، لكن في حال كانت نسبة التصويت 65% فإن الاحتمال قائم لزيادة.

منهجية التصويت بين العرب في السنوات الأخيرة

كما أسلفنا هنا، فإنه منذ انتخابات مطلع العام 2003، تظهر فجوة كبيرة جدًا، في نسب التصويت بين العرب واليهود، ما يقلص حجم تمثيل العرب في الكنيست، ولو كانت نسبة التصويت متساوية، لكان وزن التمثيل العربي، الإجمالي، بما فيه ما يذهب لأحزاب صهيونية، حوالي 20 مقعدًا، وقد يقفز عنها. وحينما نتحدث عن أصوات العرب، فإن المقصود هم العرب ككل، وهنا سنضطر للحديث بشكل تفصيلي أكثر، إذ أن داخل الجمهور العربي شرائح ومناطق، واختلافات، لكن الاختلاف الذي يصل حد النقيض، هو بين مجتمع الطائفة العربية الدرزية، وباقي العرب ككل، ففي حين أن 95% من المقترعين في المجتمع العربي الدرزي، يمنحون أصواتهم للأحزاب الصهيونية، على مختلف توجهاتها، فإن 92%، ربما أقل، من باقي العرب يصوتون للقوائم التي تمثلهم مباشرة. 

نشير هنا، في جملة اعتراضية، إلى أنه منذ انتخابات العام 1977، ولاحقًا، فإن غالبية المصوتين العرب، يمنحون أصواتهم للذين يمثلونهم مباشرة. وفي مراجعتنا لنتائج العديد من الجولات الانتخابية، لكن بشكل خاص الجولات الخمس الأخيرة المتلاحقة، توصلنا إلى استنتاج قاطع، بأن التصويت للأحزاب الصهيونية هو كمّي أكثر منه نسبي، لأنه كلما ارتفعت نسبة التصويت بين العرب، تراجعت نسبة التصويت للأحزاب الصهيونية. فعلى سبيل المثال، في انتخابات العام 2021، حينما هبطت نسبة التصويت بين العرب إلى حوالي 43%، ارتفعت نسبة التصويت للأحزاب الصهيونية إلى 18%، بينما في انتخابات العام 2020، حينما بلغت نسبة التصويت بين العرب حوالي 65% أو أكثر بقليل، فإن نسبة التصويت الإجمالية للأحزاب الصهيونية، كانت في حدود 12% أو أكثر بقليل. 

المتغير في كل انتخابات، فيما يتعلق بالأحزاب الصهيونية، هو تنقل الأصوات بين مختلف الأحزاب، فعلى سبيل المثال، تدعي استطلاعات رأي، أن حزب الديمقراطيين، الذي يجمع حزبي العمل وميرتس، سيحظى بأصوات أكثر، وراح أحد الاستطلاعات ليتحدث عن مقعدين، أي ما يعادل 84 ألف صوت، وهذا شبه مستحيل، قبل أن يتراجع لاحقا عن هذا التقدير، لكن "الطفرة" التي سيحققها هذا الحزب، ستكون، بحسب التجربة، على حساب أحزاب صهيونية أخرى، مثل حزب "يوجد مستقبل" الذي يخوض الانتخابات بتحالف مع حزب يترأسه نفتالي بينيت. 

في تقديرنا، فإنه في حال تراوحت نسبة تصويت العرب ما بين 63% و65%، فإنه لا مفاجأة، في حال حققت القائمتان معا، 15 مقعدًا، وهذا يبقى تمثيلًا أقل من نتيجة العام 2020، إذا أخذنا بعين الاعتبار، ارتفاع وزن العرب في سجل الناخبين، خلال 6 سنوات ونصف السنة. 

هذه النتيجة تبدد ما روجت له كل استطلاعات الرأي الإسرائيلية، على مدار ثلاث سنوات ونصف السنة، بتخصيص 10 مقاعد للجمهور العربي، وهذا التغيير ينعكس مباشرة على فرص تشكيل الحكومة، إذ إنه حتى لو انضمت القائمة الموحدة، لحكومة بديلة لحكومة نتنياهو والليكود، فإنه لن تكون لها أغلبية، بحسب جميع الاستطلاعات، لأن الوزن الحاسم سيكون للقائمة المشتركة، التي أجمعت أحزابها الثلاثة على مبدأين اثنين: منع استمرار حكومة الليكود ونتنياهو، وعدم الانخراط بأي حكومة تتشكل بعد الانتخابات، فهناك طرق وأساليب برلمانية لتحقيق هذا.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات