يتوجّه الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع في 27 تشرين الأول 2026، وستجد الحكومة المقبلة على طاولتها ملفًّا لم تعرفه حكومات سابقة بهذه الحدّة وهو علاقة إسرائيل بالمجتمع الدولي، وتحديدًا بالدول الغربية التي شكّلت تاريخيًّا مظلّتها السياسية. وفي قلب هذا الملف تقف مسألة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. حسم الكنيست موقفه من الدولة الفلسطينية قبل أن تبدأ عواصم غربية موجات الاعترافات الأخيرة بالدولة الفلسطينية. ففي شباط 2024 أيّد الكنيست بأغلبية 99 مقابل 11 قرار الحكومة برفض أي اعتراف أحادي، وفي 17 تموز 2024 أقرّ بأغلبية 68 مقابل 9 إعلانًا يعارض "بشدّة إقامة دولة فلسطينية ما بين النهر والبحر" ويعدّها "خطرًا وجوديًّا" على إسرائيل. في المقابل، وبالتزامن مع قرارات الكنيست، انتقلت موجات الاعتراف من دول الجنوب إلى قلب المعسكر الغربي نفسه.
يتمثل المأزق الذي وجدت إسرائيل نفسها بداخله، إذًا، في أن الإجماع الإسرائيلي الداخلي على رفض الدولة الفلسطينية يترافق مع العزلة الخارجية، بحيث أن كل أداة تملكها إسرائيل لتقويض الدولة الفلسطينية تعيد إنتاج الأسباب التي تدفع المزيد من دول إلى الاعتراف.
1. خريطة الاعتراف بالدولة الفلسطينية: من الجزائر إلى نيويورك
أحصى مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، استنادًا إلى قائمة "المركز الأورشليمي للشؤون العامة"، 147 دولة تعترف بدولة فلسطين حتى تموز 2025. وبعد شهرين قفز العدد إلى نحو 157 دولة من أصل 193، أي قرابة 81% من أعضاء الأمم المتحدة: في 21 أيلول 2025 أعلنت بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال اعترافها، ولحقت بها فرنسا ولوكسمبورغ ومالطا وموناكو وسان مارينو، مع اعتراف مشروط من بلجيكا وأندورا.
يكشف المسار الزمني ثلاث موجات من الاعترافات بدولة فلسطين. البداية كانت عندما اعترفت 81 دولة، أي نحو نصف المعترفين اليوم، فور إعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر في تشرين الثاني 1988، وجاء معظمها من العالم العربي وأفريقيا وآسيا والكتلة السوفياتية. ثم جاءت ذروة أخرى عام 2011 عندما افتتحت البرازيل أواخر 2010 موجة لاتينية جرّت الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور وتشيلي وغيرها، وغذّتها حملة السلطة الفلسطينية الدبلوماسية قبل تقديم طلب العضوية الكاملة في الأمم المتحدة في أيلول 2011. أما الموجة الثالثة فأطلقتها الحرب على غزة عندما اعترفت تسع دول في 2024، بينها إسبانيا وإيرلندا والنرويج وسلوفينيا وأرمينيا، بعد خمس سنوات من آخر اعتراف سجّلته سانت كيتس ونيفيس في 2019، ثم دخلت الدول الغربية الكبرى على الخط في 2025.
لكن ما يزال هناك خلاف حول العدد الحقيقي للدول التي تعترف بدولة فلسطين. فقد قالت وكالة الصحافة الفرنسية في تموز 2025 أن 142 دولة فقط تعترف بفلسطين لأن هنغاريا وتشيكيا تنكران اليوم أن اعترافهما في 1988 ما زال قائمًا؛ مثلا، تقول التشيك إن تشيكوسلوفاكيا سابقًا هي التي اعترف بدولة فلسطين، بحيث أن انقسامها بعد ذلك الى تشيكيا وسلوفاكيا لا يعني أن تلتزم التشيك بكل ما صدر عن الدولة الأم السابقة. بكلمات أخرى، جزء من رصيد 1988 ورثته فلسطين من الحرب الباردة، ويمكن لحكومات أوروبا الشرقية اليمينية أن تسحبه بالتأويل. مع ذلك، فإن التركيز اليوم هو على الثقل السياسي للموجة الأخيرة لأنها جاءت من عضوين دائمين في مجلس الأمن ومن حلفاء واشنطن الأقرب.
2. من أوسلو أداةً إلى أوسلو عبئًا
تتعامل الدولة الإسرائيلية مع الاعتراف بوصفه تهديدًا أمنيًّا- دبلوماسيًّا يستدعي الإحباط. بعد اندلاع الحرب على غزة، قالت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها تتابع "خطوات تمهيدية" للاعتراف وتتخذ خطوات سياسية لمنعه وفق قرارات الكابينيت. في أيار 2024 استدعت إسرائيل سفراءها من مدريد ودبلن وأوسلو، وفي أيلول 2025 أعلن نتنياهو أن الدولة الفلسطينية "لن تقوم" ووصف الاعتراف بأنه جائزة لحركة حماس، فيما طالب وزراء في حكومته بضمّ أجزاء من الضفة الغربية ردًّا عليه.
لفهم عمق المأزق، يجب العودة إلى أوسلو. صمّمت إسرائيل الاتفاق إطارًا انتقاليًّا يؤجّل قضايا الوضع النهائي، ويحمّل السلطة الفلسطينية إدارة السكان، ويبقي في يد إسرائيل مفاتيح الأرض والحدود وأموال المقاصة. بقي أفق الدولة قائمًا في النص، لكن إسرائيل احتكرت تحديد توقيته وشروطه، فصار التأجيل نفسه آلية حكم.
تقلب موجة الاعتراف هذه المعادلة. فالمؤسسة التي أنتجها أوسلو لضبط الفلسطينيين صارت العنوان الدولي للدولة. مثلا، نصّت مذكرة التفاهم البريطانية- الفلسطينية في نيسان 2025 على أن السلطة هي الجهة الحاكمة الشرعية الوحيدة في الأراضي الفلسطينية بما فيها غزة، وجعل الإعلان الفرنسي- السعودي في تموز 2025 من سلطة فلسطينية "يتم إصلاحها" وريثة لحكم حماس. ويلاحظ أودي ديكل- من معهد دراسات الأمن القومي- أن الحكومة تمنع تقوية السلطة لأنها ترى فيها منصّة لإقامة الدولة، وأن الاعتراف يوسّع وصول السلطة إلى المحاكم الدولية، وبالتالي لا تجد الحكومة الإسرائيلية أمامها من خيارات سوى دفع السلطة الفلسطينية نحو الانهيار عبر حجز أموال المقاصة. غير أن الانهيار يعيد عبء إدارة السكان إلى إسرائيل. هنا يتكثّف التناقض الذي تواجهه إسرائيل، وعلى أي حكومة إسرائيلية جديدة أن تعامل معه بجدية.
ويمتد التحوّل إلى الحقل القانوني. يذكّر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بأن مكانة فلسطين في الجمعية العامة شكّلت خلفية قرار المحكمة الجنائية الدولية بأن لها صلاحية النظر في الوضع الفلسطيني، وهي الصلاحية التي أصدرت المحكمة بموجبها مذكرتي اعتقال بحق نتنياهو وغالانت. بكلمات أخرى، خرجت الشخصية القانونية التي أتاحها أوسلو من الإطار الثنائي الذي تتحكّم به إسرائيل إلى ساحات لا تملك فيها إسرائيل حق النقض.
3. تضامن مع الفلسطينيين أم عقاب لإسرائيل؟
تكشف نصوص الاعتراف الغربية عن تناقض آخر لا بد من رصده، وهو تناقض يدور حول سؤال: "هل كانت الدولة الغربية، عندما تعترف بدولة فلسطين، تخاطب ضمنيًا إسرائيل وتعاقبها أم أنها كانت تخاطب صراحة الفلسطينيين وتعترف بحقهم؟".
لقد برّر رئيس الوزراء النرويجي الاعتراف بالحاجة إلى إبقاء "البديل الوحيد" على قيد الحياة، وقدّمه مع سلوفينيا دعمًا للقوى المعتدلة لدى الطرفين، وحرصت جامايكا على التأكيد أن الاعتراف لا يعني دعم حماس، فيما انتقدت إسبانيا والنرويج الاستيطان والحرب فبدا اعترافهما بدولة فلسطين على أنه رد على ممارسات إسرائيل. وحدها جامايكا وترينيداد وتوباغو أبرزت حق تقرير المصير الفلسطيني مبدأ قائمًا بذاته. وثمة أصوات في إسرائيل ترى أن القوة المحرّكة للموجات الأخيرة من الاعترافات هي الوضع في غزة والحرب التي ترفض إسرائيل إنهاءها، ويقرأ المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الاعتراف شهادةً على تدهور مكانة إسرائيل.
|
الموجة |
الفاعلون الرئيسيون |
الإطار المعلن |
المخاطَب الضمني |
|
1988 وما بعدها |
العالم العربي، أفريقيا، آسيا، الكتلة السوفياتية |
تضامن مناهض للاستعمار وحق تقرير المصير |
تأييد منظمة التحرير والحركة الوطنية الفلسطينية |
|
2010–2011 |
أميركا اللاتينية والكاريبي |
دعم طلب العضوية في الأمم المتحدة |
مخاطبة النظام الدولي |
|
2024–2025 |
أوروبا الغربية وحلفاء واشنطن |
إنقاذ حل الدولتين، القانون الدولي، الكارثة الإنسانية في غزة |
انتقادًا للحكومة الإسرائيلية |
وباختصار، كلما اقتربت موجة الاعتراف بدولة فلسطين من دول الغرب، انتقل التركيز من الاعتراف الصريح بحق الفلسطينيين في تقرير المصير إلى انتقاد سلوك إسرائيل، لهذا السبب نجد أن العديد من الاعترافات الغربية بدولة فلسطينية كانت تتضمن شروطًا موجّهة إلى الفلسطينيين أنفسهم. مثلًا، يطالب الإعلان الفرنسي- السعودي بدولة منزوعة السلاح، وإقصاء حماس، وإصلاح السلطة، وإجراء انتخابات. من هنا، يعمل الاعتراف الغربي أداةً مزدوجة؛ من جهة هو يعاقب إسرائيل على الحرب ومشاريع الضمّ، ومن جهة أخرى يعيد هندسة الكيان الفلسطيني داخل حدود النظام الذي تخلّت عنه إسرائيل اليمينية.
تقرأ النخبة الإسرائيلية الاعتراف بالطريقة نفسها، وهذه القراءة تؤكد طابعه العقابي. يرى الباحثون في المعهد الإسرائيلي للديمقراطية ومعهد الأمن القومي الإسرائيلي في الاعتراف مرآةً لمكانة إسرائيل أكثر مما يرون فيه إنجازًا فلسطينيًّا. ويتّفقان على أن الاعتراف لن يقيم دولة على الأرض ما دامت إسرائيل تمنع ذلك، لكنهما يحذّران من أثره التراكمي.
تتجلّى الورطة في أن كل خيار إسرائيلي سوف يغذّي الموجة. إذا ردّت الحكومة بضم الضفة وتوسيع الاستيطان وعزل قطاع غزة أو بتشجيع "الهجرة الطوعية" منه، تتوقع إسرائيل: 1) على الصعيد الدولي المزيد من العزلة الدولية والعقوبات؛ 2) وعلى الصعيد الفلسطيني انهيار للسلطة وعودة عبء السكان إلى إسرائيل. في المقابل، إذا ضبطت إسرائيل ردّها على موجات الاعتراف، فإنها تقبل بتدويل الصراع وستجد نفسها عاجلًا أم آجلًا غير قادرة على الوقوف بوجه دول العالم، وبالتالي ستدخل في مسار عزله شبيه لما جرى في نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. ومع اعتراف فرنسا وبريطانيا، صارت إسرائيل، كما يحذّر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، معتمدة كليًّا على الفيتو الأميركي.
ولا تعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة بمخرج. فقد صوّت حزب بيني غانتس مع إعلان الكنيست الرافض لدولة فلسطينية في تموز 2024، وغادر نواب "يوجد مستقبل" القاعة لتجنّب التصويت، ولم يصوّت ضده سوى النواب العرب. قد تغيّر الحكومة المقبلة نبرة الخطاب، لكن الإجماع الصهيوني على رفض الدولة يقيّد هامشها سلفًا.
أما أيزنكوت فقد تطور موقفه من التحفّظ إلى الرفض القاطع خلال الحملة الانتخابية الحالية. في أيار 2025 قال إن الدولة الفلسطينية لم تعد ذات صلة بعد السابع من أكتوبر. وفي 27 تموز 2026، في مؤتمر الأمن القومي الذي نظّمته "يديعوت أحرونوت" مع معهد دراسات الأمن القومي، قال إنه لم يتحدث يومًا عن دولة فلسطينية، وإنه رأى، بحكم خدمته في الضفة، أن الحديث عن الوضع النهائي وعن الدولة غير صائب. وفي 22 آب 2026، ردًّا على دعوة منصور عباس إلى الاعتراف، كتب على منصة X أنه لا توجد دولة فلسطينية، وأن الحكومة التي سيشكّلها لن تقيم دولة فلسطينية. وفي مقابلة مع "يسرائيل هيوم" في أواخر آب وصف كل من يفكّر في حل الدولتين بعد السابع من أكتوبر بأنه واهم.
الجدول أدناه، يلخص مواقف الفرقاء السياسيين في إسرائيل من الدولة الفلسطينية:
|
الموقف من الدولة الفلسطينية |
مصير السلطة الفلسطينية |
الأفق السياسي |
الموقف من موجات الاعتراف |
كيف يتعامل معها |
|
|
نتنياهو |
لا دولة في غزة ولا في الضفة ما دام رئيسًا للحكومة |
إبقاؤها ضعيفة، ومنع عودتها إلى غزة |
إدارة الصراع، ورفض خطة النقاط الخمس عشرة الأميركية في آب 2026 |
جائزة لحماس، والدولة "لن تقوم" |
الاعتماد على المظلة الأميركية، والردّ بالبناء الاستيطاني(E1) دون ضمّ رسمي |
|
سموتريتش |
لا دولة "أبدًا" |
تبقى إدارة مدنية مؤقتة، ثم تحلّ محلها "بدائل إدارة مدنية في المدن" |
ضمّ 82% من الضفة: أقصى أرض بأقل عدد من العرب |
تهديد يجب دفنه بالوقائع على الأرض |
الضمّ بوصفه "خطوة وقائية"، وE1 أداة لدفن الدولة |
|
أيزنكوت |
لا دولة ولا مسار إليها |
إبقاؤها لإدارة السكان، ورفض خطة سموتريتش لتفكيكها |
لا دولة ولا ضمّ، والجيش صاحب السيادة، والوضع النهائي مؤجَّل |
كلفة سببها سلوك الحكومة والمستوطنين |
تجميد E1، وضبط عنف المستوطنين، واستعادة صلاحيات الجيش |
|
بينيت |
الدولة تجربة فاشلة انتهت بدولة إرهاب |
تتقلص إلى حكم ذاتي في المنطقتين أ وب |
ضمّ المنطقة "ج" وحكم ذاتي فلسطيني، أي تحويل خريطة أوسلو إلى حدود نهائية |
خطأ أوروبي ستدفع أوروبا ثمنه داخليًّا |
قلب الإطار من سلوك إسرائيل إلى أمن أوروبا، وتقديم لغة سيادة القانون (مثلا، إخلاء بعض البؤر) |
|
الديمقراطيون (غولان) |
الحديث عن الدولة الآن مدمّر لإسرائيل، مع أن الفكرة في جوهرها صحيحة؛ مسار تدريجي نحو دولة قد لا تكون مستقلة بالكامل |
شريك مفضّل، مع إدارة فلسطينية تكنوقراطية في غزة |
فصل مدني مع مسؤولية أمنية إسرائيلية، لإبقاء حل الدولتين حيًّا |
ضرر بالغ لإسرائيل تتحمّل الحكومة مسؤوليته |
مبادرة إسرائيلية بأفق سياسي تستبق الاعترافات |