المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 7
  • أنطوان شلحت

أشرنا الأسبوع الماضي إلى أنه على خلفية تطوّرات ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، تتواصل عملية تقييم الهوية السياسية والعسكرية لإسرائيل الحالية، وفحص ما إذا كانت الممارسات العسكرية في الحرب على قطاع غزة، التي اتجهت نحو الإبادة والتهجير والتدمير الشامل، هي نتاج أيديولوجيا تأسيسية أم محصلة ظروف أمنية وسياسية استثنائية توازت مع تحوّلات سياسية أخيرة داخل إسرائيل ولا سيما صعود اليمين القومي الديني المتطرّف إلى مراكز اتخاذ القرار، أكثر من ارتباطها بـ "الصهيونية المؤسسة" التي قامت عليها الدولة في عقودها الأولى.

أول ما يمكن مصادفته ضمن التقييمات الإسرائيلية السائدة لهذه المسألة، أن ما نشهده يشفّ عن تفاعل بين بنية أيديولوجية وأمنية إسرائيلية قديمة، وبين ما ترتب على أحداث "7 أكتوبر"، وبين التحوّل السياسي اليميني الذي سبق الحرب ووفّر له هامشًا أوسع.

وسوف نمرّ سريعًا على أبرز هذه التقييمات التي ما من شك في أنها سوف تتوصل في المستقبل إلى خلاصات أوضح. 

ولعلّ أول ما يُشار إليه في هذا الشأن هو أن الممارسات الحربية التي اتسمت بالقصف واسع النطاق من دون تمييز، وتدمير البنية التحتية، وتهجير السكان، ليست اختراعًا ظهر في أعقاب 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، بل تضرب جذورًا عميقة في العقيدة الصهيونية ومفاهيمها التأسيسية وجاءت امتدادًا لمبادئ صهيونية استراتيجية رُسخت منذ بدايات الحركة. ومع ذلك ارتأت قراءات معينة أن تنوّه بأن أقرب نقطة زمنية للهجس بهذه الممارسات كانت حرب لبنان الثانية في العام 2006 والتي منذ انتهائها تطوّرت داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية "عقيدة الضاحية"، التي تقوم على استخدام قوة تدميرية هائلة ضد المناطق التي يُنظر إليها باعتبارها "قواعد دعم للعدو"، بهدف الردع والعقاب ورفع كلفة الحرب. كما أن خطة فك الارتباط أو الانفصال عن غزة العام 2005 أصبحت، في جزء مهم من الخطاب الإسرائيلي، دليلًا على فشل فكرة الانسحاب ومعادلة الأرض في مقابل الأمن. والصورة العامة التي يحاول هذا الخطاب ترسيخها هي أن الانفصال عن غزة أدى إلى صعود حركة حماس وتحوّل القطاع إلى قاعدة للهجمات. 

ثانيًا، بناء على ما تقدّم جرى بعد هجوم "7 أكتوبر" توسيع تعريف الهدف العسكري للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة على وجه التحديد، وبات الهدف الرسمي تدمير القدرات العسكرية والسلطوية لحركة حماس، وتغيير الواقع الأمني في القطاع. وتأدّت عن هذا الاتساع نتائج عسكرية عديدة. وبموجب تحليل للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية دفع اتساع أهداف الحرب من ناحية عملية نحو عمليات غير مسبوقة مثل إخلاء مناطق مدنية، وتدمير منشآت فوق الأنفاق، وضرب مساكن مرتبطة بعناصر حماس، بما أدى إلى دمار واسع جدًا وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين، أي أن التدمير الكبير لم يكن مجرد نتيجة عرضية لقتال كثيف في منطقة مكتظة، بل استحال إلى جزء من الطريقة التي تم بها صوغ تحقيق الهدف العسكري.

ثالثًا، يلاحظ أن هناك دأبًا من جانب أبواق نتنياهو نحو التشديد عن أن ما يجري من ممارسات عسكرية تم تفصيلها أعلاه، يتغذّى على التغيير العميق الذي طرأ على مواقف الجمهور الإسرائيلي، كما يؤكد مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق مئير بن شبات، الذي أشار إلى أن هذا الجمهور يظهر انعدام ثقة في قدرة الجهات الدولية أو الاتفاقات السياسية على منع العدو من إعادة بناء نفسه، ويرى أن الاختبار الحقيقي للسياسة هو ما يحدث على الأرض.

وبرأي بن شبات، منذ أحداث "7 أكتوبر" تخضع الحكومة والمستوى العسكري إلى مراقبة شعبية دقيقة. وكل اتفاق أو تحرّك لا يضمن تغييرًا جوهريًا في الواقع الأمني يُنظر إليه باعتباره تهديدًا لإنجازات الحرب. والشعور السائد لدى قطاعات واسعة من الجمهور هو أن الاتفاقات المؤقتة ليست سوى حبل نجاة لبقاء العدو، بما يسمح له بإعادة بناء قواته استعدادًا للمواجهة التالية التي لا مفر منها. وعندما يكون هذا هو المزاج السائد في الشارع الإسرائيلي، لا يمكن توقع أن يسعى المستوى السياسي نحو اتجاه معاكس له، ولا سيما عندما تحذّر أيضًا جهات أمنية من أن المخطط المقترح في غزة هو "كمين استراتيجي" من جانب حماس.

ويرى بن شبات في الوقت نفسه أن خيار مواصلة الحرب ينطوي على أثمان ليست بسيطة. لكن لا ينبغي التعامل معها بمعزل عن سياقها، وإنما مقارنتها بـ"الأثمان التي قد تدفعها إسرائيل في أي بديل آخر يُبقي العدو واقفًا على قدميه"، على حد تعبيره.

رابعًا، ثمة اعتقاد سائد لدى عدد من المحللين الإسرائيليين بأنه لو وقعت أحداث "7 أكتوبر" في ظل حكومة إسرائيلية مختلفة عن الحكومة الحالية، لكان شكل أهدافها السياسية مختلفًا غير أنها لن تكون أقل عنفًا ووحشيّة. ويعود سبب هذا الاعتقاد إلى أن الحكومة الحالية تضم قوى يمينية قومية دينية أكثر تطرفًا تجاه الفلسطينيين، وبعضها كان يحمل قبل الحرب أصلًا تصوّرًا يقوم على رفض الدولة الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على أراضي الضفة الغربية تمهيدًا لضمها وتقليص المجال السياسي الفلسطيني والتعامل مع الفلسطينيين بصورة متزايدة من منظور ديموغرافي وأمني. وفي ضوء ذلك فإن الحرب أمست تعبيرًا عن تصورين يتحكمان برؤية الحكومة: الأول هو التصوّر الأمني الذي يتطلع إلى القضاء على حركة حماس ومنع تكرار "7 أكتوبر". والثاني هو التصورّر الأيديولوجي الذي يسعى لاستغلال الحرب بغية إعادة تشكيل غزة والضفة وتقليص إمكانية قيام دولة فلسطينية. والتصريحات السياسية الأخيرة لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي دعا إلى قتل عشرات الأشخاص في غزة كل ليلة وإلى طرد الفلسطينيين وإعادة الاستيطان الإسرائيلي في القطاع، يوضح أن هذا التيار لم يكن مجرد رد فعل مؤقت على "7 أكتوبر"، بل يحمل تصورًا سياسيًا أوسع لمستقبل الأرض والسكان.

خامسًا، تتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى الانتخابات الإسرائيلية العامة التي ستجري يوم 27 تشرين الأول المقبل، والسؤال المطروح هو: كيف سيكون الوضع وهل هو مرهون بنتائج هذه الانتخابات والحكومة التي ستفرزها؟

بحسب جلّ التقديرات فإن ثمة إجماعًا سياسيًا وعسكريًا بين مختلف الأطياف السياسية الإسرائيلية تجاه قطاع غزة يرتكز على مفاهيم أمنية صلبة لا تتأثر كثيرًا بهوية الحكومة ورئيسها. والهامش المتبقي هو لإدارة التفاصيل، ومستوى الحدّة. ويقف في صلب هذا الإجماع تفكيك القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، واستمرار السيطرة الأمنية المطلقة للجيش الإسرائيلي، فضلًا عن رفض الدولة الفلسطينية السيادية. وحتى القوى التي تصنّف نفسها في الوسط ترفض منح غزة والضفة سيادة كاملة، وتصر على سيطرة أمنية إسرائيلية عليا، وهو ما يعيد إنتاج سياسات الحصار والاحتواء الحالية بصور مختلفة. 

بطبيعة الحال تبقى هناك حاجة إلى الغوص على السيناريوات المتوقعة بشأن الحكومة الإسرائيلية المقبلة ترتبًا على نتائج الانتخابات. ومع ذلك، ليس من المبالغة القول إن حدّة المعاناة اليومية وشكل المستقبل السياسي لقطاع غزة هي التي ستحدّدها نتائج الانتخابات الإسرائيلية ومدى قدرة المجتمع الدولي على فرض محددات صارمة على الحكومة التي ستتشكل، وما يبدو من الآن أن هذا المستقبل سوف يتراوح، من ناحية إسرائيل، بين خيار الضم والتهجير والتدمير المباشر، وخيار إعادة الترتيب الأمني الإقليمي وما يوصف بأنه "حصار ذكي"!

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المصطلحات المستخدمة:

الصهيونية

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات