وقّعت وزارة الدفاع الإسرائيلية ووزارة الدفاع الأميركية في 14 تشرين الأول 2026 اتفاقًا لشراء 12 مروحية قتالية من طراز "أباتشي" بقيمة تقارب مليار دولار، بعد خلاف استمر أشهرًا بين وزارتي الدفاع والمالية الإسرائيليتين بشأن تمويل الصفقة. جاء التوقيع عقب موافقة الحكومة الإسرائيلية على تحويل 1.032 مليار شيكل إلى موازنة الأمن، منها 964 مليون شيكل من اعتمادات خصصتها لخطة مستقبلية لتطوير المجتمع العربي خلال الأعوام 2027 إلى 2029. وأتاح القرار إتمام الاتفاق بعدما تجاوزت إسرائيل المهل السابقة التي حددتها الجهات الأميركية، وذلك قبل أقل من أسبوعين من انتخابات الكنيست المقررة في 27 تشرين الأول.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه إسرائيل صعوبات متزايدة في تمويل احتياجاتها العسكرية بعد ثلاث سنوات من الحرب. فقد تراكمت مستحقات شركات الصناعات العسكرية، واستمرت الخلافات الحكومية بشأن حجم موازنة الأمن، بينما توسعت مطالب الجيش لتشمل تجديد مخزونات الذخيرة وتطوير منظومات قتالية جديدة وتعزيز قدرات الإنتاج المحلي. تشير هذه التطورات إلى أن زيادة الإنفاق العسكري لم تنه الخلاف بشأن كيفية توزيع الموارد بين الاحتياجات القائمة وبرامج التسلح المستقبلية.
تكشف الأزمة عن أن الخلاف لا يقتصر على تمويل صفقات التسلح، وإنما يمتد إلى تحديد أولويات بناء القوة العسكرية الإسرائيلية. ففي حين يحدد الجيش احتياجاته استنادًا إلى تقديراته العملياتية، تتولى وزارة الدفاع إعداد برامج التسلح، وتبحث وزارة المالية في تكاليفها ومصادر تمويلها. وقد أظهرت الخلافات الأخيرة تباينًا بين هذه الجهات بشأن أنواع المنظومات العسكرية التي ينبغي الاستثمار فيها، ومدى استجابتها للتهديدات التي برزت بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
تعثر صفقة "أباتشي" وسؤال جدوى المشتريات
تعود خلفية صفقة المروحيات إلى مراجعة سلاح الجو الإسرائيلي لأدائه خلال هجوم السابع من أكتوبر، بعدما واجه صعوبات في الاستجابة للهجمات المتزامنة وتوفير الإسناد الجوي للقوات البرية. وأعاد الجيش في إثر ذلك تقييم قدراته في مجال المروحيات القتالية، بعدما اتجه خلال السنوات السابقة إلى تقليص الاعتماد على بعض الطرازات القديمة والتوسع في تشغيل الطائرات غير المأهولة.
وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أعلنت في 30 كانون الثاني 2026 موافقتها على بيع محتمل لإسرائيل يشمل 30 مروحية من طراز AH-64E ومعدات مرتبطة بها، بتكلفة تقديرية تبلغ 3.8 مليارات دولار. وأتاحت الموافقة المضي في إجراءات البيع، لكنها لم تشكل عقدًا نهائيًا لشراء جميع المروحيات. بينما الاتفاق الذي وقّعته إسرائيل في تشرين الأول يشمل 12 مروحية من الطراز نفسه على أن يبدأ تسليمها مطلع العقد المقبل.
وكان الخلاف المالي قد هدد بإخراج إسرائيل من جدول الإنتاج الأميركي؛ حيث كشفت صحيفة "كالكاليست" أن وزارة الدفاع لم تتمكن من توفير 288 مليون دولار من قيمة الصفقة وفق الجدول الزمني المطلوب، رغم حصولها على تمديدات متكررة من الولايات المتحدة. وكانت مصادر أمنية حذرت من أن التأخير قد يؤجل وصول المروحيات لسنوات ويرفع تكاليف شرائها. فيما امتدت المخاوف إلى خطط أخرى تشمل طائرتي تزويد بالوقود من طراز KC-46 وست مروحيات نقل إضافية من طراز CH-53K.
في أعقاب ذلك، اختلفت وزارتا الدفاع والمالية بشأن المسؤولية عن التعثر؛ فقد اتهم مسؤولون أمنيون وزارة المالية بعرقلة مشتريات يعتبرها الجيش ضرورية لمعالجة الثغرات العملياتية. في المقابل، أكدت وزارة المالية أن لجنة التسلح الوزارية وافقت على الصفقة وفق مخطط تمويلي قدمته وزارة الدفاع، قبل أن تغير هذه الأخيرة جدول المدفوعات وتحاول تغطية الالتزامات الجديدة عبر تأجيل مشتريات أخرى.
يعود أصل الخلاف إلى نظام التخطيط المالي متعدد السنوات المعروف باسم "النوميراتور" الذي يفحص تأثير القرارات الحكومية في الموازنات المقبلة. حيث رفضت وزارة المالية احتساب تأجيل نفقات لم تحصل على الموافقات اللازمة مصدرًا قانونيًا لتمويل التزامات جديدة، فيما اعتبرت المؤسسة الأمنية أن القيود المالية تعرقل تنفيذ برامج تسلح سبق أن وافقت الحكومة على ضرورتها.
كذلك، لم يقتصر النقاش على طريقة التمويل وإنما على سؤال الجدوى من الصفقة. ففي 14 تشرين الأول، أعلن وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أنه يعتبر شراء مروحيات "أباتشي" خطأ، وقال إن الجيش يستطيع أداء بعض وظائفها باستخدام طائرات مسيّرة أقل تكلفة في الشراء والتشغيل والصيانة، وأوضح أنه عرض موقفه على لجنة التسلح، لكن نتنياهو حسم القرار لمصلحة تنفيذ الصفقة.
إعادة بناء القوة العسكرية وحدود الموارد المتاحة
يبدو أن الحكومة الإسرائيلية تواجه صعوبة في التوفيق بين خطط توسيع القدرات العسكرية وحجم الموارد التي تستطيع تخصيصها خلال السنوات المقبلة. وقد زادت المؤسسة العسكرية مطالبها بعد الحرب، لكنها لم تتوصل مع وزارة المالية إلى اتفاق شامل يحدّد أولويات الإنفاق العسكري وجدول تنفيذ المشتريات.
في هذا السياق، أقرت اللجنة المشتركة المختصة في الكنيست في آذار 2026 نحو 143 مليار شيكل من موازنة الدولة لقطاع الأمن، إضافة إلى 22 مليار شيكل من الإنفاق المشروط بالإيرادات وصلاحيات للالتزام بنفقات مستقبلية بقيمة 82.2 مليار شيكل.
ورغم هذه المخصصات، طالبت المؤسسة العسكرية بزيادة الموارد لتغطية النفقات المرتبطة بالحرب واستمرار العمليات العسكرية. فيما تدخل نتنياهو ومجلس الأمن القومي لحسم الخلاف بين وزارتي الدفاع والمالية بشأن مطالب بإضافة نحو 40 مليار شيكل إلى موازنة 2026. وقد نصت التفاهمات على توفير 15 مليار شيكل في المرحلة الأولى، والنظر في تحويل نحو 25 مليارًا إضافية خلال الأشهر التالية وفق الاحتياجات الفعلية.
إلا أن هذه التفاهمات لم تمنع تجدد الخلافات في تشرين الأول؛ يعود ذلك إلى أن الموافقة السياسية على زيادة الموازنة لا تعني بالضرورة توفير الاعتمادات اللازمة لكل عملية شراء، لا سيما عندما ترتبط العقود بمواعيد دفع محددة والتزامات تمتد لسنوات. وتوضح أزمة المروحيات أن الحكومة استطاعت معالجة مشكلة تمويلية محددة، بينما استمرت الخلافات بشأن حجم الموارد التي تطلبها المؤسسة العسكرية وطريقة إدراجها في الموازنات المستقبلية.
في موازاة ذلك، ناقشت وزارتا الدفاع والمالية بالتعاون مع مجلس الأمن القومي خطة متعددة السنوات لتطوير القدرات العسكرية، تبدأ العام 2027 وتمتد لعشر سنوات، بقيمة 350 مليار شيكل، تشمل 50 مليار شيكل يفترض أن توفرها المؤسسة الأمنية عبر تحسين الكفاءة الداخلية. وفي آب 2026، طالب نتنياهو برفع قيمة الخطة إلى نحو 400 مليار شيكل وتمديد تنفيذها إلى أكثر من عشر سنوات، ما أثار اعتراضات داخل وزارة المالية.
وكانت صحيفة "كالكاليست" قد نشرت أن المؤسسة العسكرية لم تقدم حتى ذلك الوقت خطة واضحة لتوفير 100 مليار شيكل من تحسين الكفاءة والإيرادات الداخلية، فيما ظلت إجراءات التمويل لبعض المشتريات المستقبلية عالقة.
ديون الصناعات العسكرية ومشكلة الإنتاج المحلي
لم تقتصر أزمة تمويل التسلح الإسرائيلي على توفير المخصصات اللازمة للصفقات الجديدة، فقد واجهت وزارة الدفاع صعوبات في الوفاء بالتزاماتها المالية تجاه الشركات العسكرية. وبحلول آب 2026، تراكمت مستحقات شركات "رفائيل" و"الصناعات الجوية الإسرائيلية" و"إلبيت" لدى الوزارة إلى نحو 15.5 مليار شيكل، في مقابل عقود وطلبات سابقة. وأوضح يوآف تورجمان، المدير العام لشركة رفائيل، أن تأخر تحويل الأموال اضطر الشركة إلى الحصول على قروض لتغطية مستحقات مورديها، رغم نمو مبيعاتها وارتفاع الطلب على منتجاتها.
تفاقمت المشكلة خلال الأسابيع التالية، إذ أفادت صحيفة "كالكاليست" في 22 أيلول 2026، بأن مستحقات الشركات الثلاث ارتفعت إلى نحو 17 مليار شيكل بالتزامن مع استمرار الخلاف بين وزارتي الدفاع والمالية حول تمويل المشتريات العسكرية. ويكشف تراكم هذه الديون عن فجوة بين حجم التعاقدات التي تبرمها المؤسسة العسكرية والموارد المتاحة لتسديد قيمتها، في وقت تسعى فيه إلى توسيع مشترياتها وإبرام صفقات إضافية.
انعكست الضغوط المالية على السيولة النقدية لدى بعض الشركات؛ فقد أظهرت بيانات "الصناعات الجوية الإسرائيلية" تسجيل تدفق نقدي تشغيلي سالب بقيمة 795 مليون دولار خلال الربع الثاني من العام 2026، رغم نمو مبيعاتها بنسبة 35% وتجاوز قيمة الطلبات المتراكمة لديها 35 مليار دولار. ومع ذلك، أنهت الشركة النصف الأول من العام بتدفق نقدي تشغيلي موجب بلغ 137 مليون دولار. وتشير هذه النتائج إلى أن ارتفاع المبيعات وحجم العقود لا يضمنان توافر السيولة اللازمة لتمويل العمليات الجارية، خصوصًا مع تأخر تحصيل المستحقات.
تواجه الصناعات العسكرية الإسرائيلية تحديًا آخر يتعلق بقدرتها الإنتاجية؛ إذ أشار مراقب الدولة الإسرائيلية في أيار 2026 إلى تراجع القدرة المحلية على تصنيع بعض المواد الخام والمكونات الأساسية المستخدمة في إنتاج الأسلحة، ما زاد اعتماد الشركات على الاستيراد. ووفق التقرير، ظهرت تداعيات هذا الاعتماد خلال الحرب عندما واجهت إسرائيل صعوبات في الحصول على بعض المواد والمعدات من الموردين الخارجيين. فيما دعا الحكومة إلى توسيع الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات في المكونات الأساسية، بما يتيح للصناعات العسكرية الاستمرار في الإنتاج وتجديد المخزونات.
من يحدّد أولويات سدّ نقص المقدرات العسكرية؟
تحدد الأنظمة الحكومية الإسرائيلية مسارًا مؤسسيًا لاتخاذ قرارات التسلح، إذ أن الجيش يضع تقديراته للاحتياجات العملياتية، بينما تتولى وزارة الدفاع إعداد مشروعات الشراء والتطوير، ويأتي دور وزارة المالية في مراجعة مصادر التمويل والالتزامات القانونية، أما الحكومة فتحتفظ بصلاحية إقرار المشروعات الكبرى وحسم الخلافات بين المؤسسات.
وتشارك لجنة التسلح الوزارية أيضًا في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمشروعات العسكرية الكبرى، برئاسة رئيس الحكومة وعضوية وزيري الدفاع والمالية وعدد من الوزراء الآخرين، ويتولى مجلس الأمن القومي تنسيق أعمالها. وتبحث اللجنة مشروعات التسلح ضمن الصلاحيات التي منحتها لها الحكومة، فيما تبقى إجراءات التمويل والاعتمادات المالية مسارًا منفصلًا يتطلب استكماله قبل تنفيذ المشروعات التي توافق عليها.
وسبق أن ناقش معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي هذه الإشكالية في دراسة نشرها في كانون الثاني 2025، تناولت توصيات لجنة ناغل بشأن موازنة الأمن وبناء القوة العسكرية. ووجّه الباحثون عوفر شيلح وإستيفان كلور وتومر فدلون انتقادات إلى المنهجية التي اعتمدتها اللجنة، وشككوا في مدى استجابة بعض توصياتها للاحتياجات الاستراتيجية الإسرائيلية وإمكانية تطبيقها. وتعكس هذه الانتقادات وجود خلافات سابقة حول أولويات التسلح وتطوير القدرات العسكرية، زادت الحرب من أهميتها، قبل أن تعيد الأزمة المالية الحالية طرحها بصورة أكثر إلحاحًا.
تتصل هذه المسألة بمشكلة أوسع تتعلق بغياب استراتيجية رسمية معتمدة للأمن القومي الإسرائيلي. حيث أصدر مراقب الدولة تقريرًا في تشرين الثاني 2025 أشار فيه إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة لم تعتمد استراتيجية تحدد التهديدات والأهداف وأولويات تخصيص الموارد، ما قلص قدرة المستوى السياسي على توجيه الخطط العسكرية ومراجعتها. واستشهد التقرير بقرارات اتخذها الجيش بشأن حجم قوات المدرعات من دون توجيهات استراتيجية كافية من الحكومة.
في السياق نفسه، أورد التقرير إفادة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش أدلى بها خلال لقاء مع فريق الرقابة في تموز 2024، قال فيها إن غياب استراتيجية معتمدة للأمن القومي يجعل من الصعب على الوزراء مراجعة موازنة الجيش ومناقشة تقديراته. وتوضح هذه الإفادة أحد أسباب الخلاف بين المستويين السياسي والعسكري، إذ يستند الجيش إلى تقديراته العملياتية عند تحديد احتياجاته، بينما يفتقر الوزراء إلى مرجعية استراتيجية واضحة تمكنهم من تقييم هذه الاحتياجات والمفاضلة بين البدائل المطروحة.
في محاولة لمعالجة هذا الخلل، أقر الكنيست في حزيران 2025 قانون استراتيجية الأمن القومي الذي ألزم مجلس الأمن القومي بإعداد مشروع استراتيجية سياسية وأمنية مع تشكيل كل حكومة جديدة. وينص القانون على تحديد التهديدات وترتيبها وفق أولوياتها، وعرض البدائل اللازمة للتعامل معها على أن تعتمد الحكومة الاستراتيجية خلال خمسة أشهر من تشكيلها، كما يتيح للمجلس الوزاري للشؤون السياسية والأمنية إقرارها نيابة عن الحكومة.
ويكشف استمرار الخلاف حول صفقات التسلح أن إقرار قانون استراتيجية الأمن القومي لم يعالج بعد التباين بين احتياجات الجيش المتزايدة منذ السابع من أكتوبر 2023 وقدرة الحكومة على تمويلها. ورغم تجاوز التعثر المرتبط بصفقة "أباتشي"، ما زالت الخلافات قائمة بشأن حجم الإنفاق العسكري وأولويات تطوير المنظومات وتوزيع الالتزامات المالية على السنوات المقبلة.
بحسب تحليلات متطابقة، قد تواجه الحكومة الإسرائيلية المقبلة عبئًا ماليًا وعسكريًا ثقيلًا تتركه حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، يتمثل في تراكم الالتزامات وصعوبة التوفيق بين مطالب المؤسسة العسكرية والإمكانات الاقتصادية للدولة. و"سيكون عليها اعتماد استراتيجية تحدّد التهديدات وفق أهميتها، وتمنح المستوى السياسي قدرة أكبر على مراجعة خطط الجيش والمفاضلة بين خياراته، بما يضمن توجيه الموارد نحو سد النقص في القدرات العسكرية الأكثر إلحاحًا".
المصطلحات المستخدمة:
مراقب الدولة, بتسلئيل, مجلس الأمن القومي, الكنيست, رئيس الحكومة, بنيامين نتنياهو, عوفر شيلح