المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
صورة تعبيرية. (فلاش 90)
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 9
  • هشام نفاع

تقف الطواقم الطبية العربية، من أطباء وطبيبات وممرضين وممرضات ومختصين ومختصات مهنيين ومهنيات في شتى الفروع ذات الصلة، أمام حملات تحريض عنصري تشتدّ وتخفت وتعود لتشتعل، في منصات وأبواق اليمين الإسرائيلي، بغطاء سياسي ورسمي مؤلف من الصمت والتعامي.

ففي ضوء حقيقة بروز وتفوّق الطواقم الطبية العربية في القطاع الصحي الإسرائيلي بما لا يمكن تجاوزه، أطلقت مزاعم عنصرية كاذبة عن "تسهيلات" في قبول الطلاب العرب لدراسة الطب، و"منح الأفضلية" للأطباء وأفراد الطواقم الطبية العرب في التوظيف. وهو نقيض الواقع الذي يتطلّب منهم الاجتهاد المضاعف بسبب التمييز المتراكم الذي يعاني منه مجتمعهم في شتى المجالات ومنها التعليم.

الخطاب العنصري شمل أيضًا مسألة استخدام اللغة العربية في المستشفيات، وصولا إلى افتراءات معاملة المرضى معاملة عدائية. وبلغ هذا الخطاب حضيضه حد اتهام الطواقم العربية بتسميم مرضى يهود داخل المستشفيات، وهو ما عُرض على قناة التلفزة اليمينية 14.

النقابة: كفى لحملة التحريض ضد الأطباء والطبيبات من المجتمع العربي!

بعد هذا التدهور العنصري، توجّه رئيس نقابة الأطباء الإسرائيلية، البروفيسور تسيون حَجاي، إلى رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الصحة حاييم كاتس، مطالبًا "بإدانة حملة التحريض التي تُشنّ ضد جمهور الأطباء والطبيبات من المجتمع العربي في إسرائيل، على الفور".

وحذّر البروفيسور حجاي، في رسالته، من "حملة متواصلة قال إنها تتضمن ادعاءات لا أساس لها بشأن تفضيل المرشحين العرب في القبول لدراسة الطب، فضلًا عن اتهامات موجّهة إلى أفراد الطواقم الطبية من المجتمع العربي، تزعم أنهم يعاملون المرضى اليهود معاملة تمييزية أو مهينة".

وقال إن الحملة "بلغت ذروتها عندما طُرح في برنامج بُثّ على القناة 14 ادعاء خطير مفاده أن أطباء عربًا في إسرائيل «يسمّمون» مرضى يهودًا في المستشفيات. وتتعامل نقابة الأطباء الإسرائيلية مع هذه التصريحات ببالغ الخطورة. فالادعاءات من هذا النوع، التي تنسب أعمال تسميم إلى جمهور كامل من الأطباء والطبيبات على أساس أصولهم، خطيرة للغاية، ولا تضرّ بأفراد الطواقم الطبية المعنيين فحسب، بل تمسّ أيضًا بثقة الجمهور في الجهاز الصحي".

ودعا البروفيسور حجاي رئيس الحكومة ووزير الصحة إلى "إدانة هذه التصريحات بوضوح، وإطلاق موقف حازم ضد التحريض على الأطباء والطبيبات والإساءة إليهم على أساس انتمائهم المجتمعي! إن الجهاز الصحي الإسرائيلي هو مكان يعمل فيه الأطباء والطبيبات، اليهود والعرب، جنبًا إلى جنب، في تعايش كامل، من أجل كل مريض ومريضة. فالمساواة والمهنية والثقة بين الطواقم الطبية والمرضى ليست شعارات، بل شروط أساسية لتقديم طب جيد وعالي الجودة".

وشدد: "ستواصل نقابة الأطباء الوقوف إلى جانب جميع الأطباء والطبيبات في إسرائيل، والعمل ضد كل محاولة للإساءة إليهم بسبب أصولهم أو انتمائهم. فمكانة الأطباء من المجتمع العربي وموقعهم ليسا أمرًا يستدعي الدفاع عن النفس، بل مدعاة للفخر. وتدرس نقابة الأطباء الإسرائيلية اتخاذ إجراءات قانونية بتهمة التشهير، على خلفية التصريحات التي أُطلقت واستهدفت جمهور الأطباء من المجتمع العربي. وكل من يسعى إلى الإساءة إلى جمهور الأطباء وإلى النسيج الدقيق الذي يقوم عليه الجهاز الصحي، عليه أن يعلم أن لذلك ثمنًا باهظًا سيتعين عليه دفعه".

نسبة العرب لا تتجاوز 7% من شاغلي أعلى المناصب في الجهاز الصحي

فيما يتجاوز هذه الهجمات العنصرية الغوغائية، أو فيما يسبقها بالتأكيد، نعود إلى دراسةٍ تناولت تمثيل المجتمع العربي في المناصب العليا في الجهاز الصحي الإسرائيلي. والصادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، الصيف الفائت 2026.

بحث التقرير مدى تمثيل المواطنين العرب في المناصب الإدارية والقيادية العليا في وزارة الصحة وصناديق المرضى والمستشفيات العامة في إسرائيل، ويستعرض البرامج الحكومية لتأهيل القيادات والعوائق التي تحول دون وصول العرب إلى هذه المناصب.

تشير الدراسة إلى أن قانون التعيينات في الخدمات المدنية العامة يفرض تمثيلًا ملائمًا للمواطنين العرب. وسبق أن حددت قرارات حكومية متعاقبة هدفًا يتمثل في ألا تقل نسبتهم عن 10% من مجمل موظفي الخدمات المدنية. وقد تحقق هذا الهدف على مستوى مجمل الموظفين بحلول العام 2023. ووفق تقرير التنوع والتمثيل في الخدمة المدنية، عمل نحو 72% من موظفي الخدمات العامة المدنية العرب في الجهاز الصحي الحكومي في ذلك العام.

كما ارتفعت حصة العرب في المهن الصحية خلال السنوات الأخيرة. ففي العام 2023، وفقا للدراسة، شكّل العرب نحو 25% من الأطباء، و27% من أطباء الأسنان، و27% من العاملين في التمريض، ونحو 49% من الصيادلة. وفي العام 2022، بلغت نسبتهم نحو 19% من مجمل العاملين الإسرائيليين في المهن الصحية. ومع ذلك، لا ينعكس هذا الحضور المهني الواسع بصورة مماثلة في المناصب الإدارية العليا ومراكز صنع القرار.

بحسب معطيات مفوضية الخدمات العامة، لا تتجاوز نسبة العرب نحو 7% من شاغلي أعلى المناصب في الجهاز الصحي، من مستوى مدير قسم رفيع إلى المدير العام، أي أقل من هدف التمثيل الحكومي البالغ 10%. وتوضح المفوضية أن المناصب العليا في الجهاز الصحي محدودة أصلًا؛ إذ لا تتجاوز نسبة شاغليها 0.75% من مجمل العاملين فيه، مقابل نحو 4% في الوزارات الحكومية.

تفاوت واضح في تمثيل العرب في وزارة الصحة وصناديق المرضى

تضم الإدارة العليا لوزارة الصحة 25 عضوًا، بينهم عضوان عربيان فقط، أي 8%. أما الطاقم الرفيع في الوزارة الرئيسية والمعهد الطبي للسلامة على الطرق، فيضم 112 وظيفة، لا يشغل العرب منها، وفق بيانات الوزارة، سوى وظيفة واحدة. وتشير بيانات مفوضية الخدمة المدنية إلى وجود موظف عربي واحد بين 90 موظفًا في أعلى ثلاث درجات وظيفية في الوزارة، من دون تفسير للتباين بين الأرقام الواردة من الجهتين.

ولا تضم إدارة شعبة المراكز الطبية الحكومية، المؤلفة من 13 عضوًا، أي ممثل عربي. في المقابل، تدير امرأة عربية لواء حيفا، وتشغل امرأة عربية منصب نائبة مدير لواء الشمال. كذلك، يشغل أطباء عرب منصبي طبيب اللواء في منطقتي العفولة وعكا، من أصل 15 منطقة تابعة للوزارة.

وبحسب رئيس الجمعية المعنية بتعزيز المجتمع العربي في نقابة الأطباء الإسرائيلية، فإن تمثيل العرب في المناصب الميدانية العليا، في الألوية والمستشفيات والعيادات، أفضل منه في مناصب الإدارة المركزية العليا، مثل مديري الأقسام والشُّعب في الوزارة. وقد يسهم البعد الجغرافي عن مراكز الإدارة في إحجام بعض المهنيين العرب عن التقدم إلى هذه الوظائف.

 تكشف بيانات صناديق المرضى الأربعة عن تفاوت واضح في تمثيل العرب في مجالس الإدارة والإدارات العليا:

- صندوق المرضى العام ("كلاليت"): عضو عربي واحد في مجلس الإدارة، يشكل 9% من أعضائه، ولا يوجد عرب في الإدارة العليا أو بين رؤساء الأقسام، فيما تبلغ نسبتهم 4% في إدارات الألوية.

- صندوق "مكابي": عضو عربي واحد في مجلس الإدارة، بنسبة 7%. ولم يقدم الصندوق بيانات عن بقية المناصب العليا.

- صندوق "مئوحيدت": عضو عربي واحد في مجلس الإدارة، بنسبة 9%، وعضو عربي في الإدارة العليا، واثنان بين رؤساء الأقسام، وعضو عربي واحد في إدارة الألوية. وهو الصندوق الوحيد الذي يظهر فيه تمثيل عربي في جميع المستويات القيادية المذكورة.

- صندوق "لئوميت": لا يوجد تمثيل عربي في مجلس الإدارة أو الإدارة العليا أو رئاسة الأقسام أو إدارة الألوية، وفق البيانات المقدمة.

أفاد صندوق "كلاليت" بأن نسبة المديرين العرب من مجمل المديرين لديه ارتفعت خلال السنوات الأخيرة من 13% إلى 22%، لكنه أقرّ بأن تمثيلهم في المستويين الإداري المتوسط والعالي ما زال أدنى من نسبتهم بين الموظفين. كما أشار إلى أن 18% من المشاركين في برنامج تأهيل الاحتياط الإداري للمناصب العليا العام 2024 كانوا عربًا.

أما صندوق "مئوحيدت" فأوضح أن التمثيل العربي في الإدارة بمنطقة الشمال أعلى منه في بقية المناطق، بما يتناسب مع تركيبة العاملين والمؤمَّنين فيها. وقال صندوق "لئوميت" إنه لا يتخذ خطوات استباقية لزيادة التمثيل العربي، وإنه يوظف على أساس المؤهلات، بينما أكد صندوق "مكابي" اعتماد معايير مهنية في التعيينات.

التمثيل غير الملائم في المستويات الإدارية للمستشفيات العامة

وفق وزارة الصحة، يشغل 11 عربيًا، أي نحو 9%، من أصل 121 مديرًا ونائب مدير وعضو إدارة في المستشفيات الحكومية الـ24. ومن بينهم مدير المركز الطبي للجليل في نهاريا ومدير مركز زيف في صفد.

وتشير بيانات مفوضية الخدمة المدنية إلى وجود 21 عربيًا، بنسبة 9%، بين 226 من كبار المسؤولين في المستشفيات الحكومية والمعاهد الطبية. ولا يوجد تمثيل عربي في أعلى درجة، أي درجة المدير العام، وفق تصنيف المفوضية، مقابل 14% في درجة نائب المدير العام و9% في درجة نائب المدير العام المساعد أو مدير القسم الرفيع. ولا تتوافر بيانات مفصلة تحدد المستشفيات التي يعمل فيها هؤلاء المسؤولون.

أما في مستشفيات "كلاليت" الـ14، فيشغل العرب ثلاثة من أصل 112 موقعًا إداريًا: مدير واحد، ونائب مدير واحد، وعضو إدارة إضافي، أي نحو 3%. ولم يقدم "مكابي" بيانات عن التمثيل العربي في مستشفى أسوتا في أسدود.

ومن بين المستشفيات العامة المستقلة السبعة، أجابت أربعة مستشفيات عن طلب المعلومات. ولا يوجد تمثيل عربي في المناصب الإدارية العليا في "هداسا" في القدس و"لنيادو" في نتانيا، بينما يشغل العرب أعلى المناصب الإدارية في المستشفيين الإنكليزي والإيطالي في الناصرة، حيث تتراوح نسبتهم بين 86% و100% من أعضاء الإدارة.

وترى مفوضية الخدمة المدنية أن بلوغ نسبة 9% في المستشفيات الحكومية يجعل هدف التمثيل البالغ 10% قريبًا من التحقق، مشيرة إلى ارتفاع النسبة في الأعوام الأخيرة. لكن التقرير يلفت إلى أن هذا الهدف لا يضمن بالضرورة تمثيلًا ملائمًا في كل مستوى إداري على حدة.

العوائق أمام وصول العرب إلى المناصب العليا، وفقًا للدراسة

يشير التقرير إلى أن ارتفاع عدد العرب العاملين في الجهاز الصحي وزيادة عدد المتقدمين إلى مناقصات المناصب الإدارية لم يؤديا بعد إلى سد الفجوات في أعلى المستويات القيادية. وتتوزع العوائق على مستويين:

عوائق مرتبطة بالمرشحين: ومنها التشكيك في فرص القبول في الخدمة المدنية. ضعف شبكات العلاقات المهنية والاجتماعية اللازمة للتقدم. الفجوات اللغوية والاختلافات في الثقافة التنظيمية.

عوائق مؤسساتية: ضعف الإعلان عن الوظائف الشاغرة. ضيق قاعدة الكوادر المؤهلة للمناصب الإدارية في المستويات المتوسطة. تعقيد إجراءات الفرز والتوظيف وتشدد شروط القبول. وجود تحيزات، بعضها غير واعٍ، قد تؤثر في قرارات لجان التعيين. اعتماد مناقصات داخلية لتعيين مسؤولين كبار في المستشفيات. نقص البرامج المنهجية لتطوير القيادة الطبية المصممة بما يلائم المجتمع العربي. ويضاف إلى ذلك "ضعف الثقة المتبادلة" بين الإدارات العليا والمرشحين العرب.

في الخلاصة، تكشف المعطيات عن مفارقة واضحة: حضور عربي قوي ومتنامٍ في المهن الصحية، يقابله تمثيل أقل في مراكز الإدارة وصنع القرار. ففي حين يقترب التمثيل العربي من هدف 10% بين كبار المسؤولين في المستشفيات الحكومية، يظل أضعف في وزارة الصحة وصناديق المرضى، مع تفاوت كبير بين المؤسسات.

ويشير التقرير إلى أن معالجة الفجوة لا تقتصر على تأهيل المرشحين العرب، بل تتطلب أيضًا تغيير آليات التوظيف والترقية، وتوسيع قاعدة الكوادر القيادية، ومواجهة التحيّزات، ووضع برامج أكثر انتظامًا وملاءمة للمجتمع العربي. كما يبرز ضرورة التمييز بين تحقيق نسبة إجمالية للتمثيل وبين ضمان حضور فعلي في المستويات القيادية الأعلى، حيث تُصاغ السياسات وتُتخذ القرارات التي تؤثر في الخدمات الصحية المقدمة للجمهور.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات