تقدير موقف

تقرأ وتحلل قضايا مستجدة وتستشرف آثارها وتداعياتها سواء على المشهد الإسرائيلي او على القضية الفلسطينية.
مفاعل بوشهر الإيراني هو أحد المفاعلات التي تخضع للاتفاق النووي المهدد بالإلغاء
مفاعل بوشهر الإيراني هو أحد المفاعلات التي تخضع للاتفاق النووي المهدد بالإلغاء
  • تقدير موقف
  • 1311

مقدمة
بتاريخ 14 تموز 2015، وتحت ولاية الرئيس الأميركي باراك أوباما، توصلت القوى العظمى (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة وألمانيا) الى اتفاق للجم البرنامج النووي الإيراني للحيلولة دون وصول إيران إلى قنبلة نووية، بينما انتقدت إسرائيل ممثلة برئيس وزرائها بنيامين نتنياهو، هذا الاتفاق بشدة، في ما أفاد تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتاريخ 16 كانون الثاني 2016، بأن إيران ملتزمة فعلاً ببنود الاتفاق، الأمر الذي أدى إلى رفع

العقوبات الاقتصادية تدريجيًا عنها. رويترز وبراك ربيد، "الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي يرفعون العقوبات عن إيران"، هآرتس، 17.01.2016، https://bit.ly/32dlfII (آخر استرجاع 21.12.2021). عند وصوله إلى سدّة الحكم، قام ترامب، وبتناغم غير مسبوق مع الموقف الإسرائيلي، بالتنصل من الاتفاق من طرف واحد بتاريخ 8 أيار 2018، الأمر الذي حول الاتفاق الأممي إلى اتفاق غير جدي وفارغ المضمون.

بعد انتهاء عهد ترامب، وتولي جو بايدين (الذي كان نائب الرئيس أوباما في فترة الوصول إلى اتفاق) رئاسة الإدارة الأميركية، تظافرت الجهود مجددًا للعودة إلى طاولة المفاوضات لإعادة العمل بالاتفاق، وهو ما حصل بتاريخ 29 تشرين الثاني 2021. اليوم، ثمة اختلافات شاسعة في وجهات النظر، سيما من جانب إيران وإسرائيل، حيث يحاول كل منهما من زاويته، عدم العودة إلى الاتفاق السابق ذاته. تستعرض ورقة تقدير الموقف الحالية الموقف الإسرائيلي من العودة إلى طاولة المفاوضات. في القسم الأول، تلخص الورقة مضمون الاتفاق الأول (من العام 2015) والموقف الإسرائيلي منه. في القسم الثاني، تستعرض الورقة الظروف الراهنة التي تحيط بالمفاوضات الحالية (2021) والتغييرات التي طرأت على كل من الحكومة الإيرانية والإسرائيلية. في القسم الأخير، تحاول الورقة أن ترصد المطالب الإسرائيلية، وسيناريوهات تعاملها مع المفاوضات الحالية وإمكانياتها في فرض شروط في ظل إدارة بايدن التي تبذل قصارى جهدها لترميم ما سببته قرارات ترامب، في ظل تعنت إيراني سببه "عدم جدية" المجتمع الدولي.

القسم الأول: الموقف الإسرائيلي العام

لخّصت التقديرات الاستراتيجية الإسرائيلية الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في العــام 2020 ومطلع العام 2021 بأنه تميز بالثبات والاستقرار، وأبرز مقومات هذا التقدير عدم وجود تهديد نووي مباشــر في المرحلة الراهنة، مع التأكيد على أن الوضع الاستراتيجي لإسرائيل في المرحلة الراهنة أكثر وضوحًا وتكيّفًا وتحديدًا في ظل تصاعد قدرة إسرائيل العسكرية وتفوقها النوعي. Itai Brun and Anat Kurz. “2021 Strategic Overview: Vaccines and Vacillations”. Survey Strategic for Israel 2020-2021.

تجمع كل المستويات، السياسية والنخبوية العسكرية الإسرائيلية فضلاً عن المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام والرأي العام الإسرائيلي حول ما يسمونه "مخاطر البرنامج النووي الإيراني"، على اعتبار أن السلاح النووي، في حال امتلاك إيران له، سيكون خطرًا استراتيجيًا ووجوديًا على إسرائيل. الأمر الذي ينسحب على أصعدة مختلفة: تطوّر القدرات القتالية التقليدية خاصة الصواريخ الدقيقة، التمركز العســكري الإيراني فــي الشرق الأوسط وبناء محور ممتد بين أفغانســتان والعراق، مرورًا بســورية ولبنان وفلســطين وصــولًا إلى اليمن. لهذا، فإيران هي العدو الاستراتيجي الأول لإسرائيل، والقضاء على التهديد النووي الإيراني هو من أخطر وأهم القضايا الأمنية التي تواجه القيادتين السياسية والعسكرية الإسرائيلية، الأمر الذي ينعكس بشكل جلي في تمحور الذهنية والاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية حوله، كما يظهر في المؤتمرات السنوية للقيادة العسكرية الإسرائيلية، وفي قراءات أو ندوات وتصريحات تخص الوضع الاستراتيجي لإسرائيل.

وفي سياق متصل، تشير التقارير العسكرية إلى تحديات كبيرة تواجه الجيش الإسرائيلي في مجالات عدة مرتبطة بـ "الملف النووي الإيراني"، أبرزهــا: الســايبر، الحــرب الإلكترونيــة، الدفاعــات الجويــة، الطائــرات المســيّرة والصواريخ المضادّة للســفن، حيث يندرج هذا كله في إطار ما يسمى بـ «المفاجآت الاستراتيجية»، ويندرج ضمن التخوف من تصاعد قدرات إيران العسكرية والاستراتيجية.

إن إسرائيل لا تتخوف، في المرحلة الحالية، من إنجازات إيران النووية بل من قدرتها على الإنجاز. وأي اعتراف من قبل المجتمع الدولي بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، يمكنها من اكتساب الخبرات الحيوية لصناعة القنبلة النووية. لأن توجه إيران نحو برنامج نووي عسكري، وفق التقديرات الإسرائيلية، بحاجة إلى خطوتين. الأولى سياسية مبنية على الإرادة واتخاذ القرار، والثانية تقنية مرتبطة بزيادة عدد أجهزة الطرد ورفع تدريجي لمستوى التخصيب.     Sima Shine and Raz Zimmt. “Iran: At a Low Point, but Still the Primary Threat to Israel’s Security”. Survey Strategic for Israel 2020-2021. ووفق هذه المقاربة، فإن إسرائيل تعتمد في تفوقها الإقليمي على القوة العسكرية النووية والتقليدية. فهي تتخوف من فقدان تفوقها النووي من خلال قدرة إيران على التحول إلى قوة نووية عسكرية، خاصة بعدما لم تحقق ردعها الكامل من خلال تفوقها التقليدي.

القسم الثاني، إسرائيل والاتفاق النووي عام 2015

عارضت إسرائيل الاتفاق النووي، اتفاقية جنيف عام 2015، وتسعى حاليًا لبلورة إجماع سياسي وأمني يؤكد على عدم حدوث أي تغيير في "الرؤية النووية" لإيران التي لا تزال تسعى للوصول إلى مكانة دولة نووية، ولن تتخلى إيران عن برنامجها النووي العسكري. وأيضًا، وفق التقديرات الإسرائيلية، تسعى إيران لتعوّض عن تنازلاتها في الملفّ النووي باعتراف دولي بدورها كدولة إقليمية. فإن الاتفاق ليس محصورًا في شقه النووي، بل تعمل إيران جاهدة منذ عقود لتكريس نفسها كقوة بشرية وعسكرية واقتصادية وتكنولوجية وازنة، مما يعزز أوراقها إقليميا خاصة في العراق وسورية ولبنان.

تعاطت إسرائيل مع قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي عام 2018 كأحــد أهم القرارات الأميركية تأثيرًا في منطقة الشــرق الأوســط، القرار الــذي تبعتــه عدة إجــراءات عقابية حادة علــى إيران، حيث اتبعت الولايات المتحدة سياســة "الضغط الأقصى" المتمثلة بتطبيق العقوبــات الاقتصادية على القطاع النفطــي والقطاعات غير النفطية، بهدف المس باستقرار النظام الإيراني. وترى بعض التقديرات الإسرائيلية أن النظام الإيراني في مرحلة حرجة، لأن العقوبات الاقتصادية الأميركية أدت إلى تراجع كبير في الإنتاج القومــي الإيرانــي منذ عــام 2019، ما يؤدي إلى عدم قدرة إيران على التعايش طويلًا مع منظومة العقوبات الأميركية القاســية، وأنها يمكن أن تعمل على تصعيد مستوى التوتر في المنطقة لتجبر العالم كله على العمل على حلّ الأزمة. ولهذا، في حال انعدام الخيار العسكري، تضغط إسرائيل على خيار استمرار العقوبات الاقتصادية وعدم التوصل لاتفاق نووي جديد يؤدي إلى حالة انفراج للاقتصاد الايراني.

كذلك، رأت إسرائيل بإلغــاء الاتفاق النووي مــن قبل الطرف الأميركي فرصة ســانحة لمحاولــة تصحيــح الاتفاق أمام الأوروبيين، إضافة إلى تعديــل القيود المفروضة على إيران بإدراج مســألة مواجهة الترسانة الصاروخية الإيرانية وتحجيمها، وفرض رقابة علــى برنامــج الصواريخ الإيرانية، بادعاء أنه يهدد ليس فقط إسرائيل وإنما أيضا أمن الدول الأوروبية عامة.

القسم الثالث، الموقف الإسرائيلي الرسمي من الاتفاق النووي المرتقب

تشير التقديرات الإسرائيلية إلى رغبة وإرادة الطرفين الإيراني والأميركي في إحياء الاتفاق النووي منذ عام 2015، وهناك إمكانية حقيقية لتوصل الطرفين إلى توقيع اتفاق جديد رغم التصريحات الإعلامية بوجود خلافات وصعوبات جدية.Eldad Shavit, Sima Shine. “The Renewal of the Talks on Returning to the Nuclear Deal – Slim Chances of Success”. INSS Insight, No. 1537, November 24, 2021.

تؤسس التقديرات على تبنّى الرئيس بايدن استراتيجية الأمن الجماعي الأمن الجماعي: هو مفهوم واصطلاح متخصص في معجم العلاقات الدولية يؤسس على إرساء قواعد والتزامات جماعية تتعهد بموجبها كل دولة بالانضمام إلى الجهود المشتركة ضد أولئك الذين يهددون سلامة أراضي الدول الأخرى واستقلالها السياسي. يجسد هذا المفهوم تلازمية أساسية، وهي: أمن الدولة يساوي الأمن العالمي الذي يتحقق من خلال التعاون الأمني والتفاهمات والاتفاقيات الدبلوماسية بين الدول. في سياسته الخارجية التي رسمها الرئيس أوباما من خلال تحقيق التعاون الأمني وإقامة تحالفات وتفاهمات بدلًا من الاستناد إلى سياسات أحادية الجانب، وأبرزها الاتفاق النووي مع إيران. ورد هذا النهج المتوقع في تصريح الرئيس بايدن لمجلة "فورين افيرز" (Foreign Affairs)، مشيرًا إلى أنه رغم انخراط إيران في سلوك مخل بالاستقرار في الشرق الأوسط، لا بد من مواجهة الأمر دبلوماسيًا ومحاولة بناء تفاهمات جديدة.Ari Heistein, “More Coherence, Greater Tension: Prospects for US Policy toward Russia under Biden”, INSS Insight, No. 1439, February 14, 2021, https://bit.ly/3tK8mOI (last seen 21.12.2021).

وفي المقابل، تشير التقديرات الإسرائيلية أن إيران تدخل المفاوضات النووية وفي جعبتها إدراك سياسي وفهم واقعي لحدود القوة من جهة، ومن الصعب عليها، على الأقل في المرحلة الحاليّة، القبول بطروحات تحدّ من دورها الاستراتيجي الإقليمي الذي استُنزف بسببه الاقتصاد الإيراني لسنوات عديدة، وذلك لعدم ثقتها بشكل كامل بمدى جديّة الطروحات ونجاعتها.

تعي إيران أن استمرار مغامرة التعرّض لعزلة دوليّة جديدة واستمرار المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة قد يؤدّي إلى تأجيج الأزمات الداخلية، باعتبار أن العقوبات الاقتصادية القاسية تؤثّر على الاقتصاد الإيراني وتقيد من قدرة الحكومة الجديدة على التعامل مع تلك الأزمات.

على إثر الانتخابات الأميركية وفوز جو بايدن، عاد الموضوع الإيراني ليتصدر الأجندة الإسرائيلية في أواخر عام 2020، باعتبار أن أي تغييرات في سياسة الولايات المتحدة تجاه إيران ومشروعها النووي ستؤثر على حسابات الأمن القومي الإسرائيلي، وتحديدًا، السعي لإيقاف أو عرقلة تطوير سلاح نووي.Eldad Shavit, The Strategic Implications of Joe Biden's Victory, INSS Conference Summary, Special Publication, November 30, 2020, https://bit.ly/3r74027 (21.12.2021).

ويرتكز الموقف الرسمي الإسرائيلي على الافتراض بأن إيران ستسعى إلى تجريد أي اتفاق نووي مستقبلي من مضمونه برفع نسبة تخصيب اليورانيوم. مستندة إلى تقارير نشرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العام 2020 تفيد بأن إيران ستواصل تخصيب اليورانيوم بمستوى 4.5%، وهذا مستوى أعلى من المسموح لها بموجب الاتفاق النووي، الذي هو 3.67%.. وعليه، تتوافق استراتيجية إسرائيل مع تصريحات المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، حول ضرورة توقيع اتفاقية جديدة مع إيران لاستبدال الاتفاق النووي لعام 2015، باتفاق يتناغم أكثر مع الاحتياجات الأمنية كما تراها إسرائيل.

وتسعى إسرائيل على المستوى السياسي والعسكري للضغط على الولايات المتحدة للحيلولة دون توقيعها اتفاقية جديدة مع إيران. كما ورد على لسان رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، الذي يدفع باتجاه منع الرجوع إلى صيغة الاتفاق النووي السابق، لأنه بالنسبة إسرائيل يعتبر سيئًا من الناحية العملانية والاستراتيجية، كونه سيضمن لإيران زيادة العمل بأجهزة الطرد المركزي لتخصيب كميات أكبر من اليورانيوم وصولًا إلى إنتاج قنبلة نووية، مما يشكل خطرًا حقيقيًا على المستوى الاستراتيجي، وقد يؤدي إلى تسابق نووي في الشرق الأوسط. أما رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، فقد أعرب عن قلقه بشأن إحياء الاتفاق، مؤكدًا أن إسرائيل قلقة للغاية بشأن الاستعداد لرفع العقوبات والسماح بتدفق المليارات إلى إيران مقابل قيود غير كافية على البرنامج النووي.

ولعل التخوف العيني لدى إسرائيل من إمكانية تسوية أميركية مع إيران في مجال الصواريخ الباليستية والتدخل الإيراني في الشرق الأوسط على حساب الملف النووي. أمير بوخبوط، " تقديرات أجهزة الأمن: إيران تفاوض بايدن بشكل غير مباشر حول الاتفاق النووي،" موقع واللا العبري، 20.12.2020، http://bit.ly/3smX0jr (آخر استرجاع 14/02/2021).

القسم الأخير، الخيارات الإسرائيلية لمواجهة النووي الايراني

تدرك الحكومة في إسرائيل أن الخيارات الإسرائيلية محدودة بدون الدعم الأميركي في هذه المرحلة. وتقتصر الفعالية العسكرية لإسرائيل اتجاه إيران حتى المرحلة الراهنة على مستويين أساسيين، بهدف أضعاف المشروع النووي الإيراني أو تقويضه:

أولًا: سياسة الاغتيالات - منذ سنوات طويلة، تتبنى إسرائيل سياسة الاغتيالات كجزء من منظومة وعقلية المواجهة الأمنية والعسكرية تحت فرضية " العمليات الاستباقية"، وتصاعدت هذه العمليات بشكل ملحوظ ضد إيران كجزء من فعالية مواجهة "النووي الإيراني". وقد أثبتت إسرائيل عمليًا أنها تمتلك قدرات استخباراتية داخل إيران. ولكن هذه الاغتيالات لم تردع إيران عن موقفها وسياساتها، بل بعد تصفية فخري زادة يوم 27.11.2020، اتخذت سلسلة من القرارات التي تلغي عمليًا القيود التي فرضها الإيرانيون على أنفسهم في إطار الاتفاق النووي. Shlomo Brom and Shimon Stein, "Does the Cost of the Fakhrizadeh Assassination Outweigh the Benefits?", INSS Insight, No. 1410, December 2, 2020, https://bit.ly/3vOAZw0 (last seen 21.12.2021).

ثانيًا: الحرب السيبرانية - أنّ تطوير استراتيجيات الاشتباك والدفاع في الحرب السيبرانية ينسجم مع العقيدة العسكري لإسرائيل، فالحرب السيبرانية تمكّن إسرائيل من شنّ عمليات ضد أهداف بعيدة من دون أن تجازف بأرواح مواطنيها وجنودها، ويشكّل هذا هدفًا أساسيًا لبلد صغير ذي موارد بشرية محدودة. لقد شهد العام 2020 تصاعداً في المواجهة السايبرانية المباشرة بين إسرائيل وإيران خاصة بعد الانفجار الغامض الذي وقع في منشأة "نتنز" النووية جنوبي طهران، ولكن تدرك إسرائيل أن الحرب السيبرانية غير حاسمة في مواجهة المشروع النووي الإيراني. David Siman-Tov and Shmuel Even, “A New Level in the Cyber War between Israel and Iran”, INSS Insight, No. 1328, June 3, 2020, https://bit.ly/317F4wU (last seen 21.12.2021).

التلويح بالخيار العسكري

مع عودة الملف النووي الإيراني إلى صدارة الأجندة الإسرائيلية في الشهور الأخيرة على أثر تبدل الإدارة الأميركية وإمكانية إبرام اتفاق نووي جديد، تُطرح على طاولة البحث والتداول الإعلامي مسألة قيام إسرائيل بضربة عسكرية ضد المنشآت النووي الايرانية، مدعومة بتصريحات علنية لمصادر عسكرية على رأسها رئيس الأركان يائير كوخافي. ويبقى السؤال: هل يوجد خيار عسكري فعلي لدى إسرائيل؟ هل حكومة بينيت قادرة على اتخاذ قرار بشن عملية عسكرية؟ هل بإمكان إسرائيل مهاجمة اتفاق توقع عليه أهم ست دول في العالم؟

هناك نقاش قائم ومستمر في الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول كيفية الرد العسكري، ويرتكز النقاش على احتمالين للرد:

الأول: دفاع فعال، أي بناء منظومة دفاعية قادرة على استيعاب "ضربة استباقية أولية". هناك قناعة تامة لدى المستويين العسكري والسياسي، بأنه لن تملك إسرائيل منظومة دفاعية لصد أي هجوم صاروخي مكثف عليها من قبل إيران في المنظور القريب.

الثاني: الهجوم، أي القيام بعملية عسكرية ضد المنشآت النووية، بتوجيه ضربة بأسلحة نووية تكتيكية في حال فشل ضربة بالسلاح التقليدي. هذا الهجوم مشروط بدعم أميركي سياسيًا ولوجستيًا وعسكريًا.

في المرحلة الراهنة، التوجه السائد لدى غالبية الأوساط الأمنية والعسكرية المؤيدة لعملية عسكرية ضد إيران هو توجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية قادرة على تعطيلها لفترة طويلة شرط التنسيق والتعاون مع الولايات المتحدة، حين تراجع خيار توجيه الضربة العسكرية المحدودة، الذي أيده سابقا رئيس هيئة الأركان أفيف كوخافي، ورئيس الموساد السابق يوسي كوهين (2016-2021)، ورئيس جهاز الأمن العام يورام كوهين، المنسجم مع موقف أسلافهم في قيادة الأجهزة الأمنية، أبرزهم: غابي أشكنازي، مئير دغان، تامير باردو، عاموس يدلين ويوفال ديسكين.

في المنظور الإسرائيلي العام، إسرائيل تواجه مسألة الحفاظ على مصداقيتها، وعدم التلويح بالخيار العسكري ضد إيران سيكون أمرًا من شأنه أن يعرض مصداقيتها للخطر، وسيظهرها على أنها غير قادرة على انتهاج خطوات جادة في تطبيقها لنظرية الردع التي تتبناها منذ قيامها.

في الواقع، خيارات إسرائيل المتاحة عمليًا، أساسًا هي إعلامية وافتراضية تهدف إلى بناء ردع إسرائيلي أكثر من بناء خيار عسكري عملي ساري المفعول.
ولعل جديد الموقف الإسرائيلي بشأن التلويح بالخيار العسكري، هو إدراك إسرائيل أن قرار السلم والحرب يؤخذ على مستوى الأمن القومي الأميركي بعيدًا عن أي اعتبارات أو تأثير للوبي اليهودي الأميركي. وعليه، بدّلت الحكومة الإسرائيلية لهجتها ومواقفها، وأخذت تتعاطى بواقعية أكثر وتفهّم لحدود دورها إلى حدّ الانسجام مع الموقف الأميركي، في ظل الضغط والتلويح بالخيار العسكري لمنع إيران من إمكانية إنتاج قنبلة نووية.

ما زالت المؤسسة العسكرية تتحفظ من عملية عسكرية باعتبارها مغامرة بالغة الخطورة، قد تؤدي إلى صدام جدي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالأخص التخوف من رد فعل صاروخي مدمر من جبهات مختلفة على إسرائيل. إلا أن السبب الأخير تراجع في الأشهر الأخيرة، بحسب تصريحات كوخافي وقادة عسكريين، معتبرين أن الحرب ضد إيران أمر حتمي، باعتبار أن عملية عسكرية ضد البرنامج النووي الإيراني هي الإمكانية الوحيدة للجم إيران ومنع تدهور الشرق الأوسط إلى منطقة خطيرة وعنيفة.

خلاصة القول، وفق القراءات والتحليلات الإسرائيلية، هناك إرباك وتضارب واضح في الموقف الإسرائيلي الرسمي، من المرجح أن تمتنع إسرائيل عن القيام بهجوم على المنشآت النووية الإيرانية في المدى المنظور، إلا إذا حدثت تغييرات مفاجئة، إذ من المستبعد أن تقوم إسرائيل بعملية عسكرية ضد إيران ما دامت الولايات المتحدة تعول على نفعية المسار الدبلوماسي وإبرام اتفاق مع إيران، الأمر الذي ينسجم مع تصريح لوزير الأمن الإسرائيلي، بيني غانتس، بقوله " أن إسرائيل بإمكانها التكيف مع اتفاق نووي جديد".

ولعل القلق الحقيقي لدى الأوساط الإسرائيلية ليس البرنامج النووي فقط، إنما نجاح إيران في الاستفادة من إعادة التفاوض وتسليط الأضواء على حيثيات الاتفاق النووي، واستثمار ذلك في التمويه وتطوير قدرات صاروخية نوعية يصبح التصدّي لها صعبًا. يجب التنويه إلى أنه من وجهة نظر إسرائيل، فإن البرنامج الصاروخي الإيراني لم يكن قد وُضع تحت المجهر إبان فترة التوقيع على الاتفاق النووي السابق، الأمر الذي يشكل تحديًا استراتيجيًا حقيقيًا على الأمن القومي الإسرائيلي، ناهيك عن تمحور المباحثات حول حيثيات المشروع النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية، مقابل عدم جدية التطرق إلى الدور الإقليمي الإيراني على المستويين السياسي والعسكري، كأهم تداعيات النووي الإيراني.

لهذا، لم يبالغ صناع القرار الإسرائيلي، هذه المرة، في الصراخ والعويل لابتزاز الجانبين الأميركي والأوروبي. وفي الأساس، يمكن قراءة الموقف الإسرائيلي، المتخوف من التقارب الإيراني الغربي، وفق المقاربة التي تقول بأن استياء إسرائيل من نجاح المفاوضات الإيرانية الغربية ليس مرتبطاً بملف إيران النووي. ولو كان الأمر كذلك، لكان المفترض أن تشعر إسرائيل بالارتياح، باعتبار أن هذا النجاح سيضمن عدم تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية. بل الأمر عند الإسرائيليين مرتبط بالخشية من أن يفتح تفاهم طهران مع الغرب الباب أمام مزيد من التقدم الإيراني في المنطقة، والذي يعني حكماً تراجعاً إسرائيلياً بالمقدار نفسه.