تقدير موقف

تقرأ وتحلل قضايا مستجدة وتستشرف آثارها وتداعياتها سواء على المشهد الإسرائيلي او على القضية الفلسطينية.
  • تقدير موقف
  • 1089

كسرت كتلة حركة "ميرتس" في الكنيست، والحكومة الإسرائيلية، كل التوقعات بأن تكون عامل أزمة في الحكومة التي تشكلت في منتصف حزيران الماضي (2021)، من باب أنها قد تعترض على سياسات اليمين الاستيطاني، والممارسات على الأرض، استنادًا لمواقفها المعلنة، على مدى 20 عامًا، كانت فيها في مقاعد المعارضة البرلمانية. لكن في نظرة لتاريخ الحركة منذ نشوئها، والأحزاب التي شكّلتها، فإن عامل المفاجأة قد يقل.

تشكّلت حركة ميرتس في العام 1992، تمهيدًا للانتخابات البرلمانية التي جرت في أيار من ذلك العام، وكانت من ثلاثة أحزاب ممثلة في الكنيست: "راتس" الذي أسسته المحامية شولميت ألوني في العام 1973، منشقة عن حزب "العمل". وحزب "مبام"، الذي تأسس في 1948، الشريك التاريخي لحزب "مباي" بتسمياته المختلفة. وحزب "شينوي" (التغيير) الذي تأسس في سنوات الثمانينيات. وفي حين أن الحزبين الأولين محسوبان على ما يسمى "اليسار الصهيوني"، وفق القاموس السياسي الإسرائيلي، فإن الحزب الثالث شينوي، يُعد "يسار- وسط"، وفق القاموس ذاته.

وكانت الأحزاب الثلاثة يوم تشكيلها ممثلة مجتمعة بـ 10 مقاعد، وحققت في انتخابات 1992 مقعدين إضافيين، ولكن التحالف الحزبي الذي انصهر لاحقًا كحركة واحدة، كان القوة الثالثة في الكنيست وشارك في حكومة إسحق رابين، مؤيدًا سياساتها، وفي مركزها المفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية ودول عربية.

لسنا بصدد سرد تاريخي الآن، لكن هذا الحركة التي كان تشكيلها أحد إفرازات وانعكاسات "انتفاضة الحجارة" الفلسطينية على الشارع الإسرائيلي، في نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، خرجت في بداياتها بخطاب مختلف داخل السرب الصهيوني. وشكّلت ميرتس قطبًا سياسيًا جديدًا، وكانت قوتها متفاوتة في ثلاث جولات انتخابية في التسعينيات، لتخسر نصفها في انتخابات العام 2003، وتحصل على 6 مقاعد، وتخسر نصفها في انتخابات 2006، ثم أعادت بعضًا من قوتها في الانتخابات اللاحقة وحتى آخرها، بقوة تتراوح ما بين 4 إلى 6 مقاعد برلمانية.
وقبل الحكومة الحالية، شاركت "ميرتس" في حكومتين، في العام 1992 برئاسة إسحق رابين، ودامت قرابة 4 سنوات. وفي العام 1999 برئاسة إيهود باراك، ودامت 20 شهرًا. لتخرج ميرتس إلى صفوف المعارضة في أوائل العام 2001 وحتى منتصف العام الجاري 2021.

منذ تأسيس ميرتس في العام 1992، ولاحقًا حينما انصهرت كحركة واحدة، مؤسساتية وليس تحالفًا حزبيًا، كانت فيها تيارات متفاوتة، بين خطاب واضح في معالمه وحدّته ضد الاحتلال، مثل خطاب شولميت ألوني، بالذات في التسعينيات، وبعدها رئيسة الحزب السابقة زهافا غلؤون، وآخرين كان لديهم خطاب أقل حدّة، وأحيانًا ليست قليلة، مسايرًا لأجواء الشارع الإسرائيلي. فوق كل هذا، يجب التأكيد على أن ميرتس، كانت وتبقى حزبًا صهيونيًا، على الرغم من كل ما كان يبدو كخطاب وبرنامج إيجابي نسبيًا، وهذا يبرز في موقفها برفض حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، وأيضًا موقفها القاضي بالإبقاء على الكتل الاستيطانية الكبرى، ولاحقًا، تمسكها بتعريف إسرائيل "دولة يهودية وديمقراطية".

العودة إلى الحكومة

خلال حملة انتخابات آذار 2021، قال رئيس ميرتس، من بات اليوم وزيرًا للصحة، نيتسان هوروفيتس، إن عودة ميرتس إلى الحكومة، بمعنى أن لا تبقى في صفوف المعارضة، هي الخيار الوحيد أمام الحركة. وكان هذا التصريح في ظل الأحاديث عن السعي لإنهاء حُكم بنيامين نتنياهو، بأي تحالف كان.

وبعد الانتخابات، كان واضحًا أن ميرتس ستكون ضمن معادلة كل حكومة لا يرأسها بنيامين نتنياهو، لأنه من دون ميرتس في حالة كهذه، لن تكون حكومة بديلة، إذ أنه حتى بعد ضمها، رأينا أن الائتلاف الحالي ضم إليه كتلة الحركة الإسلامية (الجناح الجنوبي)، أو حسب تسميتها الرسمية في الكنيست، "القائمة العربية الموحدة"، ليرتكز الائتلاف على 61 نائبًا من أصل 120 نائبًا.

مع الإعلان عن تشكيل الحكومة، تم وضع السيناريوهات لمستقبلها، وبالذات العقبات التي تقود إلى اسقاطها، وكان من ضمن أبرز السيناريوهات، أن سياسات الاستيطان، وممارسات الاحتلال، في حال تصاعدت، ستجد معارضة شديدة من كتلتي "ميرتس" و"الموحدة"، إلا أن هذا لم يحصل حتى الآن؛ على الرغم من صدور الكثير من القرارات ومشاريع القوانين، طالت مرتكزات سياسية للكتلتين، ولم تهدد أي منهما بترك صفوف الائتلاف.

ونذكر على سبيل المثال، بعضاً من الإجراءات والقوانين التي شهدناها منذ حصول الحكومة على الثقة في منتصف حزيران الماضي، 2021:
- في أيام الحكومة الأولى، تم الإعلان عن تثبيت بؤرة استيطانية
"حديثة العهد"، جاثمة على جبل صبيح جنوب نابلس، باتفاق بين الحكومة والمستوطنين، بأن يتم اخلاء المستوطنين، مع الإبقاء على المعدات والبيوت، إلى حين إقرار الإجراءات لتحويلها لمستوطنة. وهنا لم تعترض كتلة "ميرتس" ووزراؤها .
- قانون حرمان العائلات الفلسطينية من لم الشمل، فعلى الرغم من أن الكنيست أسقط تمديد القانون، بتصويت كتل اليمين الاستيطاني ضد التمديد، من باب مقارعة الحكومة، إلا أن كتلة ميرتس صوتت مع تمديد القانون، على الرغم من أن الكتلة على مدار 18 عامًا، منذ أن ظهر القانون بصيغة قانون طوارئ مؤقت يتم تمديده سنويًا، صوتت ضد القانون، وفي مرحلة ما، كانت رئيسة ميرتس السابقة زهافا غلؤون، من بين الملتمسين للمحكمة العليا ضد هذا القانون.
وهذا ما دفع غلؤون يومها لانتقاد حركتها علنًا، وفي وسائل إعلام، إذ قالت في مقابلة لإذاعة الجيش الإسرائيلي، إن تصويت ميرتس تأييدًا للقانون كان خضوعًا في مسألة جوهرية.
وقالت، "من الواضح أن للدخول إلى الحكومة ثمن سيتم دفعه، وقد يكون 80 ألف موضوع يجعلني أموت كل مرّة وأغلق فمي، ولكن هناك قضايا جوهرية، من ضمنها "قانون المواطنة" (قانون منع لم الشمل).
- على مدى الأشهر الأخيرة، صادقت الحكومة مباشرة، وأيضًا سلطات احتلال ذات صلة، على مشاريع بناء آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية في سائر أنحاء الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلة، وبضمنها مستوطنات تقع "خلف الجدار"، أو شرقي جدار الفصل العنصري في الضفة.
وكان موقف ميرتس على مدى السنين، يعارض البناء في المستوطنات خارج الكتل الاستيطانية الكبرى، ويعارض توسيع مناطق البناء في الكتل الاستيطانية الكبرى، وبعد بناء جدار الاحتلال، بات الموقف معارضة البناء في المستوطنات التي بقيت خارج الجدار، بدعوى، حسب إعلان حكومات سابقة، أنها معدّة للإخلاء، في إطار الحل الدائم. ولكن كتلة ميرتس لم تعترض رسميًا، باستثناء تصريحات عابرة لبعض نوابها، دون أن يكون لها وزن، بمعنى أنها لم تضغط للجم قرارات الاستيطان.
- في الموازنة العامة، للعامين الجاري والمقبل 2022، وبموجب ما صرّحت به وزيرة الداخلية، أييليت شكيد، تمت زيادة حادة في الميزانيات التي تحول مباشرة لمجالس المستوطنات، إذ قالت شكيد، إن ميزانيات المستوطنات من وزارة الداخلية وحدها، ارتفعت بنسبة 50%، وهنا لم تعترض كتلة ميرتس.
- تصريحات متكررة من أبرز قادة الحكومة، رئيسها نفتالي بينيت، ووزير الخارجية، الذي هو أيضًا رئيس الحكومة البديل، يائير لبيد، بأنه لن تكون مفاوضات مع القيادة الفلسطينية للتوصل إلى حل، وما تعرضه الحكومة هو فقط "سلام اقتصادي".
- واصلت الحكومة الحالية سياسة غض الطرف عن جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية المحتلة، وبشكل خاص في موسم قطف الزيتون، ولم يصدر الجيش ووزيره بيني غانتس، أي أوامر كفيلة بوقف الاعتداءات الوحشية على المزارعين. وهذا يسري أيضا على اعتداءات المستوطنين المستمرة في قرى جنوب الخليل. في كل هذا، لم تطالب كتلة ميرتس بشيء.

"ميرتس" لم تعارض جوهر الاحتلال والحروب

في السنوات الأخيرة، تقلبت وجوه قيادة ميرتس مرات عدة، وبضمنها ثلاثة رؤساء للحزب في غضون ست سنوات: زهافا غلؤون، التي خسرت رئاسة الحزب في العام 2018، لتحل محلها تمار زاندبرغ، التي قادت الحركة في ثلاث جولات انتخابية في غضون عام ونصف العام، لتخسر رئاسة الحزب في العام 2021، لصالح الرئيس الحالي نيتسان هوروفيتس.

طيلة الوقت، كان واضحا أن زاندبرغ ومن ثم هوروفيتس، يعملان على إخراج ميرتس من خانتها السياسية، مع ميول لأخذ الحركة نحو ما يسمى "تيار يسار وسط" بحسب قاموس السياسة الإسرائيلية.
أحد نماذج هذه التوجهات، كان في النصف الثاني من العام 2019، حينما طرح عضو الكنيست السابق في القائمة المشتركة، د. يوسف جبارين، مشروع قانون المساواة، ليكون قانونًا دستوريًا، أو حسب التسمية، "قانون أساس". وعلى الرغم من أن ميرتس كانت في صفوف المعارضة لحكومة نتنياهو- غانتس، إلا أنها غادرت القاعة ولم تؤيد القانون.

وبحسب ما قاله جبارين يومها، فإن رئيسة ميرتس زاندبرغ، قالت إن ميرتس لا تستطيع تأييد القانون، كونه يتعارض مع كون إسرائيل "يهودية وديمقراطية"، إذ إن قانون الأساس يهدف لوقف التمييز ضد العرب.

تاريخيًا، وكما سنقرأ هذا على لسان كاتب إسرائيلي، فإن ميرتس تماشت مع سياسة كل حكومة جلست فيها، منذ العام 1992، بما في ذلك تأييد مشاريع استيطان ضخمة، وشن عمليات عسكرية وحروب.

وقبل هذا، الأحزاب التي شكلت ميرتس، السابق ذكرها هنا، صمتت عن كل الحروب، في أحسن الأحوال، إن لم تؤيدها مباشرة. وحتى في حروب سنوات الألفين، فإن انضمام ميرتس للحراك الشعبي ضد الحروب، على قطاع غزة ولبنان، كان بعد مرور أيام على نشوبها، وبعد سقوط قتلى إسرائيليين، أو وقوع اضرار في الممتلكات في داخل إسرائيل.

الكاتب السينمائي والمسرحي، وأيضا السياسي، كوبي نيف، نشر في الأسبوع الماضي مقالًا، في صحيفة "هآرتس، بعنوان: وظيفة ميرتس تطهير النجاسة، يوجه فيه انتقادات حادة لميرتس، ولكن يدعو إلى عدم الاستغراب، ويرى أن ميرتس لم تعارض الاحتلال بشكل فعلي في ممارساتها ومواقفها.

وكتب نيف: "هنا وهناك يتساءل الناس عما تفعله ميرتس في الحكومة الحالية التي تواصل، بل وتُثقل يدها في ممارسات احتلال عام 1967- الذي هو في الواقع استمرار للنكبة منذ عام 1948- وقمع الفلسطينيين في المناطق. والمتسائلون يستغربون، فميرتس نقشت على رايتها إنهاء الاحتلال، وها هي الكتلة تفعل العكس بالضبط".

"الحقيقة هي أن ميرتس دعمت الاحتلال على الدوام... ولم تكن أي حكومة شاركت فيها ميرتس فككت فيها ولو مستوطنة واحدة من الأراضي الفلسطينية. ولم تعارض ميرتس أبدًا أي حرب أو "عملية" ضد الفلسطينيين في الكنيست، ولكن دائمًا بعد أسبوعين فقط من البداية وحتى النهاية". ويضيف، "وبالطبع لدى ميرتس معارضة قوية لرفضها الخدمة في الجيش الإسرائيلي كمعارضة للاحتلال".

ويختم الكاتب نيف، أن "ميرتس لم تعارض ولا تعارض الاحتلال، بل على العكس. يتم استخدامها من قبل إسرائيل كورقة تين لغسل الاحتلال وتقديمه للعالم على أنه "مستنير" على ما يبدو. هذه هي مهمة ميرتس السياسية".

مستقبل الحكومة

رسالة ميرتس السياسية في الأشهر الستة للحكومة الحالية واضحة، وهي مؤشر لمستقبل تعاملها مع الحكومة. فميرتس مثل باقي الكتل البرلمانية السبعة، تعرف أن حل الحكومة والتوجه لانتخابات برلمانية جديدة، حتى في المستقبل القريب، سيقود إلى خسارة جميع أحزابها، إن كان من حيث قوتها البرلمانية، أو من حيث مكانتها في الحكم.

بقصد أنه حتى لو تم حل الحكومة، وجرت انتخابات زادت من قوة بعض أحزاب الحكومة، فإن هذه الأحزاب لن تحظى بمكانة حكومية، كتلك التي تحظى بها حاليًا: رئيس الحكومة نفتالي بينيت يرأس كتلة "يمينا"، من 7 نواب، وانشق عنها نائب، وهذا مشهد لم يحصل، ومن الصعب رؤيته يتكرر. ورئيس الحكومة البديل، يائير لبيد، رئيس حزب "يوجد مستقبل"، الذي تتنبأ له الاستطلاعات بزيادة قوته البرلمانية، من الصعب رؤيته يعود إلى حكومة يكون فيها رئيس حكومة مناوبًا. وهذا الحال يسري على باقي الكتل.

لذا فإن ميرتس تراهن على الوقت، وعلى تعزيز مكانتها في الشارع، إذ إنه في كل واحدة من الجولات الانتخابية الأربعة التي جرت بين العامين 2019 و2021، كانت في نطاق خطر عدم اجتياز نسبة الحسم. ولكن هناك شك في ما إذا كان نهج ميرتس الحالي سيحفظ قوتها - المتواضعة اصلًا - في الشارع.