ترمي ورقة تقدير الموقف هذه إلى تحليل نتائج تفشي وباء كورونا على السياسة والاقتصاد في إسرائيل وإلى تسليط الضوء على السيناريوهات المتاحة أمام المؤسسة الإسرائيلية في أعقاب انتشار هذه الجائحة.

وتنطلق الورقة من مقولة أن الأفق السياسي والاقتصادي في إسرائيل للسنوات المقبلة متعلق بمدى تفشي الجائحة والثمن الذي سوف تدفعه على مستوى الوفيّات، والمدة الزمنية التي ستبقى فيها في ظلّ حالة طوارئ.

قبل انتخابات الكنيست الأخيرة (آذار، 2020)، كانت أزمة فيروس كورونا محدودة في إسرائيل، فقد تواجد في العزل بضعة آلاف، ولم يتعد تعداد المصابين المؤكدين بالفيروس سوى بضعة أشخاص ممن تواجدوا على سفينة "غولدن دياموند" التي حطّت رحالها في اليابان، حيث تم نقل المصابين الإسرائيليين من اليابان إلى حجر صحي في إسرائيل. وقبل ذلك كانت إسرائيل قد أغلقت مجالها الجويّ أمام الطائرات الصينية منعاً لتفشي الفيروس. [1] وبعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية بدأ الوباء بالتفشي في إسرائيل مما حدا بالحكومة إلى تسريع إجراءات الوقاية والحجر الصحي، وإغلاق المصالح الاقتصادية، وحتى إغلاق مدن وأحياء كاملة، كمدينة بني براك لليهود الحريديم (المتشددون دينياً)، والتي تفشى فيها الوباء بشكل كبير.

سيناريوهات الخروج من الأزمة

السيناريو الاقتصادي:

تعتبر أزمة كورونا، من الجانب الاقتصادي، عبئاً ثقيلا على الاقتصاد الإسرائيلي. ليس هناك موقف واضح أو تصور واحد لتداعيات الأزمة اقتصاديا، فهناك من يعتقد أن إسرائيل سوف تعيد حيويتها الاقتصادية في نهاية عام 2021، والأكثر تفاؤلا يضع نهاية العام الحالي كلحظة تخرج فيها إسرائيل من الأزمة. ويتعلق الأمر بإطالة عمر الإغلاق ونوعيته خلال الفترة المقبلة. غير أنه لا شك في أن الأزمة الاقتصادية التي أحدثها كورونا سوف ترافق إسرائيل في السنوات القادمة، فمعدلات البطالة التي وصلت إلى الحضيض في السنوات الماضية مُسجلة أقل نسبة بطالة في تاريخ إسرائيل، ارتفعت خلال الأزمة لتصل إلى 25%. [2] وحتى في السيناريوات المتفائلة حيال حيوية الاقتصاد الإسرائيلي تشير التوقعات إلى أن هذه النسبة ستتراجع لتصل إلى 10% مع نهاية عام 2021. وهذا سوف يشكل عبئا اقتصاديا واجتماعيا على الدولة، فضلا عن أن المصالح الصغيرة والمستقلة منها سوف تحتاج إلى وقت كي تتعافى من هذه الأزمة الاقتصادية، ولن يسرع جزء منها بإعادة من أقالوهم من العمل، على الأقل حتى ينجحوا في ترميم مصالحهم من الناحية الاقتصادية.

ويعتقد سيفر بلوتسكر، محرر الملحق الاقتصادي في صحيفة يديعوت أحرونوت، أن إسرائيل ستعاني من أسوأ ركود اقتصادي في تاريخها هذا العام، بحيث سيقفز معدل البطالة مع انتهاء أزمة كورونا إلى 12% بحسب تقدير صندوق النقد الدولي، بينما يقدر بنك إسرائيل بأن نسبة البطالة ستستقر عند 6% بعد أن توقفت قبل الأزمة عند 4%، فيما يتوقع انخفاضا بنسبة 5.3% في الناتج المحلي الإجمالي.

وأوضح هذا المحرر الاقتصادي أن تقرير بنك إسرائيل الذي يظهر الفارق بالتوقعات والمعطيات التي نشرها صندوق النقد الدولي بشأن تداعيات كورونا على الاقتصاد الإسرائيلي لا يتضمن أي تفسيرات بل جداول فقط وتقديرات، ما يعني ضرورة الانتظار لأسابيع للحصول على صورة أوضح بخصوص حجم الخسائر وتأثير أزمة كورونا على الاقتصاد الإسرائيلي.

وعلى الرغم من ذلك فإن بلوتسكر يتوقع صورة قاتمة للاقتصاد الإسرائيلي بسبب أزمة كورونا، مستذكراً أنه في الأزمة المالية العالمية في العام 2009 لم ينخفض الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي، ولم يكن الاقتصاد في حالة ركود ولا حتى بشكل تقني، مما يعني أن الاقتصاد الإسرائيلي سيكون في الربعين المقبلين في حالة من النمو السلبي، وفقط في العام 2021 سيشهد نموا بنسبة 5%، علما أن توقعات بنك إسرائيل قبل الأزمة أشارت إلى أن العام المقبل كان من المفروض أن يشهد انتعاشا اقتصاديا بنسبة 8.7%.

على ضوء هذه التوجسات والمخاوف الاقتصادية، هناك توجه قوي تقوده وزارة المالية يضغط باتجاه فتح مرافق حيوية في الاقتصاد، وبالذات تلك التي تشكل عائدات ضريبية كبيرة على خزانة الدولة. وفي نفس الوقت لا تهدد هذه المصالح من انتشار وباء كورونا على عكس مرافق أخرى التي لا تشكل عائداتها الضريبية نسبة كبيرة من مدخولات الدولة، ولكنها قد تكسر معادلة السيطرة على الوباء، حيث أن هناك تخوفاً من أن تعود الأزمة الاقتصادية التي خلقها وباء كورونا بالوبال على النمو الاقتصادي الإسرائيلي، حيث أن هذا الوباء شطب كل الإنجازات الاقتصادية التي حققتها إسرائيل في العقد الأخير. [3] فعلى سبيل المثال، نجحت إسرائيل في خفض الدين العام خلال العقد الأخير من العلاقة بين الدين العام والناتج المحلي إلى حوالي 60% في العام 2019، بعد أن كان حوالي 70% في العام 2010. أما بعد هذه الأزمة فمن المتوقع أن تصل العلاقة بين الدين العام والناتج المحلي، أي نسبة الدين العام من الناتج المحلي، إلى 75%، [4] فضلاً عن أن التضخم المالي سوف يرتفع إلى معدل 10%، وهو معدل مرتفع وغير مسبوق في العقود الأخيرة.

وجاءت الأزمة الاقتصادية، التي ولّدها وباء كورونا، لتراكم بداية أزمة اقتصادية كانت إسرائيل قد دخلتها خلال العام 2019، حيث ارتفع العجز في ميزانية الدولة، بسبب سياسات وزير المالية الحالي موشيه كحلون، وبسبب غياب حكومة ثابتة لمدة عام كامل. ويحاول رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو تعويض السكان عن الضرر الذي أصابهم من جراء سياسة الإغلاق وارتفاع معدلات البطالة، فمنح كل صاحب مصلحة صغيرة منحة شهرية قدرها 6000 آلاف شيكل، ورفع مخصصات الأولاد لمرة واحدة بـ500 شيكل حتى الولد الرابع، ونفس السياسة اتبعها مع مخصصات الشيخوخة التي رفعها بـ500 شيكل أيضاً.

يُشار هنا إلى أن الحالة الاقتصادية كانت أحد أسباب قوة نتنياهو في العقد الأخير، فقد تحسن الاقتصاد الإسرائيلي ونموه السنوي، وتراجعت معدلات البطالة إلى الحد الأدنى في تاريخ دولة إسرائيل، وارتفع استهلاك المواطنين وزادت معدلات السفر والسياحة إلى الخارج، ولذلك سيحاول نتنياهو تعويض السكان بنوع من المساعدات والتسهيلات المالية، لا سيّما وأن قواعده الانتخابية وقواعد الأحزاب الدينية المتزمتة تنتمي إلى الشرائح الضعيفة في المجتمع الإسرائيلي.

السيناريو السياسي:

منذ انتهاء الانتخابات في آذار 2020، وتكليف رئيس "أزرق أبيض" بيني غانتس بتأليف الحكومة، استغل نتنياهو أزمة كورونا أحسن استغلال سياسيا. فقد كانت يتصرف بأنه هو صاحب التكليف بتأليف الحكومة، وكان يعرض على غانتس تارة إقامة حكومة طوارئ وتارة أخرى إقامة حكومة وحدة وطنية. بينما لم يبادر غانتس وهو المكلف بإقامة الحكومة لأي خطوة لاستغلال الأزمة من خلال اقتراح إقامة حكومة وحدة وطنية هو يرأسها، لا سيّما وأنه حصل على توصية 61 عضو كنيست، غير أن نتنياهو وضعه كل الوقت في مربع رد الفعل على اقتراحاته، وخاصة بعد سقوط خيار إقامة ما يعرف باسم "حكومة أقلية" تدعمها القائمة المشتركة من الخارج، وتفكك تحالف "أزرق أبيض". وقد وصف عضو الكنيست عوفر شيلح، القيادي في حزب "يوجد مستقبل"، بيني غانتس بأنه ضعيف وانهار أمام نتنياهو في هذه الأزمة. [5]

وساهمت خطابات نتنياهو المتلفزة شبه اليومية في زيادة خوف الناس من تبعات الأزمة وانتشار الوباء، عارضا إقامة حكومة طوارئ برئاسته كالخيار الأنسب للتغلب على هذه الأزمة التي وصفها بأنها عدو الأمة. وقد اغتنم نتنياهو هذه الفرصة لتسويق نفسه، لا سيّما بعد أن كلّف رئيس الدولة، رؤوفين ريفلين، بيني غانتس بتأليف الحكومة، بعد حصوله على توصية 61 عضو كنيست بمن في ذلك أعضاء القائمة المشتركة الخمسة عشر، مقابل حصول نتنياهو على توصية كتلة اليمين المؤيدة له (58 مقعدا)، وامتناع عضو الكنيست المنشقة عن تحالف العمل- غيشر- ميرتس، أورلي ليفي-أبكسيس من التوصية على أحد.

واعتبر رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" أفيغدور ليبرمان أنه تم تسييس أزمة كورونا من أجل المصالح السياسية لنتنياهو، حيث صرح قائلاً: "إذا كان الوضع بهذا الشكل، فلماذا لم يتم فرض إغلاق منذ أسبوعين على جميع تلك المدن والأحياء؟ والإجابة على ذلك بسيطة، وهي لأسباب واعتبارات سياسية فقط. وانطلاقا من الاعتبارات السياسية نفسها، وليس لمصلحة الجمهور، يصر رئيس الحكومة على استمرار ولاية وزير الصحة، يعقوب ليتسمان، الذي فشل فشلا ذريعا وليس فقط في مواجهة كورونا. وأداؤه في الأشهر الأخيرة يثير أسئلة كثيرة. وكانت السنوات الطويلة التي سيطر فيها على وزارة الصحة سنوات تدهور غير مسبوق في كل ما يتعلق بصحة الجمهور".[6]

ونجح نتنياهو بشكل غير مباشر، وبسبب الأزمة، في تفكيك تحالف "أزرق أبيض" إلى ثلاثة أحزاب: واحد احتفظ باسم "أزرق أبيض" برئاسة غانتس نفسه وبمشاركة الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة غابي أشكنازي، الذي وصفه شيلح بأنه كان يريد الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية بعد انتخابات أيلول 2019، وحزب ثان برئاسة عضوي الكنيست يوعاز هندل وتسفي هاوزر اللذين أفشلا خيار إقامة حكومة أقلية مدعومة من القائمة المشتركة، ويتفاوضان الآن للانضمام إلى حكومة نتنياهو- غانتس، وحزب ثالث برئاسة يائير لبيد رئيس حزب "يوجد مستقبل"، وموشيه يعلون رئيس حزب "تلم". وهكذا انتهى تحالف "أزرق أبيض" الذي صارع عاما كاملا ليكون بديلا عن حكومة يرأسها نتنياهو.

والغريب أن غانتس ليس فقط أنه لم يذهب إلى خيار المناورة البرلمانية التي راهن عليها أقطاب في حزب "أزرق أبيض" وتمثلت في انتخاب رئيس جديد للكنيست من الحزب نفسه، بل رشح نفسه لهذا المنصب؛ وكذلك امتنع حتى الآن من تعديل قانون أساس الحكومة لمنع عضو كنيست متهم بقضايا جنائية من تشكيل الحكومة. ولربما يعود ذلك إلى خوف غانتس من أن يؤدي ذلك إلى سخط جماهيري عليه في ظل أزمة كورونا والتي ساهم خطاب نتنياهو في تضخيمها، حيث يتوقع المجتمع الإسرائيلي من الأحزاب التوقف عن هذه المناورات والتكتل في حكومة طوارئ لمواجهة الأزمة وتبعاتها الصحيّة والاقتصادية التي يعاني منها المجتمع على الصعيد الفردي أيضا. كل ذلك على ما يبدو دفع بغانتس إلى الانشقاق عن تحالف "أزرق أبيض" والتباحث مع نتنياهو حول حكومة يتبادل فيها الرجلان رئاسة الحكومة مع تمثيل كبير لحزب "أزرق أبيض" المقلص الذي يترأسه غانتس، فضلا عن استعداده للتوصل إلى تسوية بشأن موضوع ضم أراض في الضفة الغربية إلى إسرائيل، ولدعم قانون يتيح لنتنياهو أن يكون في الحكومة (كقائم بالأعمال في مرحلة التناوب) بالرغم من لائحة الاتهام.[7]

ويراهن نتنياهو بعد تفكيك تحالف "أزرق أبيض"، وانضمام حزب غيشر برئاسة ليفي- أبكسيس إلى كتلة اليمين لترتفع إلى 59 مقعدا، على وضع شروطه على الحكومة المقبلة، فهو الآن في موقع القوة، وغانتس في موقع الضعف، ونتنياهو يحتاج إلى عضوي كنيست فقط كي يشكل حكومة بدون غانتس، ولكنه بالتأكيد يفضل حكومة مع غانتس وهو الذي كان ينادي بحكومة طوارئ في ظل أزمة كورونا.

غير أن نتنياهو يريد حكومة بشروطه والتي تتمثل في النقاط التالية:
أولاً، الحفاظ على التغيير الذي يقوم به اليمين في المؤسسة القضائية، حيث أن ضغط تحالف "يمينا" برئاسة نفتالي بينيت في هذا الملف تحديدا دفع بنتنياهو إلى الاعتراض على مطالب "أزرق أبيض" في هذا الصدد، فتغيير المؤسسة القضائية هو أحد ركائز مشروع اليمين في العقد الأخير، فضلا عن أن نتنياهو ينسجم مع هذا المطلب اليميني لأن لديه مصلحة شخصية تتمثل في ملفاته الجنائية التي ساهمت الأزمة الحالية في تأجيل البت بها.

ثانياً، تشريع قانون يضمن بقاء نتنياهو في السلطة بعد إجراء التناوب، حيث أن القانون ينص على استقالة وزير إذا تم تقديم لائحة اتهام ضده.

ثالثاً، قد يسعى نتنياهو إلى إلغاء التناوب أصلا، فهو يريد البقاء في السلطة، وقد يقوم بمناورة في الحكومة الاخيرة تُفشل فكرة التناوب على رئاسة الحكومة.

رابعاً، يريد نتنياهو تحجيم تمثيل حزب "أزرق أبيض" في الحكومة، فقد تراجع عن فكرة تعيين أشكنازي وزيرا للخارجية واقترح أن يكون وزير التربية والتعليم، وتعيين يولي إدلشتاين، رئيس الكنيست السابق، وزيرا للخارجية، كما يريد أن يكون ياريف ليفين، أحد عتاة اليمين أيديولوجيا والمعادي للمؤسسة القضائية، رئيساً للكنيست بعد استقالة غانتس من هذا المنصب، ويريد إبقاء ليتسمان وزيرا للصحة على الرغم من فشله في الجهاز الصحيّ، وذلك إرضاء للمتدينين.

وزارة الخارجية: شرق أوسط جديد بعد كورونا

على صعيد آخر ذكرت صحيفة "يسرائيل هيوم" (13/4/2020) أن شعبة التخطيط السياسي في وزارة الخارجية الإسرائيلية أعدت وثيقة داخلية رسمت فيها مستقبلاً كئيباً للعالم كنتيجة لأزمة كورونا. ومع ذلك، أشارت الوثيقة إلى أن إسرائيل تحديداً يمكن أن تعزز أكثر مكانتها وعلاقاتها السياسية والاقتصادية كنتيجة للأزمة.

وأضافت الصحيفة أن الوثيقة وضعها أكثر من 20 دبلوماسياً وخبيراً في وزارة الخارجية في الشهر الماضي، وأُرسلت إلى أطراف كثيرة لدراستها في الأقسام المتعددة للوزارة، وأدخلت عليها تنقيحات وتحسينات. وتولى رئاسة المشروع أورون أنوليك، رئيس شعبة التخطيط السياسي، الذي عرض النتائج على كل من وزير خارجية إسرائيل يسرائيل كاتس ومدير عام الوزارة يوفال روتم.

وفي حديث مع "يسرائيل هَيوم"، شدد أنوليك على أن المقصود ليس نهائيا، لأن توقعات الأزمة لا تزال في ذروتها: "الأمور تتغير كل يوم، ومن المهم القول إننا لا نعرف قط المستقبل. هذه الورقة لا تزال تتغير كل يوم، وهي فقط تعكس تقديراتنا حيال واقع لم يشهد العالم مثله. وفيها تساؤلات أكثر من إجابات."

ووفقاً للصحيفة، في مركز الوثيقة هناك تقدير بأن القرية العالمية المفتوحة والتجارة الحرة بصورة مطلقة لن تبقيا كذلك بعد كورونا. فالعالم يسير نحو أزمة اقتصادية تذكّر في حجمها بالانهيار الكبير في نهاية العشرينيات وبداية الثلاثينيات من القرن الماضي. والناتج المحلي الصافي العالمي انخفض بـ12% ومن المتوقع استمرار هذا الانخفاض، مع معدلات بطالة هائلة في الولايات المتحدة وفي أماكن أُخرى. ومن المتوقع أن تؤدي الأزمة الاقتصادية العالمية، من بين أمور أُخرى، إلى انخفاض الطلب على الغاز، وبذلك المسّ بفرع تصدير مركزي كانت إسرائيل تنوي الاعتماد عليه في السنوات المقبلة. ومن المتوقع أن تترافق الأزمة الاقتصادية مع منافسة قوية بين الدول، وخصوصاً على الموارد في المجال الصحي. والطلب العالمي الهائل على المستلزمات الطبية، كما تجلى منذ نشوب الأزمة، من المتوقع أيضاً أن يستمر، وأن يزيد في التوترات الدولية.

ويعتقدون في وزارة الخارجية أن تشابك هذه التوترات مع الأزمة الاقتصادية وشلل عالم الطيران، سيؤدي إلى قواعد لعبة جديدة بشأن كل ما له علاقة بالتجارة العالمية. وبحسب الوثيقة، التجارة الحرة كما هي معروفة اليوم ستتغير نحو سياسة انطواء الدول. ومن المتوقع أن تعود الدول إلى بناء سلاسل إنتاج وإمداد محلية، وخصوصاً في مجالات حساسة للأمن القومي، على الرغم من ارتفاع التكلفة الاقتصادية الناجمة عن ذلك. ومن المعقول الافتراض أن تقوم دول باتخاذ خطوات لتقييد تصدير مكونات حساسة، مثل المعدات الطبية، من خلال فرض رسوم وقيود أُخرى على التصدير والاستيراد.

ويرون في وزارة الخارجية في أزمة كورونا كمسرّع لعملية صعود الصين كقوة دولية عظمى. وعلى الرغم من أن فيروس كورونا جاء من الصين، فقد خرجت بكين منه أقوى مما كانت عليه لكونها أول من تعافى من الأزمة، مما يمنحها موقعاً متفوقاً مقارنة بالولايات المتحدة. كذلك، المساعدة الدولية التي تقدمها الصين إلى الدول المصابة، وغياب الرغبة الأميركية في أداء دور الشرطي الدولي، يحسّن من مكانة الصينيين مقارنة بالأميركيين.

ويحذرون في وزارة الخارجية من أن هذا التغيير في موازين علاقات القوى بين الولايات المتحدة والصين، من المتوقع أن يزيد أكثر التوترات الكبيرة الموجودة بينهما حالياً. وتشير الوثيقة إلى أنه في فترة استقطاب سياسي قوي في الولايات المتحدة، فإن الحاجة إلى الدفاع في مواجهة الصين هي الموضوع الوحيد الذي تُجمع عليه أجزاء المنظومة السياسية الأميركية كلها. وتشدد الوثيقة على أنه يتعين على إسرائيل الاستمرار في السياسة المعتمدة حالياً، من خلال المحافظة على العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة كمصلحة عليا، واستغلال الفرص الاقتصادية وغيرها مع الصين.

وتضيف الوثيقة أن هناك مكاناً آخر يمكن أن تؤدي أزمة كورونا إلى نشوء اضطرابات فيه هو الشرق الأوسط. وتحذر الوثيقة من أن "دولتي السلام" (الأردن ومصر) اللتين تعانيان وضعاً اقتصادياً صعباً، يمكن أن يصيبهما عدم استقرار. بالإضافة إلى ذلك، يثار التخوف من أن إيران التي تحطم أزمة كورونا بقايا اقتصادها يمكن أن تقفز إلى تطوير سلاح نووي، للمحافظة على بقاء النظام. كذلك يثار التخوف من أن تدفع الأزمة العالمية إلى نمو تنظيمات إرهابية متطرفة، مثل داعش والقاعدة.

وبالنسبة إلى عدم الاستقرار العالمي، تتوقع وزارة الخارجية زيادة عالمية على الطلب على منتوجات الهايتك، وخصوصاً تلك التي تتعلق بالإدارة عن بعد، والمشاهدة عن بعد. وفي هذا المجال تفتح الأزمة أمام إسرائيل الكثير من الفرص، بسبب صناعة التكنولوجيا المتقدمة المتطورة جداً والمبتكرة التي لديها. يضاف إلى ذلك، مرونة السوق الإسرائيلية وقدرتها على تكييف نفسها مع أوضاع جديدة، والاستخدام الذي سبق أن جرى في إسرائيل للداتا الكبيرة والمؤهلات الإسرائيلية لاستخدام التكنولوجيا لمحاربة الفيروس، من دون انتهاك كبير لحقوق الفرد. وكل ذلك يمكن أن يحوّل إسرائيل إلى مركز جذب، كما تشدّد الوثيقة.

1.
مدى الكرمل، الكورونا وتأثيرها على المشهد السياسي في إسرائيل، ورقة تقدير موقف، (حيفا: مدى الكرمل، نيسان 2020). 
2.
سيفان كلينغبايل، الأزمة تضرب المدن الضعيفة، البطالة في إيلات 70% وفي الناصرة 50%. ذي ماركر، 6/4/2020، ص:1+3. 
3.
ميراف أرلوزوروف، بعد 15 سنة من النمو، انتهت الحفلة، ذي ماركر، 17/4/2020، ص: 10. 
4.
المصدر السابق. 
5.
رافيت هيخت، شيلح: غانتس ضعيف، أشكنازي تآمر علينا، نتنياهو معفن أخلاقيا بمستوى يصعب وصفه، هآرتس، 17/4/2020، ص: 10. 
6.
https://www.arab48.com/إسرائيليات/أخبار/2020/04/05/ليبرمان-الحكومة-الإسرائيلية-تتعامل-مع-كورونا-باعتبارات-سياسية-فقط 
7.
يونتان ليس، من المتوقع أن يدعم غانتس قانون يتيح لنتنياهو البقاء في الحكومة رغم لائحة الاتهام. هآرتس، 29/3/2020، ص:1+3. 
الإثنين, مايو 25, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الأعزاء متابعوا إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار": يواصل "مدار" العمل على إنجاز خطته السنوية كالمعتاد على الرغم من الظروف التي فرضها "فيروس الكورونا"، وسوف يتم توفير المُنتج الجديد الكترونيًا على موقع "مدار" على الشبكة، فيما ستتوفر النسخ الورقية حال تجاوز حالة الطوارئ.