ترمي هذه الورقة إلى تحليل العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأميركي عموماً، في سياق منافسة بيرني ساندرز على منصب مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة التي ستجري في شهر تشرين الثاني المقبل، حيث يتبنى ساندرز اليهودي موقفا مخالفا للموقف التقليدي الأميركي فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، ولموقف إدارة دونالد ترامب خصوصا.

وتأتي أهمية فهم العلاقة بين الحزب الديمقراطي وبين إسرائيل ليس فقط على ضوء ترشح ساندرز داخل الحزب فحسب، وإنما أيضاً في سياق التحولات التي تحدث في السنوات الأخيرة في العلاقة بين هذين الجانبين، وتحديدا بعد تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة في فترة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

وتنطلق الورقة من مقولة أن ترشح ساندرز وتقدمه في الانتخابات الداخلية يعكسان ويعبران عن هذه التحولات، بالإضافة إلى تحولات تتعلق بالقضايا الداخلية الأميركية، وربما تشير إلى بداية تغير في وضعية إسرائيل، كحالة إجماع فوق حزبية في المشهد السياسي الأميركي عموماً.

مقدمة

رسمت السنوات العشر الأخيرة تحولا في مكانة إسرائيل في المشهد السياسي الأميركي. فبعد صعود أوباما ونتنياهو إلى سدة الحكم في نفس الفترة، تميزت علاقة الرجلين بالتوتر والتناقض أحيانا ولا سيما في المسألة الإيرانية، حيث كان توجه أوباما هو نحو توقيع اتفاق مع إيران، عارضه نتنياهو بشدة. وفي الموضوع الفلسطيني، اختلف نتنياهو مع أوباما في تصوره العام، وفي سنواته الأخيرة اصطدم معه في هذا الشأن، عندما بدأت إدارة أوباما تشعر بالعجز أمام التعنت الإسرائيلي مما اضطر هذه الإدارة عشية نهاية ولايتها، ولأول مرة، إلى الامتناع عن التصويت في مجلس الأمن على قرار يُدين الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية. وسبق ذلك خطاب لوزير الخارجية جون كيري اعتبر الاستيطان غير قانوني وعقبة أمام السلام.

ويمكن القول إن خطاب نتنياهو في الكونغرس ضد الاتفاق النووي، وهو خطاب تم تدبيره من وراء ظهر البيت الأبيض، شكل كسرا في علاقة الحزب الديمقراطي مع نتنياهو تحديدا.

وقد أدت هذه الفترة إلى ما يلي:
أولاً، كشف التناقض بين توجهات نتنياهو اليمينية الشعبوية المتطرفة وبين مواقف الحزب الديمقراطي الليبرالية.
ثانياً، كشفت عن الدعم الذي قدمه نتنياهو في الدورة الثانية التي ترشح فيها أوباما عندما دعم المرشح الجهوري، ميت رومني، وإن بشكل غير مباشر.

ثالثاً، كشف عن الهُوة بين أغلب اليهود الداعمين للحزب الديمقراطي وهم بغالبهم (70%) ينتمون الى التيارات اليهودية غير الأرثوذكسية وبين إسرائيل الدينية الأرثوذكسية المتزمتة.

بعد فوز ترامب في الانتخابات التقى الشخصان في عدائهما لأوباما، فضلاً عن وجود تماه وانسجام بين رؤى الإدارتين الأميركية والإسرائيلية، وتتفق الإدارتان على ضرورة إحداث قطيعة مع سياسات إدارة الرئيس أوباما، الذي يبغضه الرجلان: نتنياهو وترامب.

وتبنى ترامب سياسات داعمة لإسرائيل، بشكل غير مسبوق، كانت ذروتها في "صفقة القرن". واتضح أنه يقوم بإحداث قطيعة تامة مع المنظومة الدبلوماسية الأميركية عموما، وإدارة أوباما خصوصا، وتحديدا في قضايا تتعلق بالعلاقات مع إسرائيل. وبرز هذا من خلال تنفيذ وعده الانتخابي بنقل السفارة الأميركية إلى القدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، وفي ما يخص الاتفاق النووي الإيراني تبنى ترامب الموقف الإسرائيلي بشكل كامل وقرر الانسحاب منه، وكذلك قام بدعم إسرائيل في المؤسسات الدولية وقطعت الولايات المتحدة المساعدات عن وكالة الأونروا، وانسحبت من منظمة اليونسكو [1] وقطعت المساعدات عن السلطة الفلسطينية.

 تصريحات ساندرز

جاءت تصريحات ساندرز الأخيرة خلال مناظرة الحزب لتعبر عن شرخ بين الحزب الديمقراطي وبين نتنياهو وتحالفه مع ترامب، حيث لا ينظر الحزب الديمقراطي إلى ترامب كممثل تقليدي للحزب الجمهوري، وإنما كيميني متطرف معاد للديمقراطية وحقوق الإنسان، ومتحالف مع قوى رجعية ودينية مسيانية في المجتمع الأميركي.

في هذه التصريحات قال ساندرز إنه في حال انتخابه رئيساً للولايات المتحدة سوف يدرس إمكانية إعادة السفارة إلى تل أبيب، متهما نتنياهو بأنه شخص عنصري ورجعي. [2] وأضاف: "أنا فخور جداً بكوني يهودياً. ولقد عشت فعلاً في إسرائيل عدة أشهر. لكن أعتقد أنه في الوقت الحالي ومن خلال بنيامين نتنياهو لدينا عنصري رجعي يدير هذه الدولة الآن".

وقبل ذلك أعلن ساندرز في تغريدة نشرها في حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، أنه لن يشارك في مؤتمر لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية ("أيباك") القريب، وأكد أنه قلق حيال المنصة التي توفرها "أيباك" لقادة يعبّرون عن التعصب ويعارضون الحقوق الأساسية للفلسطينيين.

ولدى مشاركة ساندرز في مؤتمر منظمة "جي ستريت" اليهودية الأميركية اليسارية في تشرين الأول الفائت، قال إنه يجب التفكير في قطع المساعدات الأميركية إلى إسرائيل ومنح الأموال بدلاً من ذلك لإغاثة إنسانية في غزة، ومن أجل الضغط على إسرائيل للحد من مشروع الاستيطان في الأراضي المحتلة والدخول في محادثات سلام مع الفلسطينيين وتحسين الأزمة الإنسانية في القطاع. ومما قاله في ذلك الوقت إنه في حال انتخابه رئيساً للولايات المتحدة سيفكر في استخدام هذه المساعدات التي تبلغ 3.8 مليار دولار سنوياً كوسيلة ضغط. وأضاف: "إنها أموال كثيرة، ولا يمكننا أن نعطيها للحكومة الإسرائيلية أو لأي حكومة أُخرى من دون شروط. لدينا الحق في المطالبة باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية".

وانتقد كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية يسرائيل كاتس تصريحات ساندرز، ووصفها كاتس بأنها صادمة.

وأشار وزير الخارجية في سياق مقابلة أجرتها معه إذاعة الجيش الإسرائيلي ("غالي تساهل") إلى أن تصريح ساندرز الذي لديه خلفية يهودية بشأن السفارة الأميركية في القدس هو "ثاني تصريح ضد دولة إسرائيل بشأن موضوعات تقف في صميم العقيدة اليهودية والتاريخ اليهودي وأمن إسرائيل".

وقال كاتس: "في المرة السابقة تحدث ساندرز عن غزة من دون أن يفهم على الإطلاق الواقع والتهديد والصواريخ وكل ما نواجهه بصفتنا الذين يتعرضون للهجوم من جانب الإسلام الراديكالي وندافع عن أنفسنا. لقد أراد في الواقع حرماننا من حق الدفاع عن النفس. والآن تحدث عن القدس. لا يوجد يهودي لا يحلم بالقدس والعودة إليها منذ آلاف السنوات. وأعتقد أن الرئيس ترامب فعل شيئاً مهماً من دون صلة بالخلافات الداخلية داخل الولايات المتحدة وأدرك حقيقة أن القدس هي عاصمة الشعب اليهودي وعاصمة دولة إسرائيل."

فماذا تعني ظاهرة صعود ساندرز وتصريحاته؟
سنتطرق إلى معنيين، الأول الشرخ مع يهود الولايات المتحدة، والثاني الشرخ مع الحزب الديمقراطي.

شرخ مع اليهود في أميركا

تواجه العلاقات الإسرائيلية مع يهود أميركا توترا يزداد في السنوات الأخيرة، فضلا عن التوتر بين إسرائيل ومؤيدي الحزب الديمقراطي، حيث أن الهوة بين مواقف اليهود في أميركا إلى جانب القواعد الانتخابية للحزب الديمقراطي وبين إسرائيل تتعمق بسبب سياسات هذه الأخيرة من جهة، وبسبب التماهي الإسرائيلي الكبير مع توجهات الحزب الجمهوري وتوجهات ترامب المتطرفة المدعومة من التيار الأفنجيلي المتطرف من جهة أخرى.

وتشير استطلاعات الرأي العام إلى أن هنالك تراجعا في تأييد إسرائيل في صفوف الحزب الديمقراطي، فضلا عن توتر آخذ بالازدياد بين إسرائيل ويهود أميركا، حيث تتبنى قواعد الحزب الديمقراطي وغالبية اليهود الذي يدعمون الحزب الديمقراطي مواقف ليبرالية، بينما تنحو إسرائيل في السنوات الأخيرة نحو تعزيز خطاب رسمي يميني متطرف، وظهر ذلك مؤخرا في تشريع قانون القومية، وجهود نتنياهو لإدخال فلول حزب كاخ (كهانا) إلى حزب "البيت اليهودي"، ومسألة العلاقة مع التيارات اليهودية الأخرى في اليهودية، حيث بات التيار الأرثوذكسي مهيّمنا على إسرائيل ويقلص مساحة حضور التيارات الأخرى. [3] وقد تمادت إسرائيل في خطابها اليميني المتطرف لدرجة أن اللوبي اليهودي في أميركا (أيباك) أصدر بيانا لأول مرة في تاريخه يستنكر فيه الجهود التي بذلها نتنياهو من أجل ادخال حركة كاخ إلى تحالف "البيت اليهودي". ومع ذلك يجب قراءة هذا التوتر في سياق الرغبة بأن تتبنى إسرائيل قيما سياسية تتعاطى مع القيم الأميركية، حيث أن أحد أسباب تأييد إسرائيل في الولايات المتحدة، وأحد عوامل قوة اللوبي اليهودي في أميركا، هو تسويق الانسجام القيمي بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وفي أعقاب تصريحات النائبة الديمقراطية إلهان عمر عن مدى تأثير اللوبي اليهودي في أروقة الحكم في الكونغرس، ونقدها للسياسات الإسرائيلية عموما، فقد تم اتهامها مباشرة بمعاداة السامية، حتى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب هاجمها، واتهم الحزب الديمقراطي بأنه حزب معاد لليهود وإسرائيل. [4] وبغض النظر عن النقاش حول تصريحات عمر، فإن اتهام ترامب للحزب الديمقراطي بأنه معاد لإسرائيل (مع أن الحزب الديمقراطي دان تصريحات عمر، برغم أن ما قالته يشكل نقدا عاديا في نظام ديمقراطي) يدل أيضاً على إدراك هذه الفجوة القائمة بين الحزب الديمقراطي[5] وإسرائيل في السنوات الأخيرة، بسبب التماهي الأيديولوجي الكبير بين الحكومة الإسرائيلية وبين الحزب الجمهوري. ففي استطلاع نشره معهد الأبحاث الأميركي "غالوب"، أشار إلى أن أقل من نصف المؤيدين للحزب الديمقراطي عبروا عن تأييدهم لإسرائيل، بينما نسبة الذين أيدوا الجانب الفلسطيني كانت الأعلى منذ عشرين عاما. [6] وفي تقرير قدمه "معهد سياسات الشعب اليهودي" في القدس، بعنوان "تقييم سنوي 2018"، ذكر أن هنالك شرخاً آخذاً بالازدياد بين اليهود في أميركا وبين إدارة ترامب، وذلك على الرغم من قرار ترامب نقل السفارة للقدس، حيث أن 70% من يهود الولايات المتحدة كانوا قد صوتوا لصالح هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية، بينما بقي الدعم لترامب منحصراً في صفوف الجماعة اليهودية الأرثوذكسية في أميركا. [7]

شرخ مع الحزب الديمقراطي

تشكل المواقف الداعمة لإسرائيل من طرف الولايات المتحدة إحدى الركائز التي اعتمدت عليها إسرائيل في منظومتها الاستراتيجية، والتي استمرت بشكل غير مسبوق خلال فترة إدارة ترامب. غير أن الباحث الإسرائيلي إلداد شافيط يحذر من أن الارتهان الإسرائيلي الكامل لإدارة ترامب من الناحية الأيديولوجية، سوف يضر بعلاقات إسرائيل مع الحزب الديمقراطي، حيث تظهر إسرائيل بوضوح، حتى لو لم تصرح بذلك، بأنها تؤيد الحزب الجمهوري، وهو أمر لا ينسجم مع مميزات العلاقات مع الولايات المتحدة التي حافظت عليها إسرائيل في العقود الماضية قدر المستطاع، والتي تعتمد على عدم الانحياز الأيديولوجي لطرف مُحدّد في الولايات المتحدة. [8]

إن الانسجام بين حكومة نتنياهو التي تمثل يمينا متطرفا مع قاعدة دينية، وبين الإدارة الأميركية التي تحمل توجهات يمينية متطرفة مع توجهات دينية مسيانية، وصيرورة التماهي التي حدثت في السنوات الأخيرة، وكان نتنياهو صاحبها وقائدها، بين اليمين الإسرائيلي والحزب الجمهوري، أحدث شرخا في الإجماع الأميركي حول مكانة إسرائيل، وهذا الأمر قد يلحق في المستقبل ضررا كبيرا بالعلاقات الإسرائيلية الأميركية. ففي استطلاع أجراه معهد الدراسات الأميركية "بيو" بين صفوف الجمهوريين والديمقراطيين حول العلاقات مع إسرائيل، وهو الاستطلاع الأكبر الذي يجري منذ أربعين عاما، أشير إلى أن 79% من الجمهوريين يتضامنون مع إسرائيل أكثر من الفلسطينيين، مقابل 27% من الديمقراطيين. وفي صفوف الديمقراطيين قال 25% منهم إنهم يتضامنون مع الفلسطينيين أكثر من إسرائيل. ويشير الاستطلاع إلى أن نصف الجمهوريين يحملون موقفا إيجابيا من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، مقارنة مع 18% في صفوف الديمقراطيين. [9] ويُبيّن الاستطلاع أن هنالك تراجعا في تأييد الديمقراطيين (الذين يحملون توجهات محافظة) لإسرائيل مقارنة مع العام 2016، وذلك من نسبة تأييد 53% عام 2016 إلى 35% الآن. بينما تراجع تأييد إسرائيل في صفوف الديمقراطيين (الذين يحملون توجهات ليبرالية) لتصل اليوم إلى 19% فقط. في المقابل ففي صفوف الجمهوريين ظل تأييد إسرائيل في صعود دائم خلال العقد ونصف العقد الأخيرين. [10]

وقد عقب مارتين إنديك، سفير الولايات المتحدة السابق لدى إسرائيل، على نتائج الاستطلاع قائلاً: "إن إسرائيل لا تستطيع أن تزعم أنها تتمتع بتأييد الحزبين في السياسة الأميركية، ليس عندما يكون الفرق هو 50% بين تأييد الجمهوريين وبين الديمقراطيين". [11]

وقد أشار 42% من المستطلعين إلى أن الرئيس ترامب يتبع سياسة متزنة في الشرق الأوسط، بينما قال 30% إنه يدعم إسرائيل أكثر من اللازم، بينما صرح 46% من الديمقراطيين أن ترامب يدعم إسرائيل أكثر من اللازم. وبيّن الاستطلاع أنه في صفوف أصحاب الألقاب التعليمية المتقدمة فإن تأييد إسرائيل يصل إلى 39%، وحسب الاستطلاع فإن إسرائيل تحظى بتأييد كبير في صفوف الشريحة العمرية 65 عاما فما فوق، مقابل تأييد قليل بين الشريحة العمرية 18-30 عاما. ونصف المستطلعين قالوا إنه يمكن تسوية الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني على أساس حل الدولتين، بينما أشار 39% إلى أن هذا الحل لم يعد ممكنا. ويكشف الاستطلاع أن أكثر شريحة تؤيد إسرائيل في المجتمع الأميركي هم المسيحيون الأفنجيليون بنسبة تأييد تصل إلى 78%. وعقب الباحث شالوم ليفنر، من معهد بروكينغز، والذي عمل لمدة 26 عاما في ديوان رئيس الحكومة، بالقول إن هذه النتائج تدل على اصطفاف عام في الرأي العام الأميركي تجاه إسرائيل، وتصبغ إسرائيل بلون الحزب الجمهوري، وهذا الواقع هو غير سليم لإسرائيل، لأن الديمقراطيين عندما يعودون للحكم قد يعودون مع أصوات أقل تأييداً لإسرائيل. [12]

وبرأي ياعيل بتير، رئيسة منظمة "جي ستريت" في إسرائيل، فإن العلاقات الجيدة بين إدارة ترامب وبين حكومة نتنياهو ليست علاقات بين دولتين بل بين حزبين وشخصيتين تريان في نجاح الآخر تحقيقاً لمصلحة شخصية، ولكن أميركا ليست فقط ترامب وليست فقط الجمهوريين. وبينما يزداد التواصل بين الزعيمين ويتعزز، تنهار العلاقة بين الحكومة الإسرائيلية وممثليها والناطقين باسمها، وبين الجيل الجديد في الحزب الديمقراطي وأغلبية اليهود في الولايات المتحدة الذين لا يؤمنون بتأييد أعمى لكل سياسة إسرائيلية. [13]

تداعيات تصريحات ساندرز

وبالعودة إلى تصريحات ساندرز الأخيرة، رأت صحيفة "هآرتس" في مقال افتتاحي (28/2/2020) أنها تعكس الروح الجديدة التي تهب على الحزب الديمقراطي، الذي كان لسنوات طويلة بمثابة بيت الجالية اليهودية في الولايات المتحدة، وأكدت أن من شأنها أن تشجع كل مناصر للسلام والعدالة في إسرائيل. وأضافت أنه بعد سنوات من الاكتفاء بضريبة كلامية ضد المستوطنات، والتأييد العملي للاحتلال ولمعظم عمليات إسرائيل الحربية، تصدر عن ساندرز أصوات تدغدغ أسماع كل من يؤمنون أنه لن يحدث أي تغيير في سياسة إسرائيل من دون نشاط حازم من طرف واشنطن، بما في ذلك رهن استمرار المساعدات المالية بشرط تغيير هذه السياسة.

وتابعت: مع ذلك من الصعب التغاضي عن حقيقة أن سياسياً يمكن أن يصل إلى البيت الأبيض يصف رئيس الحكومة الإٍسرائيلية بأنه "عنصريّ ورجعيّ" ولا يخرج أي شخص من الحزب الديمقراطي للدفاع عنه. وهذه هي النتيجة الكئيبة ليس فقط للاحتلال الإسرائيلي الذي لم يبدأه نتنياهو، إنما أيضاً لسياسة رئيس الحكومة الأحادية الجانب في الولايات المتحدة. فقد قام نتنياهو بقذف كل كراته في ملعب الحزب الجمهوري وإدارة الرئيس دونالد ترامب خصوصاً، من خلال الدوس على تقليد الحفاظ على علاقات جيدة مع الحزبين. وحان الآن وقت دفع الحساب. كما تسبب نتنياهو، الذي يتباهى صباح مساء بعلاقاته الوثيقة مع الإدارة الأميركية، بحفر هوة عميقة مقلقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي، الصديق التقليدي لإسرائيل في واشنطن.

وختمت "هآرتس": إن ساندرز صديق لإسرائيل. فهو يتباهى بيهوديته ويعلن أنه سيحرص على سلام الدولة وأمنها. وصوته هو الصوت الجديد لحزبه، ويمكن أن يصل إلى البيت الأبيض. ومن أجل تجنب الدرك الذي تدهورت فيه إسرائيل في علاقاتها مع من يُحتمل أن يكون الزعيم الأهم في العالم يجب تغيير بنيامين نتنياهو في الانتخابات العامة يوم 2 آذار 2020.

إجمال

وضعت منافسة بيرني ساندرز على منصب مرشح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة، التي ستجري في شهر تشرين الثاني المقبل، موضوع العلاقة بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأميركي عموماً، داخل دائرة من الجدل يتعلق بمستقبل العلاقات الإسرائيلية- الأميركية، حيث يتبنى ساندرز اليهودي موقفا مخالفا للموقف التقليدي الأميركي فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، ولموقف إدارة دونالد ترامب خصوصا.

وتأتي أهمية فهم العلاقة بين الحزب الديمقراطي وبين إسرائيل ليس فقط على ضوء ترشح ساندرز داخل الحزب فحسب، وإنما أيضاً في سياق التحولات التي تحدث في السنوات الأخيرة في العلاقة بين هذين الجانبين، وتحديدا بعد تولي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة في فترة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وما شهدته العلاقة بينهما من توتر انعكس على العلاقة بين نتنياهو والرئيس الأميركي الحالي.

وتتجسد النتيجة الظاهرة للعيان حتى الآن، من الزاوية الإسرائيلية التي قرأنا عبرها هذا الموضوع، في أن ترشح ساندرز وتقدمه في الانتخابات الداخلية يعكسان ويعبران عن هذه التحولات، بالإضافة إلى تحولات تتعلق بالقضايا الداخلية الأميركية، وربما تشير إلى بداية تغير في وضعية إسرائيل، كحالة إجماع فوق حزبية في المشهد السياسي الأميركي عموماً.

1.
أمير تيفون، الولايات المتحدة الأميركية انسحبت من منظمة اليونسكو بسبب التمييز المستمر ضد إسرائيل، هآرتس، 12/10/2017 
2.
وكالات الأنباء، بيرني ساندرز: سأدرس إعادة السفارة الأميركية إلى تل أبيب، نتنياهو عنصري ورجعي، معاريف، 26/2/2020 
3.
Thomas Friedman, Ilhan Omar, Aipac and me, The New York Times International Edition, 8/3/2019, p. 13. 
4.
حيمي شاليف، ترامب يستغل الخلاف الكبير في الحزب الديمقراطي لوسمه بأنه معاد لإسرائيل، هآرتس، 10/3/2019 
5.
تجدر الإشارة إلى أن 32 عضو كونغرس يهودي من أصل 34 هم أعضاء عن الحزب الديمقراطي. 
6.
أمير تيفون، هآرتس، 7/3/2019 
7.
ران داغوني، إدارة ترامب مصابة بخيبة الأمل من يهود الولايات المتحدة؛ لا يقدرون نقل السفارة، موقع غلوبس، 23/9/2018، أنظر الرابط: https://www.globes.co.il/news/article.aspx?did=1001254228 
8.
إلداد شافيط، تحولات البيئة الدولية وتـأثيرها على الشرق الأوسط، في: عنات كورتس وشلومو بروم (محرران)، التقييم الاستراتيجي لإسرائيل: 2018-2019، (تل أبيب: مركز دراسات الأمن القومي، 2018. 
9.
أمير تيفون، تراجع في تأييد الديمقراطيين لإسرائيل، هآرتس، 24/1/2018 
10.
المصدر السابق 
11.
المصدر السابق 
12.
المصدر السابق 
13.
هآرتس 26/2/2020 
الثلاثاء, مارس 31, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الأعزاء متابعوا إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار": يواصل "مدار" العمل على إنجاز خطته السنوية كالمعتاد على الرغم من الظروف التي فرضها "فيروس الكورونا"، وسوف يتم توفير المُنتج الجديد الكترونيًا على موقع "مدار" على الشبكة، فيما ستتوفر النسخ الورقية حال تجاوز حالة الطوارئ.