جاء اندلاع الموجة الثانية لانتشار فيروس كورونا مبكرا بحسب خبراء الصحة في الأجهزة الإسرائيلية، ورغم أنه كان من المتوقع أن تكون الأعداد أكبر من الموجة الأولى، إلا أن المعدّل اليومي للإصابات، كما يبدو، جاء صادما وأعلى من التقديرات. وهذا يخلق حالة إرباك واضحة في الحكومة، وبالذات لدى من يمسك كل الخيوط بيده، رئيسها بنيامين نتنياهو. ودفعت هذه الأجواء قضايا ساخنة جانبا، وبشكل مؤقت حاليا: فرض ما تسمى "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة، ومحاكمة نتنياهو في قضايا الفساد التي تستأنف هذا الشهر. وحتى الحديث عن انتخابات مبكرة بات متلعثما كثيراً.

ففي الثلث الأخير من شهر أيار الماضي، هبط عدد المرضى الفعالين إلى أكثر بقليل من 1900 مريض، وعدد الذين في حالة خطرة كان 28 شخصا، وهذه أدنى إحصائية، وبدا وكأن جائحة كورونا قد رحلت، وكان التوقع بأن الموجة الثانية قد تحل في أيلول المقبل، ولكن ما أن تم فتح جهاز التعليم والأسواق، تدريجيا، حتى بدأ الانقلاب في وجهة انتشار الفيروس، وعاد إلى الصعود، وتجاوز عدد المصابين في مطلع الأسبوع الجاري 38 ألف شخص، والفعالون منهم قرابة 19 ألف شخص، بمعنى ارتفاع عدد المرضى الفعالين بعشرة أضعاف في غضون شهر ونصف الشهر تقريبا.

ولكن من جهة أخرى، ولدى المقارنة مع الأوضاع في العالم فإن أعداد من هم في خطر ما تزال قليلة نسبيا؛ 128 مريضا، وعدد الوفيات 355 شخصا. وفي المقابل شرعت الحكومة بموجة تقييدات جديدة ستنعكس سلبا مجددا على سوق العمل، وعلى الحركة العامة، وفي جوانب اقتصادية منها. وهذا كله جعل أزمة سوق العمل تستفحل، أمام أكثر من 800 ألف شخص لم يعودوا إلى العمل وهؤلاء يشكلون نسبة 20% من القوة العاملة، وهناك خلاف حول هذه الإحصائيات في كلا الاتجاهين، ولكن الفروقات قليلة. وهذا ينجم عنه زيادة العبء على الميزانية العامة، التي لم تُقر بعد لهذا العام- 2020. وكان اتفاق الائتلاف لحكومة بنيامين نتنياهو- بيني غانتس، يقضي بأن تقر الحكومة ميزانية العامين الجاري والمقبل 2021 حتى نهاية الصيف الجاري، على أن تقر الحكومة ميزانية العام 2022 حتى نهاية آذار 2021؛ أي قبل 9 أشهر من بدء السنة التالية.

ولغايات قد تكون قائمة على حسابات سياسية لدى نتنياهو، قرر الأخير الانقلاب على الاتفاق المبرم، وأن يقر حاليا ميزانية العام الجاري فقط، وهو ما يعترض عليه شريكه بيني غانتس، الذي تتعاظم لديه الشكوك بأن نتنياهو يريد حل الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة، قبل موعد 21 تشرين الأول من العام المقبل، الذي سيكون فيه على نتنياهو مغادرة كرسي رئاسة الحكومة، بعد 12 عاما ونصف العام. ولهذه الشكوك مكان، خصوصا وأن نتنياهو من أكبر دعاة إقرار الميزانيات المزدوجة، فلماذا ينقلب الآن على موقفه؟

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل نتنياهو في الوضع الراهن قادر على حل الحكومة؟ وهل بالإمكان إجراء حملة انتخابات في ظل ظروف صحية خطيرة وضبابية وتحت وطأة سوق عمل متدهورة؟

احتمالات حل الحكومة الإسرائيلية

في مقال سابق في "المشهد الإسرائيلي" عدد 23 حزيران الماضي 2020، قلنا إن مفاتيح حل الحكومة بيد بنيامين نتنياهو، وهذا صحيح الآن ولاحقا؛ ولكن مع تسلسل الأحداث والتطورات الاقتصادية والمجتمعية، الناجمة عن الموجة الثانية لانتشار فيروس الكورونا، نضيف أن نتنياهو ليس حرا الآن بالتصرف بالمفتاح في الوقت الذي يريد. وعدا هذا، فإنه سيجد الشركاء الأكثر إخلاصا له، المتدينين المتزمتين الحريديم، يعترضون على حل الحكومة حاليا.

فالأوضاع الاقتصادية على مستوى الجمهور باتت مقلقة إلى درجة كبيرة، وهناك تراجع حاد في الثقة نحو المستقبل القريب، وهذا ينعكس في نمط الاستهلاك، الذي نقرأ عنه في الصحافة الاقتصادية، فالجمهور لا يسارع إلى شراء "الكماليات". وبعد رفع غالبية القيود عن المطاعم ومرافق المطاعم مثل المقاهي والطعام السريع، قالت التقارير إن معدل دخل هذه المصالح تراجع بنسبة 60%.

وهذا ليس نابعا فقط من خوف الناس من التواجد في الأماكن العامة، وأماكن التجمهر، بل لأن أولويات الناس في الصرف تغيّرت. بكلمات أخرى، فإن القلق لدى الجمهور يجعل الاستهلاك بغالبيته الساحقة استهلاكا أساسيا لغرض التوفير. فمثلا نرى أيضا أن شراء السيارات الجديدة يشهد تراجعا حادا، حتى بعد فتح الوكالات، وكان من المفترض أن يشهد هذا العام قفزة في بيع السيارات الجديدة بعد ثلاث سنوات من التراجع السنوي.

ونضيف إلى هذا أن مئات آلاف العاملين معطّلون عن العمل، وهذا يخلق مزاجا عاما، إما أنه غاضب على أداء الحكومة، ويحملها مسؤولية الفشل الإداري، أو أيضا أن المزاج العام ليس مهيئا للدخول في معمعان سياسي، في ظروف كهذه. ومن فوق كل هذا، فإنه منذ حل الحكومة والكنيست افتراضيا، وحتى يوم الانتخابات، سيمر لا أقل من 4 أشهر، ولا أحد يستطيع التكهن بما سيجري على المستويين الصحي والاقتصادي. وهذا كله يشوش التوقعات، واستطلاعات الرأي لا يمكنها أن تتوقع منذ الآن أي نتيجة ستكون في يوم الانتخابات، فهذه الاستطلاعات تستفسر موقف الناس في بيوتها وعلى خط الهاتف، ولا أحد يعرف كيفية تصرفها في يوم الانتخابات، مثلا إذا ما تدهورت الأوضاع الصحية.

وهناك شك كبير في أن نتنياهو على استعداد لخوض مغامرة، إن لم يخسر هو فيها، فقد يخسر فيها شركاؤه الفوريون الذين يحققون له فرضيا الغالبية المطلقة التي يطمح لها، له ولمعسكره. ولكن حتى ولو كانت لنتنياهو حسابات أخرى ليست ظاهرة على الملأ حتى الآن، فإن أول معارضة سيجدها من الشريك الأكبر؛ كتلة أزرق أبيض، ولكن هذا اعتراض لا يؤثر على قرار نتنياهو، لأنه سيخوض الانتخابات أصلا لضرب هذا الشريك العابر.

في المقابل، بدأت التقارير الصحافية تتحدث عن أن المعارضة لحل الحكومة والتوجه إلى انتخابات مبكرة، ستكون بالذات من كتلتي الحريديم: شاس لليهود الشرقيين بزعامة آرييه درعي، ويهدوت هتوراة لتحالف الحريديم الأشكناز، واللتين لم تتغير قوتهما الانتخابية في الجولات الانتخابية الثلاث الأخيرة.

والحريديم ليسوا قلقين على نتيجتهم، رغم أن جمهورهم الذي يشكل 13,5% من إجمالي المواطنين في البلاد، شهِد أكثر من 50% من المصابين بكورونا. وحتى أن آرييه درعي قال في نهايات الموجة الأولى إن 70% من المصابين كانوا من الحريديم.

وهناك شك كبير في ما إذا كانت المعارضة حقا تريد التوجه إلى انتخابات مبكرة، باستثناء تحالف المستوطنين، "يمينا"، الذي وجد نفسه في صفوف المعارضة، وهو الأشد تطرفا في السياسة الإسرائيلية، وذلك لأن باقي كتل المعارضة تعرف أنها ستدخل مغامرة تعيدها إلى المربّع ذاته.

احتمالات الضم

ولكن لنتنياهو دوافع أخرى قد تجعله يغض الطرف عن التهديد بانتخابات مبكرة مرحليا، وهي مسألة فرض ما تسمى "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات ومناطق شاسعة من الضفة المحتلة. فنتنياهو يريد هذه الخطوة من منطلقات فكره وخطه وطموحاته السياسية، وهو يعتقد أن الفرصة الزمنية المتاحة له هي حتى يوم الانتخابات الأميركية، ولا يستطيع المراهنة على أن دونالد ترامب والحزب الجمهوري سيفوزان في الانتخابات، خصوصا في ضوء استطلاعات الرأي التي تظهر تباعا في الولايات المتحدة، وتبرز هزيمة افتراضية لترامب.

ورغم أن استطلاعات الرأي ليست مرتكزا لمعرفة النتيجة منذ الآن، وفي نهاية المطاف قد يفاجئ ترامب بفوزه، كما جرى في العام 2016، فإن نتنياهو معني بقدر الممكن أن يتجه نحو أي نوع من فرض ما تسمى "السيادة". وهذا ما يمكن وقفه فقط بموقف حازم من البيت الأبيض، إلا أن الموقف هناك ما زال هو أيضا ضبابيا، في ضوء تدهور الأوضاع الصحية في الولايات المتحدة، التي وصلت فيها نسبة الإصابة إلى 1% من إجمالي المواطنين، والاتهامات لترامب بالفشل تتعاظم.

من الناحية الأخرى، لا يمكن غض الطرف عن موقف الحزب الديمقراطي، الذي تلقي شريحة واسعة في قيادته باللوم على بنيامين نتنياهو ومجموعات الضغط الأميركية الواقعة تحت سطوة اللوبي الصهيوني اليميني الاستيطاني، بإبعاد حزبها عن الحكم في السنوات الأخيرة، إذ إن تحركات نتنياهو وفريقه كانت واضحة وجلية وحتى فظة ضد الحزب الديمقراطي، الذي هو أيضا يقف وراءه أصحاب مصالح اقتصادية وغيرها.

لذا فإن محاسبة نتنياهو في حال فوز جون بايدن قائمة، وهذا لا يعني انقلابا جذريا في العلاقة الإستراتيجية بين الجانبين الإسرائيلي والأميركي، ولكن من الممكن محاصرة اليمين الصهيوني الاستيطاني أيضا في أطماعه بعيدة المدى، مثل مسألة "الضم".

والرسائل التي تصل من الحزب الديمقراطي واضحة ومعلنة، بأنه في حال فوز بايدن، وحتى لو كان هناك اعتراف بالضم من الإدارة الأميركية، فسيتم سحبه. ولكن ما هو أبعد من ذلك، أن موقفا افتراضيا من هذا المستوى، من شأنه أن ينعكس على شبكة العلاقات في الشرق الأوسط، وفرص تمدد العلاقات الإسرائيلية في المنطقة. في المقابل، فإن نتنياهو يواجه ضغطا في حلبته، إن كان على المستوى البرلماني، من خلال كتلة تحالف المستوطنين التي وجدت نفسها في مقاعد المعارضة، وتريد إحراج نتنياهو وتضغط لتطبيق الضم، أو على مستوى المستوطنين، الذين هم أيضا يضغطون من أجل إنجاز الضم، قبل الانتخابات الأميركية. وهذه كلها حسابات تفرض نفسها على نتنياهو، الذي من جهة يسارع للإمساك بإنجاز يعتبره "تاريخيا مسجلا على اسمه"، ومن ناحية ثانية فإن هذا "الإنجاز" قد يكون ضربة مرتدة وتسجل عليه.

المحكمة ستبقى غائبة لأشهر

أمام كل هذا، فإن مسار محاكمة نتنياهو بقضايا الفساد يعطيه متنفسا، فالمحكمة ستعقد جلسة إجرائية هذا الشهر تتبعها جلسات إجرائية أخرى ستستمر لأشهر أخرى، وحسب ما نشر سابقا من توقعات فإن مرحلة الشهود، التي ستكون مثيرة جدا للصحافة، نظرا لما سينشر ويكشف فيها من حقائق، قد تكون في النصف الأول من العام المقبل، وستستمر لفترة طويلة، نظرا لكون الحديث يدور حول مئات الشهود من الجانبين، في ثلاث قضايا. ولهذا فإن هذا الملف سيكون غائبا في هذه المرحلة عن جدول أعمال نتنياهو واهتماماته، إذا لم يتفجر أي جديد يشغل الرأي العام في هذه القضية.

أمام هذا كله، فإن الضبابية ستظل تخيم بشدّة على مستقبل هذه الحكومة التي أقيمت بشكل مفاجئ، ومن الصعب وضع تصور لحلها في هذه المرحلة، وكل الخيارات مفتوحة حتى الآن، بما في ذلك خيار المفاجأة التي اتبعه كثيرا نتنياهو، مع مراعاة أن المفاجأة في الظروف غير المستقرة تكون بمثابة مجازفة لصاحبها.

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية