قوبل قيام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، في منتصف الأسبوع الفائت، بنشر قائمة سوداء تضم أسماء 112 شركة 18 منها أجنبية تنشط في المستوطنات في الأراضي المحتلة منذ 1967 باستنكار إسرائيلي شمل الحكومة والمعارضة.

فقد اتهم رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مجلس حقوق الإنسان بالانحياز وعدم التأثير.

وأضاف نتنياهو في بيان صادر عنه: "ليس من قبيل الصدفة أنني أصدرت تعليمات بقطع أي صلة بهذا المجلس، وليس صدفة أن الإدارة الأميركية اتخذّت الخطوة ذاتها معنا". وقال إنه بدلاً من أن يهتم هذا المجلس بحقوق الإنسان، فإنه يحاول تشويه سمعة إسرائيل فقط.

وشجب رئيس الدولة الإسرائيلية رؤوفين ريفلين بشدة نشر مجلس حقوق الإنسان الأممي قائمة الشركات والمؤسسات التجارية التي تنشط في المستوطنات، وأكد أنه يفتخر بهذه الشركات لأنها "تساهم كثيراً في صنع السلام ودعم الاقتصاد"، وشدّد على أن مقاطعتها لا تساعد في تحقيق السلام وبناء الثقة.

ودعا ريفلين أصدقاء إسرائيل في جميع أنحاء العالم إلى التحدث علانية ضد هذه الخطوة التي وصفها بأنها "تذكرنا بفترات مظلمة في تاريخنا"، في إشارة إلى الهولوكوست.
ووصف وزير الخارجية يسرائيل كاتس هذه الخطوة بأنها وصمة عار على المجلس الأممي، متهماً إياه بأنه أصبح أداة لحركة المقاطعة BDS.

كما انتقد رئيس تحالف "أزرق أبيض" وزعيم المعارضة البرلمانية عضو الكنيست بيني غانتس خطوة مجلس حقوق الإنسان هذه، واتهمه بفقدان أي صلة له بالواقع.

ووصف عضو الكنيست يائير لبيد من "أزرق أبيض" في تغريدة نشرها في حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، مجلس حقوق الإنسان بأنه "مجلس حقوق الإرهاب"، ودعاه إلى إلقاء القائمة التي أصدرها في سلة المهملات مؤكداً أن إسرائيل لن تقبل الإملاءات الصادرة عن هيئة أثبتت مراراً أنها منحازة ومعادية للسامية.

وهدّد لبيد بأنه عندما يؤلف "أزرق أبيض" الحكومة بعد الانتخابات المقبلة سيعمل ضد هذا المجلس بكل قوة وبلا أي تردّد.

وقال "مجلس المستوطنات في يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) رداً على نشر القائمة، إن الأمم المتحدة أثبتت مرة أخرى أنها هيئة منحازة وغير محايدة وتعمل ضد إسرائيل. ودان القائمة بشدة واعتبر أنها تحمل سمات واضحة لمعاداة السامية. وأوضح المجلس أنه "بالنسبة لإسرائيل فإن الشركات الوارد ذكرها في القائمة السوداء تعمل على تعزيز اقتصاد المنطقة وتُساهم في السلام أكثر من كل ما فعلته الأمم المتحدة على مدار جميع سنوات عملها"!

وقال رئيس قائمة التحالف بين أحزاب العمل وميرتس و"غيشر" عضو الكنيست عمير بيرتس: "إننا نعارض المقاطعات وقرار الأمم المتحدة هو قرار زائد ويثير الغضب". وتشمل هذا القائمة ميرتس التي أيدت حتى الآن مقاطعة منتوجات المستوطنات. وأضاف بيرتس أن قائمته ستعمل في جميع الساحات من أجل إلغاء القرار والحفاظ على اقتصاد إسرائيلي قوي وعلى أماكن عمل للإسرائيليين.

موقف واشنطن

وأعرب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو عن غضبه من نشر مجلس حقوق الإنسان قائمة سوداء بالشركات العاملة في المستوطنات الاسرائيلية في الضفة الغربية.

وقال بومبيو في بيان أصدرته وزارة الخارجية الأميركية إن نشر القائمة يؤكد الانحياز المستمر ضد إسرائيل والمستشري جداً في منظمة الأمم المتحدة، وأشار إلى أن الولايات المتحدة طالما عارضت إنشاء أو إصدار قاعدة بيانات كهذه، ولن تتعاون مع جهود الأمم المتحدة لعزل إسرائيل. ودعا بومبيو جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للانضمام إلى واشنطن في رفض هذه الخطوة التي قال إنها تسهّل حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات وتنزع الشرعية عن إسرائيل.

وانتقد سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل ديفيد فريدمان نشر القائمة وقال إنها وصمة عار أخرى في "سجل تحيّز الأمم المتحدة ضد إسرائيل".

وانسحبت الولايات المتحدة من هذا المجلس في حزيران 2018، وأشارت إلى أنها فعلت ذلك بسبب تحيزه المزمن ضد إسرائيل.

ومعظم الشركات الـ 112 المدرجة في القائمة هي شركات إسرائيلية، بما في ذلك جميع البنوك الكبرى، وشركة النقل العام المملوكة للدولة ("إيغد")، وعمالقة الاتصالات "بيزك" و"هوت" و"سلكوم". وتشمل القائمة أيضاً شركات متوسطة الحجم مثل شبكة المطاعم "كافيه كافيه" ومخابز "أنجل".

وتحوي القائمة السوداء أيضاً عدداً من الشركات الأجنبية، من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا.

وقال بيان صادر عن مكتب المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليت، رئيسة تشيلي السابقة، إنه سيكون بإمكان الشركات أن تطلب شطبها من القائمة السوداء إذا تمكنت من إثبات أنها لم تعد تقدم الدعم المادي للمستوطنات الإسرائيلية.
وأكد البيان أنه سوف يتم تحديث القائمة سنوياً.

يُشار إلى أنه في آذار 2016 اتخذ مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف قراراً يطالب بتجميع قاعدة بيانات تتضمن نشاطات تنطوي على انتهاكات معينة متعلقة بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وتم تعريف هذه النشاطات بأنها تشمل تزويد مواد وخدمات من شأنها دعم توسيع أو المساعدة في إدامة المستوطنات الإسرائيلية. وتشمل النشاطات الأخرى التي تسببت بإدخال الشركات إلى القائمة استخدام الموارد الطبيعية للضفة الغربية وخاصة المياه والأرض، وتلويث القرى الفلسطينية، والسيطرة على الأسواق المالية والاقتصادية الفلسطينية، فضلاً عن الممارسات التي تضر بالمؤسسات الفلسطينية بما في ذلك من خلال القيود المفروضة على الحركة والقيود الإدارية والقانونية.

وحاولت إسرائيل والولايات المتحدة وبريطانيا منذ ذلك الوقت منع نشر القائمة السوداء، وعارضت دول أخرى كثيرة نشرها. وقال مسؤولون دبلوماسيون إسرائيليون إنهم تلقوا إشعاراً قبل ساعة واحدة فقط من إصدار القائمة. وأضافوا أن باشليت رفضت باستمرار مقابلة الدبلوماسيين الإسرائيليين لمناقشة القائمة السوداء.

وقالت باشليت إنها تدرك أن هذه القضية كانت وستظل مثيرة للجدل إلى حد كبير. وأضافت: "ومع ذلك، بعد عملية مراجعة شاملة ودقيقة، نشعر بالارتياح لأن هذا التقرير القائم على الحقائق يعكس الاعتبار الجاد الذي أولي لهذه المهمة غير المسبوقة والمعقدة للغاية، ولأنه يستجيب بشكل مناسب لطلب مجلس حقوق الإنسان الوارد في قرار سابق".

وجاء نشر هذه القائمة بعد ثلاثة أشهر من إصدار محكمة العدل الأوروبية قراراً ينص على أن نظام وضع العلامات على المنتجات الإسرائيلية من مستوطنات الضفة الغربية مُلزم قانونياً.

الضم حدث فعلاً

أشارت عدة تحليلات صحافية إلى أن تأييد إسرائيل الكاسح لمشروع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة كما انعكس في ردات الفعل المذكورة أعلاه على نشر قائمة الشركات التي تعمل في المستوطنات من طرف مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يثبت، مرة أخرى، أن الضم الذي يتحدث الجميع عنه الآن حدث بالفعل منذ زمن بعيد، وذلك من دون أي تصويت دراماتيكي في الكنيست أو إجراء استفتاء عام ومن دون أي هدايا من إدارة دونالد ترامب، وأكدت أن ما يبرهن على ذلك هو وقوف الحكومة والمعارضة في إسرائيل بشكل واضح إلى جانب المستوطنات في الضفة الغربية.

وتوقفت المراسلة السياسية لصحيفة "هآرتس" نوعا لنداو عند موقف رئيس الدولة ريفلين الذي قارن بين نشر القائمة عن الشركات التي تعمل في المستوطنات غير القانونية حسب القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وبين ما حدث في الهولوكوست على الرغم من أن هذه القائمة لا تشمل عقوبات أو مقاطعة فعلية وبالتأكيد لا يوجد فيها أي غرف للغاز.

ولفتت لنداو أيضاً إلى أن تأييد ضم المستوطنات بالفعل كان واضحاً أيضاً في أوساط المعارضة في إسرائيل، كما عبّر عن ذلك كل من بيني غانتس ويائير لبيد من "أزرق أبيض"، ولكنها في الوقت ذاته شدّدت على أن بيان الإدانة الأكثر مفاجأة كان برأيها البيان الصادر عن رئيس قائمة اليسار ظاهرياً والمؤلفة من تحالف أحزاب العمل و"غيشر" وميرتس، عضو الكنيست عمير بيرتس، فهذا البيان كان بمثابة شهادة الوفاة الرسمية لليسار الصهيوني أمام الضم الذي حدث في الوقت الذي ما زال يدين فيه باليد الأخرى الضم الذي لم يحدث.

وذكرت لنداو أنه في الأسابيع الأخيرة وفي أعقاب نشر خطة ترامب المعروفة باسم "صفقة القرن" بدأت حملات صاخبة لنشطاء من اليمين ومن اليسار مع الضم الرسمي للمستوطنات وضده، غير أن ما جرى بموازاة نشر قائمة مجلس حقوق الإنسان أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا النقاش فارغ من أي مضمون وهو على الرموز فقط، فالضم حدث بالفعل، وهو يحدث كل يوم ولكن فقط قانونياً ما زالوا يتصارعون عليه. ونوهت بأن إسرائيل تتعامل فعلياً مع المستوطنات في الضفة الغربيّة وكأنها جزء لا ينفصل عن دولة إسرائيل منذ فترة طويلة، حتى من دون دعم دونالد ترامب وسفيره ديفيد فريدمان.

 

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الثلاثاء, مارس 31, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الأعزاء متابعوا إصدارات المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار": يواصل "مدار" العمل على إنجاز خطته السنوية كالمعتاد على الرغم من الظروف التي فرضها "فيروس الكورونا"، وسوف يتم توفير المُنتج الجديد الكترونيًا على موقع "مدار" على الشبكة، فيما ستتوفر النسخ الورقية حال تجاوز حالة الطوارئ.