قرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ورئيس المجلس السيادي الانتقالي السوداني عبد الفتاح البرهان، بدء تعاون بين البلدين، قد ينتهي بتطبيع العلاقات بينهما، وذلك في اجتماع بينهما عقد على هامش زيارة قصيرة قام بها نتنياهو إلى أوغندا هذا الأسبوع، ودعا فيها هذه الأخيرة إلى نقل سفارتها في إسرائيل إلى القدس.

وذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية أن إسرائيل تريد فتح الأجواء الجوية السودانية أمام ملاحتها الجوية، لتقصير رحلاتها الجوية إلى أميركا اللاتينية، في حين أن السودان ترغب بأن تتوسط لها إسرائيل مع الولايات المتحدة، لتُزيلها من قائمة الدول "الداعمة للإرهاب".

وقال نتنياهو بعد اجتماعه مع البرهان إنه يعتقد أن السودان يخطو نحو التغيير، بعد إطاحة الرئيس السابق عمر البشير الذي كان مقرّباً من إيران. وأشار إلى أن هذا ما قاله لوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي وجه بدوره دعوة استثنائية إلى البرهان ليلتقي به في واشنطن، في خطوة قد تشكل منعطفاً بين واشنطن والخرطوم.

ونفت الحكومة السودانية معرفتها مُسبقاً بلقاء نتنياهو بالبرهان، مشيرة إلى أنها ستطلب من الأخير توضيحات بهذا الشأن. وقال مصدر مقرّب من البرهان إن السعودية ومصر كانتا على علم بعقد الاجتماع، وأكد كذلك أن الإمارات العربية المتحدة هي من رتبته.

وكان نتنياهو قال في تصريحات أدلى بها إلى وسائل إعلام قبيل مغادرته إسرائيل في طريقه إلى أوغندا، إنه يأمل بأن يعود بأخبار سارة للغاية.

وأضاف نتنياهو: "هذه هي الزيارة الخامسة إلى أفريقيا التي أقوم بها خلال الثلاث سنوات ونصف السنة الأخيرة. إسرائيل تعود إلى أفريقيا بشكل كبير وأفريقيا عادت إلى أحضان إسرائيل. هذه العلاقات تتسم بأهمية كبيرة على الأصعدة الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية وسوف يُروى عن ذلك لاحقاً". وأشار إلى أنه يسعى لتعزيز العلاقات مع أوغندا.

وقبل هذه الزيارة قالت وسائل إعلام إسرائيلية إنه من المقرر أن يلتقي نتنياهو الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني، وكذلك قادة إقليميين. وحظرت الرقابة العسكرية نشر المزيد من التفاصيل حول الاجتماعات المقررة، خشية أن يؤدي ذلك إلى إلغائها في اللحظة الأخيرة. وبحسب ما ورد فإن رئيس الحكومة يعمل على إقناع الحكومة الأوغندية بالالتزام بفتح سفارة لها في القدس. وفي الوقت الحالي، لا توجد لأي دولة أفريقية سفارة في المدينة.

وفي الماضي، حاول نتنياهو التودد لأوغندا باعتبارها دولة ثالثة محتملة يمكنه ترحيل جزء على الأقل من عشرات آلاف المهاجرين الأفارقة المقيمين حالياً في إسرائيل إليها، لكن الخطة انهارت في العام 2018 وسط مخاوف ناشطين من تعريض المهاجرين للخطر في حال تم إرسالهم إلى أوغندا. ولمح نتنياهو الشهر الماضي إلى احتمال عودة هذا الخيار على الطاولة، حين قال خلال اجتماع انتخابي إن حكومته تعمل على إبعاد ثلثي المهاجرين قريباً.

تجدر الإشارة إلى أن وجود المهاجرين السودانيين والإريتريين يعتبر قضية سياسية خلافية في إسرائيل منذ عدة أعوام. وتعتبرهم إسرائيل باحثين عن عمل يهددون الطابع اليهودي للدولة. وفي كانون الأول 2018 حث ممثل المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في إسرائيل نتنياهو على إعادة التفكير في اقتراح الأمم المتحدة لإعادة توطين ما يقرب من نصف المهاجرين الأفارقة في البلاد. وبموجب هذا الاقتراح يتم إعادة توطين نحو 16250 مهاجراً أفريقياً في إسرائيل معظمهم من السودان وإريتريا في دول غربية في حين سيبقى عدد مماثل في إسرائيل ويحصل على إقامة مؤقتة. وبحسب الاتفاق، فإن معظم الذين سيغادرون البلاد سيكونون رجالاً غير متزوجين، بينما ستبقى العائلات والنساء والأطفال عموماً في البلاد. ووافق رئيس الحكومة على الاتفاق لكنه غيّر موقفه بعد 24 ساعة في إثر تعرضه لضغوط من شركائه من اليمين في الائتلاف الحكومي.

وكانت المرة الأخيرة التي زار فيها نتنياهو أوغندا في العام 2016 حيث بدأ جولة شملت أربع دول أفريقية.

"صفقة القرن" وروسيا ووساطة مع المغرب
أتت زيارة نتنياهو إلى أوغندا مباشرة بعد زيارتين قام بهما إلى الولايات المتحدة وروسيا، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التي ستجري يوم 2 آذار المقبل.

وزار نتنياهو الولايات المتحدة للمشاركة في مراسم إطلاق خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسلام بين إسرائيل والفلسطينيين المعروفة باسم "صفقة القرن".

وزار روسيا من أجل إتمام إطلاق سراح شابة إسرائيلية اعتقلت هناك وحكم عليها بالسجن بعد أن دانتها محكمة روسية بحيازة كمية من المخدرات أثناء توقفها في مطار موسكو وهي في طريق عودتها إلى إسرائيل.

وخلال الزيارة في أوغندا كشفت قناة التلفزة الإسرائيلية 13 (القناة العاشرة سابقاً) أن نتنياهو حاول ترتيب اتفاق ثلاثي تعترف الولايات المتحدة من خلاله بالسيادة المغربية على أراضي الصحراء الغربية المتنازع عليها، في مقابل قيام المغرب بخطوات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وقد احتل المغرب مساحات شاسعة من الصحراء الغربية العام 1975 بعد انسحاب إسبانيا من المنطقة، وضم لاحقاً هذه المناطق في خطوة غير معترف بها دولياً.

وورد في تقرير قناة التلفزة أن نتنياهو قدم عدة بوادر إلى واشنطن خلال العام الماضي للترويج لمثل هذه الصفقة، لكن مستشار الأمن القومي الأميركي السابق جون بولتون عارضها بشدة. وبعد مغادرة بولتون مهمات منصبه هذا في أيلول الماضي، ذكر أن نتنياهو أثار المسألة مرة أخرى مع وزير الخارجية مايك بومبيو، لكن البيت الأبيض لم يوافق على الصفقة.

ونقل التقرير عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إن الصفقة المقترحة تحتوي على منافع لجميع الأطراف، وذلك على النحو التالي: يمكن للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يتباهى بوجود علاقات متطورة بين إسرائيل ودولة عربية، ويمكن لنتنياهو زيارة المغرب وعقد لقاء رفيع المستوى مع الملك محمد السادس، ويمكن للرباط أن تحصل على اعتراف الولايات المتحدة بمطالبها في الصحراء الغربية.

وتم نقل الاقتراح الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة من طرف مستشار الأمن القومي لرئيس الحكومة مئير بن شبات، الذي قال التقرير التلفزيوني إنه طور علاقات مع أحد مساعدي وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة. وورد أن بن شبات وبوريطة تربطهما صلات مع ياريف إلباز، وهو رجل أعمال يهودي مقرب من كبير مستشاري ترامب وصهره جاريد كوشنير.

وكانت قناة التلفزة الإسرائيلية 12 (القناة الثانية سابقاً) ذكرت في كانون الأول الماضي أن نتنياهو يأمل في الانضمام إلى بومبيو في رحلة إلى المغرب، لكن عندما اقترح وزير الخارجية الفكرة على المغاربة رفضوها. وكان من المقرر أن يلتقي بومبيو العاهل المغربي، لكن تم إلغاء الاجتماع على ما يبدو بعد أن قام بومبيو بزيارة إلى البرتغال لعقد اجتماع مع نتنياهو.

هدف نتنياهو: إنقاذ نفسه سياسياً

تؤكد تحليلات كثيرة في إسرائيل أن الهدف الأهم الذي يسعى إليه نتنياهو من وراء كل هذه التحركات في الخارج هو إنقاذ نفسه سياسياً في الانتخابات العامة القريبة في مواجهة لوائح الاتهام التي قدمت ضده بشبهة ارتكاب مخالفات فساد.
وهذا الهدف هو أحد الجوانب المهمة التي ترتبط بها خطوة إعلان "صفقة القرن" على الملأ في هذا التوقيت بالذات، بعد ساعات قليلة من تقديم لوائح الاتهام ضده في المحكمة المركزية في القدس.

غير أن معظم التحليلات تشير إلى أن ثمة شكاً كبيراً في أن ذلك سيساعده على البقاء لولاية أخرى في رئاسة الحكومة.
وما يسند هذا الشك هو ما يلي:

(*) أظهرت استطلاعات للرأي العام الإسرائيلي نشرت عقب إعلان "صفقة القرن" أن الكتلتين الكبيرتين المتنافستين لم تنجحا حتى الآن في الحصول على 61 مقعداً، ولا يزال حزب أفيغدور ليبرمان "إسرائيل بيتنا" يمثل بيضة القبان. من ناحية أُخرى، أظهرت أن نحو 50% من الجمهور الإسرائيلي يؤيد خطة ترامب التي تتضمن ضم المستوطنات، في مقابل 34% يعارضها، و16% لا رأي لهم، و10% قالوا إنهم لم يسمعوا بهذه الخطة.

(*) أعلن نتنياهو، خلال اجتماع انتخابي لحزب الليكود عقد في تل أبيب أمس (الثلاثاء)، أن إجراءات فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية ستتم فقط بعد الانتخابات العامة التي ستجري يوم 2 آذار المقبل. في المقابل دعا عدد من قادة المستوطنات رئيس الحكومة إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة وغور الأردن قبل الانتخابات. وقال رئيس "المجلس الإقليمي شومرون" يوسي داغان إنه يجب القيام بذلك حتى من دون موافقة الولايات المتحدة. وأقام "مجلس المستوطنات في يهودا والسامرة" خيمة اعتصام أمام ديوان رئاسة الحكومة في القدس لممارسة الضغوط على نتنياهو بهذا الشأن.

وكانت خطة "صفقة القرن" أعطت إسرائيل الضوء الأخضر لضم غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية. لكن مستشار الرئيس الأميركي وصهره جاريد كوشنير الذي أعد الخطة صرح بأن واشنطن لا تريد أي خطوات على الأرض قبل الانتخابات الإسرائيلية العامة. وقال: "الآن سنبدأ العمل على الأمور التقنية لكنني أعتقد أننا سنحتاج إلى حكومة إسرائيلية من أجل المضي قدماً".

(*) يتسع يوماً بعد يوم نطاق المعارضة لخطة "صفقة القرن"، كما تجسّد ذلك في المواقف الصادرة عن جامعة الدول العربية، ومنظمة الدول الإسلامية، وروسيا وغيرها من الدول. وكان آخرها البيان الصادر عن الاتحاد الأوروبي أمس ممهوراً بتوقيع وزير خارجية الاتحاد جوزيف بوريل وأكد فيه أن الاتحاد لن يعترف بفرض أي سيادة إسرائيلية على مناطق تم احتلالها العام 1967 وأشار إلى أنه في حال اتخاذ إسرائيل خطوة كهذه فلن تمر من دون ردّ. كما أعلن بوريل رفض الاتحاد الأوروبي خطة ترامب وتأييده حل الدولتين، وأعرب عن قلقه من خطط إسرائيل لضم مساحات واسعة من أراضي الضفة الغربية.

 

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 09, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية