منذ أن صادقت الهيئة العامة للكنيست، يوم الخميس الماضي، على مشروع قانون حلّ الكنيست الـ22، وعلى مشروع قانون الانتخابات للكنيست الـ23 الذي ينص على إجراء الانتخابات يوم 2 آذار 2020، بدأت الأنظار تتجّه أكثر شيء إلى حزب الليكود، بشكل يبدو أبرز من اتجاهها إلى قراءة الدلالات المترتبة على ذهاب إسرائيل إلى هذه الانتخابات الثالثة خلال أقل من عام في سابقة لم يشهد مثلها النظام السياسي الإسرائيلي، وذلك بعد فشل جميع الجهود الرامية إلى تأليف حكومة عقب إجراء انتخابات في جولتين مختلفتين يومي 9 نيسان و17 أيلول الفائتين لم تفرز أي منهما نتائج حاسمة، فيما يتشبث رئيس الحكومة وزعيم اليمين بنيامين نتنياهو المتهم بقضايا فساد بالسلطة.

ويعود سبب هذا الاهتمام بحزب الليكود إلى عاملين: 

الأول، إشارة عضو الكنيست دافيد بيتان من الحزب المذكور، وهو أحد المقربين من نتنياهو وأشغل في السابق منصب رئيس كتل الائتلاف الحكومي، إلى أن نتنياهو ينال الآن فرصته الأخيرة. وعندما سئل بيتان عما إذا كان الليكود سيُجبر نتنياهو على التنحي في حال فشله في تأليف حكومة بعد الانتخابات المقبلة، قال: "إن هذا يتعلق بالنتائج. هذه هي الفرصة الأخيرة للحصول على 61 مقعداً وتأليف حكومة مستقرة. بالطبع سننظر في الأمر وفقاً لنتائج الانتخابات. الآن حصلنا على فرصة أخرى وعلينا أن ننتهزها بقوة".

العامل الثاني، مصادقة مركز حزب الليكود على إجراء انتخابات تمهيدية لرئاسة الحزب يوم 26 كانون الأول الحالي. وكان عضو الكنيست غدعون ساعر أعلن عن ترشحه في هذه الانتخابات والتنافس مع نتنياهو على رئاسة الليكود.

وأشارت عدة تحليلات في حينه إلى أن إعلان ساعر هذا يُعدّ مؤشراً إلى بداية تمرّد ضد زعامة نتنياهو داخل الليكود على خلفية اتهامه بقضايا فساد، وإن كان حتى الآن تمردّاً خجولاً.

وتفيد آخر التطورات بهذا الشأن أن نتنياهو الذي أطلق حملته لانتخابات رئاسة الحزب في نهاية الأسبوع، اجتمع بعد حلّ الكنيست مع وزير الأمن الداخلي غلعاد إردان، والذي يعتبر أحد قادة الليكود المهمين، وطلب دعمه، ووفقاً لمصادر مطلعة كان الاجتماع بين الجانبين متوتراً لكون إردان شاهداً رئيسيا في "الملف 4000" ("ملف بيزك- واللا") والذي قدمت فيه ضد نتنياهو لائحة اتهام بشبهة تلقي الرشوة. كما اجتمع ساعر في وقت سابق مع إردان وطلب دعمه.

يُشار هنا إلى أنه لم يصدر عن إردان أي تصريح منذ قرار المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية أفيحاي مندلبليت تقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو بشبهات ارتكاب مخالفات الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة في الملفات 1000 و2000 و4000 في نهاية تشرين الثاني الماضي.

وهناك ترجيحات بأن إردان الذي يفكر بأن يخوض بنفسه معركة رئاسة الحزب بعد نتنياهو، سيعلن موقفه من انتخابات 26 الجاري في بحر الأسبوع الحالي، وأشار البعض إلى أنه سيختار عدم التعبير عن أي دعم علني لأي من المرشحين. كما أنه من غير المتوقع أن يعلن رئيس الكنيست يولي إدلشتاين عن دعم أي منهما. وستكون المفاجأة في حال قرر تأييد ساعر، نظراً إلى أنه سيكون أول وزير من الليكود يجاهر بذلك في الوقت الذي يحظى ساعر بتأييد ناشطين ميدانيين ورؤساء سلطات محلية وعضوي كنيست فقط.

وستكون هذه الانتخابات التمهيدية هي الأولى منذ عام 2014 حيث تغلب فيها نتنياهو على داني دانون بغالبية كبيرة، وفي انتخابات 2015 قرر نتنياهو تبكير الانتخابات التمهيدية وضمان قيادته للحزب وأيضاً كان هذا في انتخابات الكنيست الـ 21 التي لم يترشح أمامه فيها أي شخص وتم إلغاء الانتخابات.

في هذه الأثناء تتجه الأنظار كذلك إلى المستشار القانوني للحكومة مندلبليت الذي أمهلته المحكمة الإسرائيلية العليا حتى يوم 18 كانون الأول الحالي كي يفصح أمامها ما الذي ينوي عمله إزاء مسألة ما إذا كان يمكن لعضو كنيست متهم بجنايات خطِرة الحصول من رئيس الدولة على تفويض لتأليف الحكومة.

وجاء قرار المحكمة هذا بناء على طلب التماس تقدم به عشرات رجال الأعمال والمسؤولين في شركات صناعات "الهايتك" الإسرائيلية مطالبين المستشار القانوني بحسم موقفه من هذا المسألة وأن يصرّح بأن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين يستطيع أو لا يستطيع من ناحية قانونية تفويض عضو كنيست ملاحق بملفات جنائية بتأليف حكومة.

وحاول المستشار المماطلة والتسويف، مدّعياً أن ما يجري الحديث عنه هو "مسألة نظرية"، لكن القاضي المناوب أمره بتبليغ المحكمة حتى يوم الأربعاء المقبل متى ينوي حسم الموضوع، وإلى حد ما، ما هو قراره المتوقع.

وراجت تقديرات صحافية، يوم الجمعة الماضي، بأن مندلبليت لن يمانع في تفويض نتنياهو مجدداً بمهمة تأليف الحكومة على الرغم من اتهامه بثلاث قضايا فساد.

الحراكات الحزبية

حتى قبل أن يتم حل الكنيست الـ 22 رسمياً بدأت جميع الأحزاب الإسرائيلية في تخطيط حملاتها. وركزت آخر التقارير الصحافية على الحراكات الحزبية التالية:

(*) في معسكر أحزاب اليمين الاستيطاني تجري محاولات لإعادة توحيد تحالف "يمينا" (نحو اليمين) المؤلف من "اتحاد أحزاب اليمين" (تحالف حزبي "البيت اليهودي" و"الاتحاد القومي") وحزب "اليمين الجديد" بزعامة أييلت شاكيد ونفتالي بينيت. وكذلك تجري محاولات لاستقطاب حزب "عوتسماه يهوديت (قوة يهودية)" من أتباع الحاخام مئير كهانا الذي خاض انتخابات الكنيست الـ22 لوحده ولم يتمكن من تجاوز نسبة الحسم لكنه حصل على نحو 85 ألف صوت. وأعلن موشيه فيغلين أن حزبه "زهوت (هوية)" لن يخوض الانتخابات. ولم يخض هذا الحزب انتخابات الكنيست الـ22 بعد أن توصل إلى اتفاق مع نتنياهو ينص على دعمه في مقابل تعيين فيغلين في منصب وزير في حال قيام زعيم الليكود بتأليف الحكومة الجديدة.

وتشير آخر استطلاعات الرأي العام إلى أنه في حال فشل جهود إعادة تحالف "يمينا" واستقطاب "عوتسماه يهوديت" فإن هذا الأخير وتحالف "اتحاد أحزاب اليمين" لن يتمكنا من تجاوز نسبة الحسم، ما سيؤدي إلى إضعاف قوة الأحزاب التي تُعدّ "شريكة طبيعية" لليكود ونتنياهو.

(*) قالت مصادر في تحالف "أزرق أبيض" إن التحالف يبذل جهوداً لتجديد قائمته استعداداً للانتخابات، ويسعى لأن يضم إلى صفوفه عدداً أكبر من أحزاب الوسط- يسار. وبحسب هذه المصادر كجزء من هذه الجهود يعمل التحالف من أجل توحيد القوى مع حزب العمل الذي حصل على 6 مقاعد في الانتخابات الأخيرة بعد تحالفه مع حزب "جيشر" الذي تترأسه عضو الكنيست أورلي ليفي- أبكسيس (التي انشقت عن حزب "إسرائيل بيتنا"). وأشير إلى أن "أزرق أبيض" يقترح دعم رئيس العمل عمير بيرتس في انتخابات رئاسة الدولة التي ستجري في الكنيست في صيف 2021، عشية انتهاء ولاية الرئيس الحالي رؤوفين ريفلين بعد عام ونصف عام.

وأفادت تقارير صحافية أن شريكة بيرتس، النائبة أبكسيس، تعارض الاقتراح، كما تعارض أيضاً اقتراح الاتحاد مع "المعسكر الديمقراطي"، والذي تمت مناقشته خلال الأسابيع الأخيرة كجزء من المحاولة لزيادة عدد الأصوات في معسكر الوسط- اليسار.

يُشار هنا إلى أن الاقتراح بدعم بيرتس لرئاسة الدولة قدم إلى تحالف العمل-"جيشر" أيضاً من جانب الليكود خلال الأشهر الأخيرة، وذلك خلال محاولة هذا الأخير إدخال التحالف إلى الائتلاف الحكومي، ولكن تم رفضه من طرف الحزب.

(*) لم تتضح الصورة بعد فيما يتعلق بمستقبل كل من تحالف العمل- "جيشر" وتحالف "المعسكر الديمقراطي" بين حزبي ميرتس و"إسرائيل ديمقراطية" بزعامة إيهود باراك.

(*) تتساءل التقارير الصحافية عن جوهر الوعود التي سيقدمها رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان إلى ناخبيه. وفي هذا الصدد يشير المحلل الحزبي لصحيفة "هآرتس" حاييم ليفنسون إلى أن من تحدث مع ليبرمان في الأيام الأخيرة وجد شخصاً في ضائقة لا يعرف ماذا يفعل في الانتخابات. فورقته في الانتخابات الأخيرة حين أعلن أنه هو وحده قادر على أن يقيم حكومة وحدة أكسبته ثلاثة مقاعد أخرى، ولكن رغم مساعيه لم تقم حكومة كهذه. والآن سيحاول نتنياهو ملاحقته مرة أخرى لتجنيد المقترعين من أوساط مهاجري الاتحاد السوفييتي سابقاً، بينما سيلعب زعيم تحالف "أزرق أبيض" بيني غانتس هو الآخر على الورقة المناهضة لليهود الحريديم في محاولة للحصول على أصوات الشباب الذين يشكلون قسماً كبيراً من مصوتي "إسرائيل بيتنا". وبرأي ليفنسون فإن ليبرمان واع لوضعه ويبحث لنفسه عن حل إستراتيجي ومن غير المستبعد ألا يقيّد نفسه هذه المرة بوعد عدم الانضمام إلا إلى حكومة وحدة.

(*) تجمع التقارير الصحافية الإسرائيلية على أن القائمة الوحيدة التي تشعر بأنها في حالة جيدة هي القائمة المشتركة، وهناك من يتوقع ازدياد قوتها.

هل سيكون هناك حسم؟

السؤال فيما إذا كانت نتائج الانتخابات الإسرائيلية الثالثة ستسفر عن حسم يظل مطروحاً على التطورات اللاحقة وربما على نتائج يوم الانتخابات.

أما الأمر الواضح من الآن فهو أن معركة الانتخابات ستكون كسابقتيها في نيسان وأيلول، أي انتخابات فُرضت على الجمهور الإسرائيلي بسبب الحاجات القانونية والعائلية لرئيس الحكومة المنتهية ولايته. وبالتالي ستكون انتخابات شخصية تقريباً، كما تؤكد تحليلات كثيرة.

وبجانب الإشارة إلى أنها ستكون شخصية يتم التنويه أيضاً بأنه بموازاة يسار آخذ بالتلاشي بات منحصراً ربما في "المعسكر الديمقراطي"، فإنه في أوساط باقي ألوان الطيف السياسي يوجد إجماع قومي واسع جداً بإزاء المواضيع الأساسية، وأنه كما لم يطف على السطح في الحملتين الانتخابيتين العاصفتين الأخيرتين خلاف حقيقي حيال المواضيع الاقتصادية والاجتماعية أو حيال مواضيع الخارجية والأمن، لن يطفو مثل هذا الخلاف على السطح في المعركة الانتخابية الحالية التي سيشتد أوارها في الأيام المقبلة.

 

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

السبت, أغسطس 15, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية