نجح زعيم حزب "يسرائيل بيتينو" أفيغدور ليبرمان، في الأسابيع الأخيرة، في دفع مسألة قوانين وأنظمة الإكراه الديني إلى الواجهة السياسية، في الانتخابات المقبلة. فرغم أن حسابات حزبية مستقبلية دفعت ليبرمان للتشدد في مواجهة المتدينين المتزمتين "الحريديم"، إلا أن هذا الملف بات يشغل أكثر من حزب إسرائيلي. وما يزيد من هذا، سلسلة تصريحات متطرفة دينيا، من رموز التيار الديني الصهيوني، شركاء بنيامين نتنياهو في ائتلافه.

ويذكر أنه تم حل الكنيست، بعد فشل نتنياهو في تشكيل حكومته الخامسة، وكان في واجهة الخلاف، إصرار ليبرمان على سن قانون التجنيد العسكري الإلزامي للشبان الحريديم، بموجب الصيغة التي بلورها الجيش، وأقرها الكنيست بالقراءة الأولى في شهر تشرين الثاني 2018.

وفي الوقت ذاته، كان رموز التيار الديني الصهيوني، في تحالف "اتحاد أحزاب اليمين" الاستيطانية، يبدون تشددا دينيا في عدة قضايا، وخصوصا في الجيش، إذ طالبوا بالسماح لشبان التيار الديني الصهيوني بالخدمة العسكرية في وحدات خالية من النساء، والسماح للجيش بالقيام بنشاطات فيها فصل بين الرجال والنساء.

ونذكر أن ليبرمان الذي لوّح براية العلمانية، منذ وصوله للكنيست لأول مرة في العام 1999، كان ينقلب على كل شعاراته، في كل واحدة من الحكومات التي شارك فيها. ولكن حينما رأى أنه حصل في الانتخابات الأخيرة على 5 مقاعد، بدأ يشعر، كما يبدو، باقتراب نهايته السياسية، فقز مجددا على خشبة العلمانية، وتشدد في موقفه، حتى بثمن عدم قيام حكومة جديدة.

وفي خلفية هذا، توجه ليبرمان لقطاع مصوتي اليمين الاستيطاني العلماني الذي يناهض قوانين الإكراه الديني، وخصوصا تزمت الحريديم. وهم قطاع ليس قليلا، يلجأ في السنوات الأخيرة لحزب الليكود، ولكن في ما مضى حمل حزبين إلى الكنيست، في التسعينيات وسنوات الألفين الأولى.

التزمت يخدم أجندة ليبرمان

بعد حل الكنيست، ظهرت عدة مؤشرات، ساعدت ليبرمان كثيرا، وفسّرت أمام الجمهور مقولته، إنه يرفض أن يكون في حكومة شريعة يهودية. وهذا بدأ بتصريحات في مطلع حزيران، لمن بات وزيرا للمواصلات، المستوطن بتسلئيل سموتريتش، الذي قال إنه يريد حقيبة القضاء، كي يعيد إسرائيل إلى أيام الشريعة "كما كان في أيام داود الملك وسليمان الملك".

وبعد أن ثارت ضجة ضخمة، حاول سموتريتش تخفيف حدة تزمته الديني، فبعد أن تسلم حقيبة المواصلات، قال إنه سيكون متساهلا مع مشاريع بنى تحتية تنفذ أيام السبت. إلا أن شريكه، رئيس "اتحاد أحزاب اليمين"، ومن بات وزيرا للتعليم، رافي بيرتس، اعترض على تصريح سموتريتش، معلنا أن قرار الأعمال أيام السبت، يجب أن يحظى بموافقة الحاخامات.

وهنا قفز ليبرمان للواجهة مجددا، ورد قائلا، "هذا جنون" وأضاف، "في اللحظة التي يبدأ فيها الحاخامات في تشغيل المواصلات العامة لنا، وتقرير ما إذا كنّا سنقوم بأعمال حيوية في أيام السبت، سوف ننتقل إلى أيام الملك داود والملك سليمان".

وقال ليبرمان، "إذا وقفتم جميعا مع نتنياهو في مسائل الدين والدولة، فسوف يستسلم نتنياهو لهم. إن الفصل بين النساء والرجال، وإغلاق الأعمال في أيام السبت، كما نراه الآن، هو مجرد عرض نموذجي لما ينتظرنا".

بينيت ينوي منافسة ليبرمان
كما يبدو هناك من تنبّه لما يمكن أن يحققه ليبرمان في الانتخابات المقبلة. فنفتالي بينيت، زعيم قائمة "اليمين الجديد" التي تشكلت في الانتخابات الماضية، ولامست نسبة الحسم، ولم تتمثل في الكنيست، لا ينجح حتى الآن، في إيجاد تحالف يضمن عودته إلى الكنيست.

وكان بينيت قد ترأس في انتخابات 2013 و2015 تحالف "البيت اليهودي"، ولكنه فككه قبل انتخابات نيسان، وخاض الانتخابات على رأس قائمة، مع شريكته السياسية، أييليت شكيد. وحتى قبل شهر، كان بينيت يتولى حقيبة التعليم، وشكيد حقيبة القضاء، ففصلهما نتنياهو من حكومته، بزعم أنهما لم يتمثلا في الكنيست، ولكن الهدف هو إضعاف مكانتهما، في الانتخابات المقبلة.

ففي الأيام الأخيرة بدأ بينيت يطلق تصريحات "لمغازلة" اليمين الاستيطاني العلماني. فقد أعلن أن من شروطه لدخول الحكومة المقبلة، تخفيف القيود على مسألة التهويد. ويجري الحديث عن أكثر من 260 ألف يهودي في إسرائيل، ترفض المؤسسة الدينية الاعتراف بيهوديتهم، رغم أنهم يزاولون حياة يهودية، ومنخرطون في المجتمع اليهودي. ولكن هؤلاء لا تسمح لهم المؤسسة الدينية بالزواج الديني من يهود ويهوديات، ويضطرون لإبرام عقود زواج مدنية خارج إسرائيل.

وقال بينيت في تصريحات إعلامية، "هناك مئات الآلاف من الإسرائيليين الذين يعيشون كيهود، ويعملون في وحدات قتالية في الجيش، لكنهم ليسوا يهودا. وهذه قنبلة موقوتة يمكن حلها، لكن الحاخامية الكبرى تمنع الحل. لقد حان الوقت لإظهار الشجاعة، والنظر إلى الواقع بالعين وإيجاد حل عاقل".

وهذا الجمهور الذي يتحدث عنه بينيت، يشكل أحد قواعد ليبرمان الانتخابية، كون هذه المجموعة من اليهود بغالبيتها العظمى، من المهاجرين في العقود الثلاثة الأخيرة، ولهم عائلات. ما يعني أن بينيت، بدأ يتقرب هو أيضا لمعاقل أصوات ليبرمان، الذي كان من شروطه للدخول إلى الحكومة، منع المحاكم الدينية اليهودية، فرض فحوص "دي ان إيه" (جينات) على بعض اليهود للتأكد من يهوديتهم.

العلمانية ليست المسألة الحاسمة
العلمانيون في معسكر اليمين الاستيطاني، محكومون في نهاية المطاف لأجندة يمينية متطرفة. وهم ليسوا بمستوى العلمانية، كما هي في قطاعات ما يسمى "اليسار الصهيوني"، بل كل ما يهدفون له، هو حرية المواصلات والعمل، والحياة الزوجية، دون قيود دينية. ولكن بالذات، أن ينخرط الحريديم في صفوف الجيش وسوق العمل، والتوقف عن تلقي مخصصات اجتماعية على حساب الخزينة العامة.

ولهذا فإن ليبرمان يعرف طبيعة هذا الجمهور، وهو يتشدد بالخطابين السياسي والعلماني في آن واحد. ومثل هذا رأيناه في العام 1992، من خلال حزب تسومت، بزعامة قائد الأركان الأسبق رفائيل ايتان. وأيضا في انتخابات العامين 1999 و2003، من خلال حزب شينوي، برئاسة يوسيف لبيد، والد يائير لبيد.

وفي كل الأحوال فإن المعركة ضد قوانين الإكراه الديني مرشحة للتصعيد في السنوات المقبلة، مع ارتفاع نسبة المتدينين بين الجمهور، وزيادة أعداد ممثليهم في الكنيست.

ويقول الكاتب شلومي ساسون، في مقال له في صحيفة "هآرتس"، تحت عنوان، "هل ستذهب العلمانية الجديدة إلى صناديق الاقتراع؟"، إنه "بعد أن أدى الصراع بين الدين والدولة إلى حل الكنيست حان الوقت لإجراء ترتيب في القسم العلماني وطرح سؤال متملص جدا: ما هي العلمانية؟ السياسة اليهودية- الارثوذكسية على إشكالها تتمسك بهدفها وعقيدتها. طموحها هو دولة شريعة يهودية، بمستويات مختلفة من التطبيق. في المقابل، السياسة الديمقراطية الليبرالية يعتريها عدم فهم للجذر القيمي الذي يجب أن تتفاخر به والذي يجب عليها أن ترفعه عاليا: العلمانية".

ويقول ساسون، "في المجتمع الاسرائيلي هناك فشل منطقي بسببه يعتبر الكثيرون العلمانية امتناع واخفاء. كثيرون من بيننا غير واعين لوزن هذه العلمانية، ولا يدركون عالم قيم العلمانية الأيديولوجية، ولا يدركون أن الصهيونية ليست سوى ثورة علمانية- يهودية نجحت. لقد حان الوقت للحديث عن سلة القيم العلمانية التي أساسها في الفلسفة العلمانية".

ويضيف ساسون، "إن الثقافة العلمانية تحتاج أيضا تعددية ومساواة. لأنه منذ اللحظة التي تم فيها إهمال الحقيقة النموذجية للدين، فتحت أمامنا سوق حرة للأفكار. وكما هو معروف، الإنسانية تهتم برؤية الآخر أو الإنسان بشكل عام كصاحب قيمة مقدسة تقريبا. وهذا يشمل حرية وطموحات الإنسان. الإنسانية وضعت الإنسان في المركز. هذه الخطوة جاءت على حساب الخالق. مركزية الإنسان تحل محل مركزية الدين. الإنسانية في الأساس هي علمانية. لأن هدفها أيضا كل إنسان أينما كان. في حين أن الدين موجه لشخص ما قبلي أكثر بكثير. العلمانية الانسانية تعطي اهمية للإنسان، رغباته وطموحاته، شريطة أن لا يتسبب بضرر حقيقي للآخر".

التقارير الخاصة تصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى التقارير لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

عودة إلى موضوع قديم- متجدّد: إسرائيل وفوبيا الديمغرافيا

 تعيد دراسة جديدة صدرت هذه الأيام عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب حول "ديمغرافية إسرائيل في مطلع العقد الجديد: المعاني والأبعاد القومية" للباحث شموئيل إيفن، والتي نقدّم لها قراءة موسعة ومعمقة هذا الأسبوع، تسليط الضوء على موضوع الديمغرافيا، القديم- المتجدّد باستمرار، والذي ليس مبالغة القول إنه لم يغب لحظةً عن أجندة إسرائيل، وقبل إقامتها كان في صلب أجندة الحركة الصهيونية.

وكان الباحث المذكور نفسه، وهو مسؤول كبير سابق في جهاز الاستخبارات وحالياً باحث زميل في "معهد أبحاث الأمن القومي"، أعدّ قبل ذلك دراسة نُشرت في مجلة صادرة عن وزارة شؤون الاستخبارات الإسرائيلية في شهر تموز 2020، أشار في سياقها إلى أن إسرائيل تعتبر الديمغرافيا مجال اهتمام "ذا أهمية من الدرجة الأولى بالنسبة إلى أمنها القومي". ومن جملة ما أكده فيها أيضاً، أن إسرائيل تعرّف نفسها، بموجب "قانون أساس القومية"، الذي سُنّ في تموز 2018، بأنها دولة قومية للشعب اليهودي، وهو تعريف يلزمها بأن تحافظ على ميزان ديمغرافي تكون فيه أغلبية يهودية مُطلقة. ومن هنا تنبع أهمية الحفاظ على ميزان إيجابي لهجرة اليهود من الدياسبورا إلى إسرائيل، فضلاً عن حقيقة أن الميزان الديمغرافي بين اليهود والفلسطينيين يبقى ذا تأثير كبير في مسألة الحدود الدائمة لدولة الاحتلال، سواء في سياق المفاوضات مع الفلسطينيين، أو في جوهر الخطاب السياسي الإسرائيلي.

للمزيد

دراسة جديدة: ديمغرافية إسرائيل مع بداية العقد الجديد.. التداعيات والأبعاد القومية!

شكّل مبدأ "الأغلبية اليهودية" هاجساً كبيراً بالنسبة لمؤسسي الحركة الصهيونية، وقادة إسرائيل لاحقاً، بشكل جعله ربما أحد أهم ركائز وأهداف المشروع الصهيوني الاستعماري الاستيطاني لأرض فلسطين ولعب دوراً كبيراً في تشكيل السياسات الإسرائيلية المختلفة التي سعت، ولم تزل، إلى الحفاظ على "ميزان ديمغرافي" يميل لصالح اليهود في فلسطين التاريخية من خلال المجازر وعمليات التطهير العرقي المستمرّة، بأشكال مختلفة، منذ العام 1948 وحتى يومنا هذا. وعلى الرغم من أن مسألة الزيادة السكّانية تُشكّل هاجساً بالنسبة للعديد من الدول ينبع من دوافع ومنطلقات اقتصادية بحتة (القدرة على تطوير المنظومة الصحية والتعليمية والبنية التحتية المادية)، إلا أن إسرائيل تعاملت مع الموضوع من منطلق أمني- سياسي- عرقي سعى، ولم يزل، لخلق، والحفاظ على "أغلبية يهودية" في إسرائيل لا تقل عن 80%

للمزيد
.. من حفل إطلاق الألعاب الأولمبية في طوكيو.  (وكالات)

الرياضة في خدمة السياسة: إسرائيل والألعاب الأولمبية في طوكيو!

في الـ 23 من تموز انطلقت الألعاب الأولمبية في طوكيو بعد تأجيلها مدة عام بسبب فيروس كورونا. في حفل الافتتاح، الذي يعتبر مهرجانا أمميا يشاهده مئات الملايين من كافة أرجاء العالم، وقف المشاركون دقيقة صمت في ذكرى مقتل 11 لاعبا إسرائيليا في الألعاب الأولمبية التي أقيمت عام 1972 في مدينة ميونيخ في ألمانيا الغربية. جاءت هذه الوقفة بموافقة رسمية من قبل اللجنة الأولمبية الدولية والتي صاغت رسالة التأبين على النحو التالي: "المجتمع الأولمبي يتذكر بشكل خاص أولئك الذين فقدوا حياتهم خلال الألعاب الأولمبية. إحدى الفرق لا تزال تحمل مكانة خاصة في ذاكرتنا.... وهي البعثة الأولمبية الإسرائيلية التي فقدنا أعضاءها في ميونيخ العام 1972". اعتُبرت هذا الدقيقة إنجازا كبيرا بالنسبة لإسرائيل التي توظف مشاركاتها في المسابقات الدولية الرياضية والموسيقية والأكاديمية وغيرها لتحسين صورتها أمام العالم.

للمزيد
الجمعة, يوليو 30, 2021

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية

الاشتراك في قناة التيليجرام

telegram

متابعينا الأعزاء يرجى متابعة قناة مدار على التيليجرام

 إشترك الآن