قال تقرير جديد لمركز "أدفا" للقضايا الاجتماعية، حول الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية في إسرائيل خلال العام الماضي 2017، إن الخروج إلى العمل لا يحمي مباشرة من الخروج من دائرة الفقر أو حتى من السقوط فيها، بمن في ذلك من بحيازتهم شهادات مهنية أكاديمية.

بموازاة ذلك، ذكر تقرير لمجلس التعليم العالي الإسرائيلي أن عدد الطلاب العرب في المعاهد الإسرائيلية العليا ارتفع بنسبة 60% في السنوات الست الماضية، في حين قالت تقارير أخرى إن رفع الحواجز أمام العرب في سلك التعليم العالي لم يسعفهم في تحسين شكل انخراطهم في سوق العمل ورفع معدلات رواتبهم.

 

ويؤكد تقرير "أدفا" إنه بموجب تقرير الفقر الإسرائيلي الرسمي الصادر في نهاية العام الماضي عن العام 2016، فإن نسبة الفقر بين العائلات التي لديها عامل واحد درس حتى 9 سنوات مدرسية، هبطت من 36% في العام 2000، إلى 22,4% في 2016. بينما نسبة العائلات الفقيرة، التي لديها عامل واحد درس 16 سنة، بمعنى مع تعليم جامعي، ارتفعت من 11,3% في العام 2000 إلى 17,5% في العام قبل الماضي.

ويقول التقرير ذاته إنه في حين أن 44,4% من خريجي المرحلة المدرسية بحيازتهم شهادة "بجروت"، وهي توازي شهادة التوجيهي، فإن نسبة الخريجين الذين تؤهلهم شهادة "الجبروت" التي بحيازتهم للدخول إلى سلك التعليم العالي بأي مستوى كان، بلغت 38,5%، وفي نهاية المطاف فإن 32,4% فقط يتجهون إلى الجامعات والكليات.

لكن هذه النسب ليست متساوية، بل تتأثر من الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية، واستنادا إلى تدريج القوة الاقتصادية الاجتماعية إلى عشر مراتب، يتبين أن نسبة الشبان والشابات الذين يتجهون إلى التعليم العالي، وهم من عائلات في الشرائح الأربع الأفقر، تبلغ 23,6%، وترتفع النسبة لدى الشرائح الأغنى والميسورة، وهي في الدرجات الثلاث العليا، إلى ما يزيد عن 53%.

وبحسب مجلس التعليم العالي، فإن أعداد الطلاب للقب الجامعيّ الأول حققت المعدلات المقبولة في العالم، من حيث نسبة الطلاب الذين يتجهون إلى التعليم العالي، ولا يبدو أن هذه النسب ككل سترتفع في السنوات المقبلة.

ارتفاع حاد في أعداد الطلاب العرب

وكان مجلس التعليم العالي أصدر قبل فترة وجيزة معطيات حول أعداد ونسب انخراط الطلاب العرب في الجامعات والكليات الإسرائيلية، يتبين منها أن أعدادهم ارتفعت بنسبة 60%، من العام 2010 وحتى العام قبل الماضي 2016. وكذا أيضا نسبتهم من إجمالي الطلاب في المعاهد الإسرائيلية العليا. إلا إن هذه الاحصائيات لا تأخذ بعين الاعتبار آلاف الطلاب العرب الذين يدرسون في الضفة الغربية وخارج البلاد. كما أن سلسلة من العوامل تتشابك في هذا الارتفاع الحاصل، ومن أبرزها أن هناك من تنبّه إلى الخسائر الاقتصادية التي يتكبدها قطاع التعليم العالي الإسرائيلي والاقتصاد الإسرائيلي، نتيجة هذا الكم من الطلاب في الخارج الذين بالإمكان استيعابهم.

ويقول تقرير مجلس التعليم العالي إنه منذ العام 2010 وحتى العام 2016، ارتفعت أعداد الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية بنسبة 60% في مرحلة اللقب الأول وحدها. وبالمجمل ارتفعت أعداد الطلاب العرب في كل المراحل الدراسية في الجامعات والكليات بنسبة 78,5%، وذلك من 26 ألف طالب في العام 2010، إلى 47 ألف طالب في العام الدراسي الجامعي 2016/2017.

ومن حيث النسب المئوية، فإن نسبة الطلاب العرب من مجمل الطلاب في اللقب الأول، ارتفعت من 10,2% في العام 2010 إلى 16,1% في العام الجامعي الماضي. كما ارتفعت نسبة الطلاب العرب للقب الثاني في الفترة ذاتها من 6,2% إلى 13%، ما يعني أكثر من الضعفين. كما ارتفعت نسبة الطلاب العرب للقب الثالث في الفترة ذاتها من 3,9% إلى 6,3%. ولكن تبقى هذه النسب أقل بكثير من نسبة العرب في الشريحة العمرية التي تدرس في الجامعات وهي في حدود 24% من دون القدس والجولان المحتلين، ومع هاتين المنطقتين ترتفع النسبة إلى 26%.

ويُشار هنا إلى أن كل هذه الاحصائيات تتعلق فقط بأعداد الطلاب الجامعيين العرب في معاهد التعليم العالي الإسرائيلية، بينما حسب تقديرات ليست رسمية يتراوح عدد الطلاب الجامعيين العرب في الضفة المحتلة والأردن وأوروبا، ما بين 16 - 17 ألف طالب، من بينهم حوالي 7 آلاف طالب في جامعات الضفة، والتجمع الأضخم منهم في الجامعة الأميركية في جنين، التي بحسب التقديرات يتجاوز عدد طلاب الداخل فيها 4500 طالب، ثم في جامعة النجاح (نابلس) التي يبلغ عدد أعضاء طلاب الداخل فيها حوالي 1300 طالب وطالبة، كما أن مئات الطلاب يتعلمون في جامعات الخليل وبير زيت وطولكرم وبيت لحم.

خلفية ارتفاع نسبة الطلاب العرب

حسب التقديرات فإن 7 آلاف طالب يدرسون أيضا في الجامعات الأردنية، وهذا يعد هبوطا إلى حتى النصف تقريبا، إذ كانت التقديرات تتحدث قبل سنوات قليلة عن وجود حوالي 13 ألف طالب من الداخل في الجامعات الأردنية، ولكن التراجع بدأ مع افتتاح الجامعة الأميركية في جنين، وتسهيل انتساب طلاب الداخل إلى جامعات الضفة.

وتتشابك من وراء هذا الارتفاع الكبير في نسبة الطلاب العرب في الجامعات والكليات الإسرائيلية عدة عوامل. فعلى مر السنوات هناك ارتفاع مستمر في نسبة الطلاب العرب في الجامعات والكليات الإسرائيلية بفعل تطور المجتمع، وأيضا ارتفاع مستوى الأوضاع الاقتصادية- الاجتماعية، ولو أنها ما تزال بفجوة واسعة جدا عن المستوى القائم بين اليهود.

لكن العامل الأكبر في السنوات الأخيرة هو أن الكثير من الحواجز التي كانت قائمة أمام انخراط الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية قد خفت وإن ما تزال موجودة، ويقف وراء هذا عاملان مركزيان.

العامل الأول، أنه في مرحلة ما هناك من تنبه في إسرائيل إلى خروج آلاف الطلاب العرب للدراسة الجامعية خارج البلاد، وهذا يعني بالنسبة للمؤسسة الإسرائيلية خروج عشرات ملايين الدولارات سنويا إلى الخارج، للصرف على طلاب في نهاية المطاف سيعودون بغالبيتهم الساحقة جدا إلى الوطن، ويجتازون الامتحانات المهنية الإسرائيلية الرسمية، وينخرطون في العمل، وهي النتيجة النهائية لمسار التعليم العالي. وكما يبدو هناك من انتبه إلى هذه الحقيقة واستنتج أن دراسة الطلاب العرب بهذه النسبة العالية تتسبب بخسائر للاقتصاد، خاصة وأن للجامعات والكليات الاقتصادية أيضا مخططات ربحية وهي بحاجة لطلاب أكثر.

والعامل الثاني، هو أن الطلاب اليهود باتوا يهجرون المواضيع العلمية الرفيعة التقليدية، وأولها الطب والهندسة المدنية وما شابه، في اتجاه العلوم الرفيعة العصرية، مثل التقنيات العالية، وكل ما هو مرتبط بها. وهذا الوضع يخلق حاجة لدى الجامعات الكبرى إلى استكمال أعداد الطلاب في المقاعد المحددة لكل واحد من هذه المواضيع، وبالتالي فإنها تخفف من الحواجز الكثيرة التي كان يصادفها الطلاب العرب لمنع دمجهم في تلك المواضيع.

انخراط الأكاديميين العرب في العمل

هذا الارتفاع الحاد في نسبة الحاصلين على الشهادات والمؤهلات الأكاديمية من العرب لا يشفع لهم في سوق العمل، إذ ما يزال العرب يواجهون حواجز جمّة في الانخراط في سوق العمل بشكل طبيعي، وبما يلائم تحصيلهم العلمي والمهني، وأيضا بمستوى رواتب يعادل مستويات الرواتب في ذات الوظيفة والدرجة العلمية القائمة بين اليهود، إذ إن الفجوات صارخة جدا في هذا المجال.

وقد عرضت صحيفة "ذي ماركر" مؤخرا نموذجا لهذه الحالة في موضوع هندسة البناء.

وبحسب التقرير، فإن نسبة الطالبات من إجمالي طلاب هندسة البناء تصل إلى 30%، و9% من طالبات هندسة البناء هن من الطالبات العربيات. وتقول د. وفاء الياس، رئيسة قسم هندسة البناء في كلية الهندسة الأكاديمية SCE، إن القليل من النساء العربيات يتوجهن لدراسة هندسة البناء، لأنهن يتجهن أساسا نحو أعمال ووظائف نسائية، ومن بينها ما يساعد على الانخراط في مجال التعليم، وعلى الرغم من هذا فإن العدد القليل من الطالبات العربيات اللاتي يتجهن إلى هذا الموضوع يصادفن لاحقا مشاكل في الانخراط في سوق العمل.

وقدمت الياس نموذجا لمهندسة بناء من إحدى القرى العربية، خريجة لقب ثان من أرفع جامعة إسرائيلية للهندسة، "معهد التطبيقات الهندسية- التخنيون" في حيفا، ولها خبرة خمس سنوات في العمل، وهي تتقاضى أجرة 30 شيكل على الساعة، في حين أن أجر الحد الأدنى للساعة بشكل عام هو 28,5 شيكل. وبحسب ما ورد فإن راتبها الشهري يعادل نصف الراتب الذي من المفترض أن تتقاضاه.

ولا ينحصر الأمر في الهندسة فقط، فمثلا قطاع الصيدلة بات تطغى عليه الخصخصة في العيادات الرسمية، وبموازاة ذلك ظاهرة الاحتكار للصيدلة في القطاع الخاص، بشكل بات يُضعف الإقبال على فتح صيدليات خاصة، وهذا أدى إلى انهيار في مستويات الرواتب، ومنها ما يهبط إلى ما يقارب الحد الأدنى من الرواتب. وهذا يفسر هجرة الطلاب اليهود لهذا الموضوع، الذي ارتفعت نسبة العاملين العرب فيه من نسبة هامشية إلى ما يزيد عن 35% من إجمالي العاملين، وهي نسبة آخذة بالارتفاع بشكل دائم، خاصة وأنه حسب تقارير سابقة فإن أكثر من نصف الدراسين لهذا الموضوع في البلاد والخارج هم من العرب.

وهذا نموذج لظاهرة واسعة مترسخة يواجهها الأكاديميون العرب، ففي صيف العام 2017 نشر الخبير الاقتصادي الرئيسي في الحكومة الإسرائيلية تقريرا تبين منه أن ارتفاع مستوى التحصيل العلمي وازدياد أعداد الطلبة في الجامعات بشكل عام، وفي مواضيع التقنية العالية بشكل خاص، لم يساعد الشبان والشابات العرب على الانخراط أكثر في قطاع التقنية العالية. فالخلفية القومية تلعب دورا في هذه الحالة، كما أن العلاقات الخاصة تشكل عاملا، ويضاف لها تفضيل من خدموا في الجيش الإسرائيلي، وبالذات في وحدات متخصصة في الاستخبارات والرصد الإلكتروني.

وبموجب المسح الذي ظهر في تقرير هذا الخبير، فإن نسبة العرب في وظائف مهنية في التقنية العالية بلغت في العام الماضي 1,4% من إجمالي العاملين في القطاع، على الرغم من أن نسبة العرب من القوة العاملة في إسرائيل هي 15,5%، وترتفع إلى 17,4% بعد شمل الفلسطينيين في القدس بموجب قانون الضم الاحتلالي. وهذا يعني أن نسبة انخراط العرب تساوي 0,9% فقط من نسبة انخراطهم في سوق العمل.

وأجرى مكتب الخبير الاقتصادي الرئيسي مسحا بالتعاون مع مكتب مسؤول التشغيل في وزارة العمل والرفاه الاجتماعي. ومن بين نتائج المسح أن الطلاب العرب حققوا في السنوات الأخيرة ارتفاعا في معدلات النجاح في امتحان الدخول للجامعات والكليات الإسرائيلية، المسمى "بسيخومتري" (مقياس القدرة الذهنية)، وخاصة في المستويات التي تؤهل للدخول إلى علوم التقنيات العالية، على الرغم من استمرار وجود فجوة لصالح اليهود. ومعروف أن الطلاب العرب يواجهون صعوبات في هذا الامتحان بفعل اللغة، إذ إن الترجمة العربية ليست بذلك المستوى، عدا عن أن الامتحان يرتكز على مناهج التعليم العبري وليس العربي.

الثلاثاء, أكتوير 23, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية