الوقائع
وصف الرئيس الجديد لحزب العمل الإسرائيلي آفي غباي في نهاية الأسبوع الماضي المشروع الاستيطاني الصهيوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأنه وجه الصهيونية الجميل والمخلص، وقال إن على اسرائيل الاحتفاظ بسيطرتها على غور الأردن ضمن أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين في المستقبل.

وقال غباي في شريط فيديو مسجل أرسله إلى مراسم إحياء ذكرى مرور نصف قرن على احتلال غور الأردن والاستيطان فيه، إنه "عبر السنوات، وبغض النظر عن الحزب الحاكم، أظهر المشروع الاستيطاني الالتزام والعزم والمحبة للبلد".

وخاطب غباي المستوطنين قائلاً: "أنتم رواد أجيالنا، وأنتم مثل الأشخاص الذين عملوا بالرغم من المصاعب وأدوا إلى ازدهار القفر وحققوا المستحيل".
وأكد غباي أهمية الإحتفاظ بالسيطرة الإسرائيلية على غور الأردن لكونه عازل إسرائيل الأمني الشرقي، وبذا كرّر مواقف عبر عنها قادة سابقون لحزب العمل وخاصة إسحاق رابين.

ومما قاله غباي: "بالنسبة لنا غور الأردن كان ولا يزال عازلاً أمنياً لإسرائيل من ناحية الشرق. والأمن يتطلب الاستيطان. لكن أمن الشعب اليهودي في أرضه لا يتطلب الدبابات والأسيجة فقط، بل أيضاً الوحدة الوطنية حول القضايا الحيوية".

وفي نفس يوم تصريحات غباي هذه، وصف رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو منطقة غور الأردن بأنها حزام دفاعي إستراتيجي لإسرائيل، وقال إن إسرائيل لن تتخلى عن السيطرة عليها أبداً.

ومما قاله نتنياهو: "لدى غور الأردن أهمية أمنية عليا لدولة إسرائيل. الشرق الأوسط غير مستقر وعنيف، وغور الأردن هو حزام دفاعي إستراتيجي للدولة وبدونه سوف يصل المد الإسلامي المتطرف إلى داخل البلد. وطهران وحماس ستكونان هنا. لن نسمح بحدوث ذلك. غور الأردن سيكون دائما جزءاً من دولة إسرائيل".

وجاءت تصريحات غباي حول غور الأردن والمشروع الاستيطاني بعد أيام من قوله في مقابلة مع القناة التلفزيونية الإسرائيلية الثانية أنه لن يقوم بإخلاء مستوطنات من الضفة الغربية ضمن أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين.

وأضاف غباي أنه إذا كان الحديث يدور حول صنع السلام فلماذا يجب أن يتم الإخلاء؟. وأشار إلى أن المصطلحات التي اعتادوا عليها هنا مثل أن صنع السلام يعني الإخلاء ليست صحيحة، وشدّد على أنه عندما يتم صنع السلام يمكن التوصل الى حلول لا تلزم الإخلاء.

وقبل هذه المقابلة قال رئيس حزب العمل وتحالف "المعسكر الصهيوني"، إنه يعتبر القضايا الأمنية خطاً أحمر لا يمكن المساومة عليها، وأعرب عن اعتقاده بأنه لا يوجد شريك فلسطيني لمفاوضات التسوية، وأكد "علينا ألا نخاف من العرب، بل يجب عليهم أن يخافوا منا".

وأضاف غباي خلال اجتماع عام لحزب العمل عقد في ديمونة (جنوب إسرائيل)، أن إسرائيل تحتاج إلى أقوى جيش وشدّد على أن إسرائيل يجب أن تكون عدوانية دائماً لأن هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يفهمونه في منطقة الشرق الأوسط. كما شدّد على أهمية التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، قائلاً إن شعوب المنطقة لا تفهم إلا القوة، وأشار إلى أنه "مقابل كل صاروخ يطلق نحونا، يجب أن نضرب 20 صاروخا".

وتابع: "أولا وقبل أي شيء نحن بحاجة إلى فهم شيء بسيط جدا هو أننا الأقوى هنا. نحن خائفون باستمرار لكن نحن الأقوى هنا. ونحن أقوى من العرب، ولا ينبغي لنا أن نخاف منهم بل يجب أن يخاف العرب منا".

ولدى التطرّق إلى القضية الفلسطينية قال غباي إنه لا يعتقد بوجود شريك في الطرف الثاني. وأشار إلى أنه التقى في الأشهر الأخيرة عدداً كبيراً من رجال الدولة والمسؤولين الأمنيين الذين شاركوا في جولات مفاوضات مع الفلسطينيين ووجه لهم السؤال: "هل هناك شريك؟ هل هناك أي شخص يمكن التوصل إلى اتفاق معه؟". وقال إن نصف الذين وجه إليهم السؤال أجابوا أنه لا يوجد شريك والنصف الآخر أجابوا أنه يوجد شريك. وأضاف أن ما أثار دهشته أن الأشخاص الذين لديهم خلفية أمنية قالوا إنه يوجد شريك لكنهم في الوقت نفسه لم يتحمسوا لبذل جهود من أجل التوصل إلى اتفاق.

وقبل هذه التصريحات قال غباي إنه لا يرى في القائمة المشتركة شريكاً محتملاً في أي ائتلاف مستقبلي معه، وأكد أنه ليست هناك أي أرضية مشتركة بين حزبه وهذه القائمة.

وجاءت أقوال غباي هذه خلال ندوة ثقافية عقدت في بئر السبع أشار فيها أيضاً إلى أنه يعكف في الوقت الحالي على تشكيل قائمة ستكون قادرة على التنافس في الانتخابات العامة المقبلة مع حزب الليكود، ونوّه إلى أنه يجب إدراج رجل أمن كبير في مكان متقدّم ضمن هذه القائمة كما يجب ضمان مكان فيها لعضو الكنيست تسيبي ليفني رئيسة حزب "الحركة" شريك العمل في تحالف "المعسكر الصهيوني".

على صعيد آخر أعرب رئيس حزب العمل عن اعتقاده بأن التهديد الإيراني على إسرائيل حقيقي لكن ليس وجودياً. وقال إنه يتعيّن على إسرائيل الاستمرار في ممارسة الضغوط لفرض عقوبات على طهران وأعرب عن أمله في ألا يكتفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالأقوال. وأشار غباي إلى أن على إسرائيل أن تحذو حذو الولايات المتحدة التي انسحبت من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو).

وتعقيباً على ذلك قال عضو الكنيست أيمن عودة رئيس القائمة المشتركة في بيان صادر عنه، إن أقوال غباي نسخة مكررة وبائسة عن أقوال قادة حزب العمل طيلة العقديْن الأخيرين. وأكد أن هذه السياسة أثبتت فشلها فضلاً عن بؤسها الديمقراطي لأن المواطنين يفضّلون الأصل العنصري الواضح لليمين وليس الظل الباهت. وأشار إلى أن من يسعى لنزع الشرعية عن المواطنين العرب وممثليهم يقدم هدية جليلة لليمين ويخدم سياسته بصورة مباشرة.

وأكد عودة أنه صحيح أن حكومة نتنياهو خطرة جداً على مستوى تعميق الاحتلال، والتحريض ضد المواطنين العرب، والنهش بالهامش الديمقراطي، وتعزيز السياسة الاقتصادية النيوليبرالية، لكن هذا لا يعني أن غباي سيحصل على دعم القائمة المشتركة عند رئيس الدولة، بل إن هذا الأمر يتطلب منه مواقف واضحة في قضايا السلام والمساواة والديمقراطية والعدل الاجتماعي، كي نتدارس موقفنا.

وتابع عودة أن حزب العمل عرف دائماً كيف يضرب ذاته ويقوّي اليمين، وأهم الإمكانيات لتغيير الحكم، هو شرعية المواطنين العرب وممثليهم، وهذا ما يفهمه نتنياهو جيداً، وما يجبن غباي عن الاقتناع به. وأضاف عودة أن ممثلي المواطنين العرب ليسوا عبثيين بعملهم السياسي، وهم يريدون انتزاع الإنجازات لشعبهم، ويقومون بذلك حتى في ظل حكومة اليمين، ولكن الأساس في عملهم هو الرؤيا الاستراتيجية المبنية على تحقيق السلام الحقيقي والمساواة القومية والمدنية، والديمقراطية والعدل الاجتماعي لكل المواطنين، وهذه المبادئ هي الموجه الأساس لكل مواقفهم.

من هو آفي غباي؟

ولد آفي غباي لعائلة يهودية من أصول مغربية في شباط 1967، في حي البقعة في القدس، وهو السابع بين ثمانية أشقاء.
وتسرح من الجيش الإسرائيلي برتبة رائد من وحدة التصنت 8200.
في العام 1991 حصل على شهادة البكالوريوس في موضوع الاقتصاد من الجامعة العبرية في القدس، وبعد ذلك حصل على الماجستير في موضوع إدارة الأعمال.

عمل كمركز الطاقم الإعلامي في شعبة الميزانيات في وزارة المالية الإسرائيلية.

في العام 1998 انتقل للعمل في شركة الاتصالات العملاقة "بيزك"، كمساعد لمدير عام الشركة، ثم تم تعيينه نائبا لمدير عام "بيزك" لشؤون الموارد البشرية، وبعد ذلك عُيّن مديرا عاما لـ"بيزك الدولية"، وفي العام 2007 جرى تعيينه مديرا عاما للشركة، وبقي في هذا المنصب حتى العام 2013.
‎في العام 2014 ترأس لجنة تقصي حقائق حكومية حول انهيار خدمات مستشفى "هداسا" في القدس.

وفي العام نفسه انضم إلى حزب "كولانو" (كلنا)، الذي أسسه وتزعمه وزير المالية الحالي، موشيه كحلون، لكن غباي لم يحصل على مكان في قائمة مرشحي الحزب لانتخابات الكنيست.
بعد انتخابات العام 2015 تم تعيين غباي وزيرا لحماية البيئة. ‎

‎استقال من حكومة نتنياهو في منتصف العام 2016 على خلفية معارضته لخطة الغاز وتعيين أفيغدور ليبرمان وزيرا للدفاع مكان موشيه يعلون.

بعد ذلك انضم غباي إلى حزب العمل، وفي الجولة الثانية للانتخابات الداخلية في هذا الحزب، في 10 تموز 2017، تغلب على عضو الكنيست عمير بيرتس وفاز برئاسة حزب العمل. ‎
وأشارت تقارير متطابقة إلى وجود علاقة وثيقة بينه وبين رئيس الحزب السابق إيهود باراك الذي تولى في الماضي منصبي رئيس الحكومة ووزير الدفاع.

‎خلال محادثة هاتفية بادر إليها الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، لتهنئة غباي بالفوز برئاسة "العمل"، قال الأخير، بحسب بيان صادر عن حزبه، إن على الرئيس الفلسطيني لقاء نتنياهو وجها لوجه، والبحث في الشؤون اليومية المشتركة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في سبيل بناء ثقة متبادلة.

وكرر غباي خلال المحادثة الادعاء الإسرائيلي الممجوج بقوله إن أحد المواضيع التي بالإمكان بحثها هو "إخراج كتب التدريس التي تحتوي على مضامين تحريضية من جهاز التربية والتعليم الفلسطيني ومواضيع أخرى، والتقدم مع مرور الوقت إلى محادثات حول قضايا الحل الدائم"، معتبرا أن "السلام لا يُصنع بلقاءات دولية أو بمؤتمرات إقليمية، وإنما يبدأ بخلق ثقة وتقارب شخصي بين الجانبين".

وبرغم ذلك، أكد محللون سياسيون إسرائيليون في ذلك الوقت أن مواقف غباي السياسية غير معروفة للجمهور العريض، لأنه لم يعبر عنها بشكل واضح، خاصة وأنه لم ينتخب للكنيست وتولى منصب وزير لمدة عام واحد فقط.

لكن غباي صرح، خلال مناظرة بينه وبين بيرتس عشية الانتخابات الداخلية في العمل، أنه "لن يدخل إلى حكومة نتنياهو بأي حال من الأحوال. وحزب العمل برئاستي سيكون البديل". وتابع "تذكروا أنني غادرت حكومة نتنياهو. وأنا أعرف من هو نتنياهو. وأعرف ما الذي يوجهه وإلى أين يقود الأمور".

وخلال المناظرة، قال غباي حول حل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، إن "الحل الإقليمي الأساسي واضح لمعظم الإسرائيليين: دولتان لشعبين، من خلال الاحتفاظ بالقدس والكتل الاستيطانية الكبرى تحت السيادة الإسرائيلية، وتبادل أراض، وإنشاء دولة فلسطينية منزوعة السلاح في مناطقهم في الضفة الغربية وغزة".

وأضاف فيما يتعلق بالمستوطنات، أنه يجب "سد كافة قنوات التمويل غير الشفافة من أجل تمرير ميزانيات إلى يهودا والسامرة" (الضفة الغربية).

وحول إمكانية التعاون مع القائمة المشتركة، قال غباي "سيسرني جدا أن نصل إلى وضع يكون فيه المجتمع العربي جزءا من الحكم في إسرائيل. لكن مع القائمة المشتركة كما هي ومع مركباتها الإسلامية وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، لا يمكن تشكيل حكومة".

ورفض غباي إمكانية التفاوض مع حماس، وقال إنها "حركة تريد القضاء علينا. وبالإمكان إجراء مفاوضات معها على أمر واحد، هو تبادل أسرى".

فخ التزلف لليمين لم يبدأ مع غباي

رأت تحليلات إسرائيلية متطابقة أن الهدف من وراء آخر تصريحات أدلى بها رئيس حزب العمل هو خوض حملة لرسم صورة معينة له، تسفر عن جذب ناخبي اليمين، ولذا خرج بتشكيلة تصريحات يمينية، أساسها التنكر للعرب وتأييد المستوطنات في الأراضي المحتلة.

وأعادت بعض هذه التحليلات إلى الأذهان أنه عندما كانت عضو الكنيست شيلي يحموفيتش رئيسة لحزب العمل قالت: "لا أرى في المستوطنات خطيئة ولا جريمة" و"تسمية حزب العمل يساراً هو ظلم تاريخي"، وقال عضو الكنيست إسحاق هيرتسوغ عندما كان رئيساً لهذا الحزب: "علينا التوقف عن إعطاء الانطباع بأننا دائماً نحب العرب".

وبرأي صحيفة "هآرتس" (مقال افتتاحي)، نتيجة هذه التصريحات معروفة هي أيضاً: ناخبو اليمين لا يغريهم السير وراء تقليد سيئ لحزب يميني وظلوا في بيتهم السياسي، بينما يجري استبدال زعماء العمل الواحد تلو الآخر.

وتضيف الصحيفة: "من الغريب أن غباي، الضليع في أساليب الإدارة، لم ينتبه إلى الاخفاقات التي تتكرر، والضرر الناتج عن تصريحاته يتخطى كثيراً المجال الانتخابي. إن غباي، سوية مع رئيس حزب "يوجد مستقبل" يائير لبيد المنهمك في تزلّف لا جدوى منه لجمهور انتخابي يميني - ديني - قومي وهمي، ومع إقصاء سياسي للعرب واليساريين (بما في ذلك ملاحقة منظمات حقوق الإنسان من أجل ربح سياسي)، يمهدان عملياً لنزع الشرعية عن المعارضة لحكم اليمين".

كما تشير الصحيفة إلى أن هرب رؤساء أحزاب المعارضة من "مواقف يسارية" كما لو أنها نار محرقة يساهم في النظر إلى هذه المواقف وكأنها فعلاً كذلك، كما يساهم في القضاء على المعارضة الفكرية لطروحات اليمين وسلوكه. وإذا كان رئيس حزب العمل أيضاً محرجاً من التعبير بصوت مرتفع عن مواقف سياسية يسارية، فمن بإمكانه والحال كذلك أن يعترض على الازدراء الذي يتعامل به اليمين والوسط مع اليسار؟.

وجزمت "هآرتس" بأنه إذا لم يفتح حزب العمل عينيه بسرعة، فإن "المعسكر الصهيوني" وسائر المعارضة يحكمون على أنفسهم بالانقراض والانصهار في اليمين.

 

الخميس, يوليو 19, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية