بقلم: د. إيرز صفدية *

أثار مشروع "قانون الكيرن كاييمت لإسرائيل" (الصندوق القومي لإسرائيل)، الذي أقر في 18/7/2007 بالقراءة التمهيدية في الكنيست، انتقادات واسعة في وسائل الإعلام. وعلى سبيل المثال فقد لخص المقال الافتتاحي لصحيفة "هآرتس" هذه الانتقادات تحت العنوان الصارخ "دولة يهودية وعنصرية"، وفي الرسم الكاريكاتوري اليومي ظهر رسم لصندوق "الكيرن كاييمت" وعليه شعار حركة كهانا (يمينية عنصرية متطرفة).

والسؤال: هل يجب النظر إلى مضمون مشروع القانون، وحقيقة أن المستشارة القانونية للكنيست لم تشطب الاقتراح أو تمنع عرضه للتصويت وكذلك حقيقة أن 64 نائبا أيدوا القانون، على أنه أمر مرفوض ومدان؟! الجواب: ليس بالضرورة. فقد طرح المشروع على الطاولة، من غير مواربة أو تمويه، الدوافع الحقيقية لسياسة الأراضي في إسرائيل. هذه السياسة لا تنسجم مع مبادئ الديمقراطية والمساواة بين المواطنين.

لغاية ما قبل بضع سنوات لم تكن هناك أية ضرورة أو حاجة لقانون من هذا الطراز والذي أقر بالقراءة التمهيدية في الكنيست، فسياسة الأراضي الإسرائيلية تمتعت دوما بمكانة خاصة مكنت الدولة من ممارسة التمييز ضد السكان العرب في مواضيع مصادرة العقارات، وتخصيص الأراضي وحقوق تطوير الأملاك العقارية. وكانت قد شرَعت غداة قيام الدولة مباشرة عدة قوانين أتاحت للدولة نقل أراضي اللاجئين الفلسطينيين بصورة جارفة إلى مسؤوليتها ومصادرة قرابة نصف مساحة الأراضي المسجلة باسم مواطني إسرائيل العرب. قسم من هذه الأراضي بيع بسعر رمزي إلى "الكيرن كاييمت" وقد استهدف ذلك فيما استهدف منع وإفشال أية دعاوي قضائية مستقبلية من جانب اللاجئين الفلسطينيين، وهو ما أدى لمضاعفة احتياطي أراضي "الكيرن كاييمت" .

في العام 1960، وبعد أن أكملت دولة إسرائيل سيطرتها على أراضي العرب بصورة شبه تامة، مبقية لهم أقل من 4% من مجموع الأراضي في الدولة، أعلن عن إقامة "دائرة أراضي إسرائيل"، وهي هيئة مكلفة بإدارة الأراضي المملوكة للدولة؛ وسلطة التطوير المسؤولة عن أراضي اللاجئين و"الكيرن كاييمت لإسرائيل".

وقد تمتعت الأخيرة (الكيرن كاييمت) بمكانة خاصة: فالهيئة التي أقيمت من أجل رسم سياسة "إدارة أراضي إسرائيل"، والمعروفة باسم"مجلس أراضي إسرائيل" يتألف نصف أعضائها من ممثلي "الكيرن كاييمت"، على الرغم من أن نسبة الأراضي التابعة لهذه المؤسسة لا تتعدى 14% من مجموع الأراضي في إسرائيل. هذا الأمر يظهر سخف ادعاء عضو الكنيست أوري أريئيل (رئيس كتلة "الاتحاد الوطني- المفدال" اليمينية الذي يقف وراء تحريك سن "القانون العنصري الجديد") بأن "الكيرن كاييمت" هي "هيئة خاصة". فمجلس أراضي إسرائيل يقف فوق القواعد الديمقراطية للقانون. ورغم أن أعضاء المجلس لا يخضعون للانتخاب، إلا أنه مخول بسن أنظمة ذات نفاذ دستوري، ودون حاجة لمصادقة الكنيست عليها. كل هذه الأمور حولت منذ وقت بعيد سياسة الأراضي الإسرائيلية إلى سياسة خاضعة لمصالح ومبادئ "الكيرن كاييمت"، وبضمنها منح امتيازات في الأراضي لليهود.

ويشكل "مجلس أراضي إسرائيل" و"إدارة أراضي إسرائيل" رأس الحربة في التمييز ضد السكان العرب. إذ تعمل استناداً لقراراتهما لجان قبول في المستوطنات- البلدات- الجماهيرية تضم في عضويتها ممثلين للوكالة اليهودية، بما يؤدي إلى منع دخول العرب. وعلى سبيل المثال فقد ألغى أعضاء المجلس و"الإدارة"عطاء في حي "جفعات مخوش" في "كرميئيل" (الجليل) نظراً لأن بين الذين رسا عليهم العطاء مواطنين عربا. وتعمل تحت سلطتهما ما يسمى بـ "مديرية البدو" التي تنكل بالبدو في النقب وتقوم بهدم بيوتهم لإجبارهم على سحب مطالبهم في الأراضي، وفي مدينة يافا وظفت مؤخراً جهود كبيرة من أجل إخلاء السكان العرب في حي "العجمي" وهذه قائمة جزئية فقط.

هذا الترتيب المريح الذي يسن بموجبه الكنيست الإسرائيلي قوانين ظاهرها المساواة، تحت غطاء الديمقراطية، فيما تقوم "إدارة أراضي إسرائيل" بدعم من "مجلس الأراضي" و"الكيرن كاييمت" بتطبيق سياسة تقوم على التمييز، كان بمثابة تقاسم أدوار مريح ضد فكرة أو "حلم" الدولة اليهودية والديمقراطية، وذلك إلى أن صدر حكم " قعدان- كتسير" الذي نص على أن مبدأ المساواة ينطبق على كل جهة تعمل باسم الدولة أو من طرفها، ومن ضمن ذلك "الكيرن كاييمت" والوكالة اليهودية.

هذا الموضوع أثير بحدة أكبر في الالتماس الذي قدمته منظمات حقوقية ضد "إدارة أراضي إسرائيل" على خلفية قضية إلغاء عطاء تسويق الأراضي في "كرميئيل" والتي تديرها- أي الأراضي المطروحة للتسويق- مؤسسة "الكيرن كاييمت".

في ضوء تقويض "الترتيب المريح" طرحت عدة اقتراحات استهدفت الإبقاء على سياسة التمييز. ففي المناقشات التي دارت حول الدستور المستقبلي لإسرائيل، اقترحت البروفيسورة (روت) غابيزون بأنّ "تخصيص الأراضي يجب أن يراعي أنماط حياة المجموعات والطوائف المميزة" بمعنى أنه سيكون بالإمكان تخصيص أراض لإقامة بلدات لليهود فقط، ولكن ليس لليهود فقط. لجنة "غديش" التي بحثت في إجراء إصلاح في مجالات الأراضي اقترحت من جهتها خصخصة أراض حضرية وهذا يعني أن "صاحب المال"، وهو غالبا يهودي - ولكن ليس دائما- هو الذي يمكن له أن ينعم بالأرض.

غير أن كنيست إسرائيل كان أكثر وضوحا وحسماً، إذ أنه كشف بتأييده لمشروع "قانون الكيرن كاييمت" الحقيقة: لا توجد إمكانية بأن تكون إسرائيل دولة ديمقراطية وفي نفس الوقت دولة يهودية... فقد حانت ساعة الاختيار، وقد اختار الكنيست: من الأفضل أن تكون إسرائيل دولة يهودية على أن تكون دولة ديمقراطية .

فأهلاً وسهلاً بإسرائيل في أسرة دول... الأبارتهايد!

___________________________________________

* محاضر في موضوع سياسة الأراضي في الكلية الأكاديمية "سابير". هذا المقال ترجمة خاصة بـ "المشهد".

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

آخر المقالات

وسائل إعلام إسرائيل: عشرات الآلاف تظاهروا في مختلف الأماكن مطالبين نتنياهو بالاستقالة

ما هي أبرز وجهات إسرائيل في الوقت الحالي؟

(*) تومئ جلّ مواد هذا العدد من "المشهد الإسرائيلي" إلى وجهتين تسير إسرائيل نحوهما وبرهنت عليهما وقائع الأيام الأخيرة، وسيتعيّن علينا أن نتعقبهما باستمرار في قادم الأيام.
الوجهة الأولى، انخفاض شعبية رئيس الحكومة الإسرائيلية وزعيم اليمين بنيامين نتنياهو، وهو ما أمكن استخلاصه من اتساع نطاق حملة الاحتجاجات على سياسته، بالأساس على خلفية تقديم لائحة اتهام ضده بشبهات فساد وانضاف إليه الفشل الذي منيت به حكومته الخامسة، الحالية، في مواجهة أزمة فيروس كورونا وتداعياتها الصحية والاقتصادية- الاجتماعية، وكذلك من معطيات آخر استطلاعات الرأي العام.

للمزيد
  صواريخ إس 300 الروسية الاستراتيجية وجدت طريقها إلى الملعب السوري في "اللعبة المعقدة".

دراسة جديدة: روسيا باعتبارها تحدياً للأمن القومي الإسرائيلي، هل هي حقاً "نمر من ورق؟"

تشهد العلاقات الإسرائيلية- الروسية حالة من المدّ والجزر تِبعاً للظروف الجديدة التي نتجت عن تدخل الأخيرة عسكرياً منذ العام 2015 في سورية في سبيل سعيها لاستعادة مكانتها ودورها التاريخي كقوة عظمى، وكلاعب مُهم في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما فرض على المستويات السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية إيجاد آليات جديدة للتعامل مع "الزائر الجديد" للمنطقة؛ آليات تضمن لها الاحتفاظ بحرية الاعتداء العسكري على سورية وغيرها كجزء من سعيها المتواصل لامتلاك أدوات القوة في رسم المسار الإقليمي ومواجهة إيران وحلفائها في المنطقة التي ترى فيهم إسرائيل خطراً حقيقياً على "أمنها القومي"؛ هذا التصنيف نرى تجلّياته بوضوح في الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة والمُتصاعدة على الأراضي السورية منذ اندلاع الأزمة فيها العام 2011.

للمزيد

تقرير "عالم مقلوب": جهود أهالي برقة لاسترداد أرضهم تصطدم بعنف المستوطنين وتواطؤ الجيش!

أصدرت منظمة "يش دين" ("يوجد قانون") لحقوق الإنسان، حديثاً، تقريراً بعنوان "عالمٌ مقلوب: نضال أهالي برقة لاسترداد أرضهم التي كانت عليها مستوطنة حومش"، عرض أولاً تمهيداً تاريخياً لـ"المستوطنة" على أراضي برقة، متشابكاً مع الحالةِ القانونيّة، سواء كـ"مستوطنة عسكريّة أمنيّة" ثمّ تحوّلها لـ"مستوطنة مدنيّة". وناقشَ التبعات القانونيّة لهذا التحوّل وعدم شرعيّتهِ قانونياً، وانعكس ذلك في خطة الإخلاء ضمن "فك الارتباط" في عام 2005، لصالحِ الفلسطينيين وأصحاب الأرض.

للمزيد
الثلاثاء, أكتوبر 27, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية