المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 9

تزداد يومًا بعد يوم التقديرات في إسرائيل بأن الانتخابات المقبلة لن تفضي إلى تغيير حقيقي، مهما تكن نتيجتها. 

وتعود أسباب هذه التقديرات إلى القضايا الخمسة التالية:

أولًا، لكون أحزاب المعارضة، في معظمها، غير منشغلة بطرح رؤية طويلة الأمد لإسرائيل في الشرق الأوسط، وبحسب أحد التحليلات فإن هذا الانشغال يستلزم قبل أي شيء الإجابة عن السؤال: إلى أين تصل تطلعات إسرائيل؟ هل تتجه نحو استمرار الحرب مع الفلسطينيين والإقليم أم نحو السلام معهم؟ وإذا كانت تتجه إلى الحرب، لماذا؟ وإذا كانت تريد السلام، فكيف يمكن تحقيق هذا الهدف؟ ويؤكد هذا التحليل، والذي كتبته أستاذة جامعية إسرائيلية هي كسينيا سفيتلوفا، كانت في السابق عضوًا في الكنيست، أنه يتعيّن على الرأي العام في إسرائيل المطالبة بإجابات واضحة وفهم ما ستكون عليه سياسة الحكومة الإسرائيلية المقبلة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، وفي سورية ولبنان وإيران ودول الخليج.

ثانيًا، تشير سفيتلوفا إلى أن نفتالي بينيت، رئيس تحالف "بياحد" ("معًا")، كان أحد القلائل الذين عبّروا بوضوح نسبي عن موقفهم من القضية الفلسطينية، حيث قال إنه يتعيّن على إسرائيل السيطرة على مناطق ج في الضفة الغربية في نهاية المطاف (ولم يوضح ما إذا كانت ستضم هذه المناطق أيضًا، وهي تشكل نحو 60% من الضفة الغربية، وهي خطوة ستؤدي بالتأكيد إلى أزمة دبلوماسية مع معظم دول العالم)، بينما سيتعيّن على الفلسطينيين الاكتفاء بالسيطرة المدنية على مناطق أ و ب. ولكن ماذا عن الآخرين؟ ما الهدف النهائي الذي تريده إسرائيل، وتحتاج إلى الوصول إليه، لنفترض، بعد عشرة أعوام؟ هل يتعلق الأمر بالانفصال عن الفلسطينيين في إطار رؤية الدولتين؟ أم بالطرد الجماعي للفلسطينيين من قطاع غزة والضفة الغربية، في الوقت الذي لا يزال هناك في أحزاب اليمين مَن يستمر في الحلم بالطرد، وبينهم عوفر فينتر. ووفقًا لوزير الدفاع يسرائيل كاتس، فإن "الجيش الإسرائيلي مستعد، في حال صدرت التعليمات بالقضاء على حماس، لإتمام المهمة، ولكي نتمكن أيضًا من تنفيذ خطة الهجرة".

ثالثًا، يرى تحليل آخر أن السؤال المركزي في الحملة الانتخابية هو: مَن سيستطيع استبدال رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو؟ في حين أن السؤال الذي يكاد لا يُطرح هو: مَن سيحلّ محله وما هي السياسة البديلة التي ستسير إسرائيل وفقها في حال لم يعُد الليكود هو من يقودها؟ وبموجب هذا التحليل لم يطرح حتى الآن أي بديل استراتيجي حقيقي، لا سيما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، على الرغم من أن ما لحق بإسرائيل يوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 "أثبت أن القضية الفلسطينية شديدة الأهمية"، على حدّ تعبير كاتب التحليل وهو المؤرخ آفي شيلون. 

ويشير شيلون إلى أن المنظومة السياسية الإسرائيلية، بكل أطيافها تقريبًا، تقترح التركيز فقط على ضمان الأمن، غير أنه لا يمكن خوض القتال على جميع الجبهات إلى ما لا نهاية، لا من حيث التكلفة الاقتصادية، ولا من حيث التكلفة الإنسانية بالتأكيد، فضلًا عن أن التسويات السياسية هي أيضًا "مفتاح لحلّ قضايا أُخرى، مثل: تجنيد الشبان اليهود الحريديم، الذي لن يكون ضروريًا عندما تنتهي الحروب؛ والاستثمار في التربية والتعليم؛ ومكافحة الجريمة في المجتمع العربي، وغيرها من القضايا التي ستبقى مهمشة إذا ما استمر تركيز ميزانية الدولة على الأمن وحده".

رابعًا، لوحظ أن هناك تركيزًا على ما تشهده الضفة الغربية من ممارسات الجيش الإسرائيلي وعنف المستوطنين وما تثيره هذه الممارسات من ردات فعل في العالم ولا سيما في أوروبا. 

ورأى ميخائيل ميلشتاين، وهو خبير في الصراع مع الفلسطينيين من "مركز موشيه ديان" في جامعة تل أبيب، أن ردات الفعل في أوروبا ولا سيما الأزمة التي تطورت في الفترة الأخيرة مع بريطانيا تكشف نقطتَي عمى لدى إسرائيل: النقطة الأولى تتعلق بجوهر المشكلة، حيث أن العالم منشغل أيضًا بتصاعُد العنف اليهودي في الضفة الغربية، الذي يترافق مع عجز قوات الأمن عن التصدي له، وبدعم صامت من أعضاء في الائتلاف الحكومي، لكن الانتقاد أوسع من ذلك، ويطاول، من بين أمور أُخرى، الدعم المطّرد في الخطاب السياسي والعام داخل إسرائيل لرفض الأفكار المتعلقة بأيّ تسوية سياسية مع الفلسطينيين رفضًا مطلقًا، والتمسك بتسريع مشروع الاستيطان، إلى جانب تطبيع مفاهيم وأهداف كانت في السابق مرتبطة بعناصر متطرفة في اليمين، وأصبحت اليوم أجندة شبه رسمية. أمّا نقطة العمى الثانية، فتتعلق بالصراخ غير المقنع بشأن الضرر الذي تسبّبه "حفنة" من العنيفين؛ إذ أدرك العالم منذ وقت طويل، وكذلك قلّة من الإسرائيليين، أن جوهر السياسة الإسرائيلية يقوم على تشجيع ما يفعله المستوطنون، وفي الوقت نفسه إظهار "الصدمة" من تصاعُد العنف وتدهور صورة إسرائيل.

ويخلص ميلشتاين إلى أن ردات الفعل في إسرائيل على الانتقادات الموجهة إليها تنطوي على إنكار للواقع، ولا تتضمن أيّ محاولة لـ "تقصّي المشكلات العميقة التي يجسّدها تفاقُم الأزمة مع العالم، ولا سيما الإدراك أن هذه الردود لا توقف التدهور في مكانة إسرائيل الدولية، وأن موجة الضغط الدبلوماسي العارمة مرشحة للتفاقم". كما يشير إلى أنه يمكن تأييد التوسع غير المحدود في الاستيطان في الضفة الغربية، ورفض أيّ نقاش بشأن تسوية مع الفلسطينيين، وقبول الإرهاب اليهودي في الضفة الغربيّة باعتباره أمرًا عاديًا، لكن من المهم أن ندرك بواقعية ما هي صورة الدولة التي يُتوقع أن تولد من هذا الواقع وتكون عناصرها الرئيسة ما يلي: بيت بلا جدران يفصل بين شعبين يعاديان بعضهما، ويتمتعان بمكانة مدنية مختلفة؛ دولة معزولة في المنطقة ومنبوذة في العالم، تحرّكها رؤية دينية - قطاعية، وذات طابع ديني بارز، تدير حروبًا أبدية، بينما تتفاقم داخلها الانقسامات بشأن الأهداف والقيم. 

خامسًا، على سيرة العمى الإسرائيلي الآخذ بالاستفحال على أعتاب الانتخابات، يستنتج الناشط اليساري ديفيد زونشاين بأن هوَس المعارضة الإسرائيلية بشخصية بنيامين نتنياهو يُنتج عمىً سياسيًا خطِرًا. وبرأيه يتدفق الجمهور الليبرالي ـ الصهيوني إلى صناديق الاقتراع، المرة تلو الأُخرى، بإيمانٍ يكاد يكون دينيًا بأن إزاحة رئيس الحكومة من منصبه هي شرط ضروري وكافٍ للبدء بـ"الإصلاح العميق". وهذه اللازمة "أولًا نُغيّر، ثم نُصلح" هي بمثابة قفز فوق جوهر المشكلة، وهي أيضًا السبب في أن المنظومة بأكملها تنجرف نحو اليمين، إلى مناطق فاشية ومسيانية. وهو يشدّد على أن الحقيقة المُرّة، التي يرفض كثيرون من المعارضين الاعتراف بها، هي أن نتنياهو سيء جدًا فعلًا، لكنه ليس مصدر الشر الوحيد، واستبداله لن يشفي المرض الذي أوصله إلى الحكم طوال هذه المدة. ويضيف أن نتنياهو هو الرمز وعَرَض من الأعراض، وليس مُسبِّب المرض، فهو يجسّد تطلعات ومخاوف ونظرة أغلبية الجمهور اليهودي في إسرائيل، حيث أنه لم يفرض نفسه على المنظومة، بل إن المنظومة هي من وجدت فيه "القائد المثالي" للحفاظ على أسسها: الحفاظ على التفوّق اليهودي، بحسب ما يتجسّد في القوانين والمؤسسات وأولويات دولة إسرائيل، وتعميق السيطرة على الفلسطينيين، والتهرب من تسوية سياسية ديمقراطية ومتساوية.

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات