المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
الاجتياح الإسرائيلي في البقاع، حزيران/يونيو 1982 (Getty Images)
الاجتياح الإسرائيلي في البقاع، حزيران/يونيو 1982 (Getty Images)

على الرغم من مرور أربعين عاماً على الحرب التي أطلقت عليها إسرائيل اسم "حرب سلامة الجليل" وتحوّلت بعد العام 2006 لتصبح "حرب لبنان الأولى" (صادفت ذكراها في حزيران الحالي)، وعلى الرغم من صدور العديد من كتب حول تلك الحرب، فما زالت هناك معلومات جديدة تتعلق بها يُتاح لها إمكان النشر الآن، ولا سيما من أرشيفات الجيش الإسرائيلي والمؤسسة الأمنية، علماً بأنه لم يكن في مقدور المؤرخين البحث والتقصّي بشكلٍ حرّ في هذه الأرشيفات سوى بعد مرور عشرين عاماً على تلك الحرب.

وأكثر ما يتم الالتفات إليه ويتصدّر الجدل في شأنها هو دور العسكر في إسرائيل، ولا سيما إبان الحروب أو العمليات العسكرية، في التأثير على قرارات الحكومات المنتخبة. وفي ما يخص هذه الحرب ما زال السؤال المطروح هو: إلى أي حدّ كان رئيس الحكومة الإسرائيلية وقت اندلاعها، مناحيم بيغن، ضالعاً في اتخاذ القرارات المرتبطة بها، أم أن تلك القرارات جرى اتخاذها من طرف رؤساء المؤسسة الأمنية وبالأساس وزير الدفاع آنذاك أريئيل شارون، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش رفائيل إيتان، من خلال الالتفاف عليه وعلى الحكومة برمتها؟

وسننمذج على هذا الجدل بمثالين من هذه الحرب:
المثال الأول مأخوذ من كتاب حول عملية اتخاذ القرار في القيادة الإسرائيلية العليا في أثناء "حرب سلامة الجليل" نشر في العام 2017، وهو من تأليف شمعون جولان، من شعبة التاريخ في الجيش الإسرائيلي، يستند إلى وثائق أرشيف الجيش، صدر عن منشورات وزارة الدفاع، وشعبة التاريخ في الجيش الإسرائيلي. في الكتاب اعتراف واضح بأن شارون وضع أهدافاً للحرب منذ بدايتها ومضى نحو تنفيذها حتى من دون انتظار موافقة الحكومة، وربما رئيس الحكومة، عليها.

وفقاً لهذا الكتاب كان الدافع الأهم لتلك الحرب هو تدخّل إسرائيل في الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، بالإضافة إلى تدمير "الوجود الفلسطيني المُسلّح" الذي كان متموضعاً في لبنان ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي أقيمت في أراضي هذا البلد بعد نكبة 1948، وذلك منذ مغادرة المنظمات الفلسطينية المسلحة الأردن العام 1970. ويشير إلى أنه في مطلع العام 1976 اتفقت إسرائيل مع حلفائها من القوى اللبنانية على مدّهم بالسلاح، وتدريب ميليشيات تابعة لهم، لكنها رفضت التدخل في الاقتتال الداخلي، وحين سعت سورية للتدخل في الحرب الأهلية في العام ذاته، وافقت إسرائيل، بعد وساطة أميركية، على هذا التدخّل كونه جاء لدعم حلفائها، وضد الفصائل الفلسطينية والوطنية اللبنانية، وجرى وضع "خط أحمر" توافق بموجبه إسرائيل على وجود عسكري سوري في المناطق الواقعة إلى الشمال من خط صيدا- حاصبيا، في مقابل إقرار سورية بـ"حق إسرائيل في العمل عسكرياً في الجنوب اللبناني بما في ذلك القيام بطلعات جوية". لكن في نيسان 1981 طرأ تغيير تسبب بانهيار هذه التفاهمات، وقام السوريون بنصب بطاريات صواريخ أرض- جو في البقاع مما قلص حرية عمل إسرائيل وقدرتها على العمل ضد الفصائل الفلسطينية. وخلال أيار وحزيران وقعت حوادث تبادل عنيف لإطلاق النار على الحدود الشمالية، شرع الجيش الإسرائيلي في أعقابها بالاستعداد لشنّ حرب في لبنان، حيث خطط الجيش لتنفيذ عملية عسكرية مُعدّة مسبقاً ("عملية أورانيم الكبرى") تشمل إجبار القوات السورية على الخروج من لبنان. وفي آب 1981 عين أريئيل شارون في منصب وزير الدفاع، ورأى أن مجمل المخاطر التي تتهدد إسرائيل من الشمال غير محتملة ولا بد من شنّ عملية عسكرية واسعة (حرب) أهدافها ما يلي: القضاء على القوات الفلسطينية شبه العسكرية، وتصفية ما وُصف بأنها "الدولة العرفاتية" التي قامت داخل لبنان، وإخراج القوات السورية نهائياً من الأراضي اللبنانية، وإعادة الاستقرار إلى لبنان بواسطة فرض سيطرة الحلفاء في هذه الدولة والتوصل معهم إلى معاهدة سلام.

بقي شارون متمسكاً بكل هذه الأهداف على الرغم من أن نص بيان إعلان الحرب، الصادر عن الحكومة الإسرائيلية يوم 6/6/1982، ورد فيه ما يلي: "قرّرت الحكومة: (1) تكليف الجيش الإسرائيلي بمهمة إخراج جميع مستوطنات الجليل من مرمى نيران الإرهابيين المتمركزين، هم وقياداتهم وقواعدهم، في لبنان؛ (2) اسم العملية: سلامة الجليل؛ (3) في أثناء تنفيذ هذا القرار يجب الامتناع عن مهاجمة الجيش السوري إلا إذا قام بمهاجمة قواتنا؛ (4) دولة إسرائيل ما زالت تتطلع إلى إبرام معاهدة سلام مع لبنان المستقل وسط المحافظة على وحدته الإقليمية"!

أمّا المثال الثاني فيتعلق بمجزرة صبرا وشاتيلا. ومعروف أن إسرائيل ما زالت تحاول أن تنفض عن كاهلها أي مسؤولية مباشرة أو حتى أخلاقيـة عن اقتراف هذه المجزرة، بموازاة حرص زعمائها على إبداء "قدر كبير من الاشمئزاز منها"، من دون أن تجد أدنى غضاضة في هذه الانشطاريـة. لهذا الغرض استعانت أيضاً باستنتاجات لجنة تحقيق رسمية لتقصّي وقائع تلك المجزرة والتي اقترفت مباشرة بعد يومين من مقتل بشير الجميّل، وقيام الجيش الإسرائيلي بالانتشار في بيروت الغربية وفرض حصار على المخيمين، ومن أبرزها "عدم العثور على أدلة قاطعة تثبت ضلوع الجيش الإسرائيلي بصورة مباشرة في ارتكاب المجزرة". وحتى الذين ألمحوا إلى هذه المسؤولية حصروا الأمر في مقاربة مؤداها أن عسكر دولة الاحتلال كذبوا على ساستها، ومن أبرز هؤلاء وزير الاتصال في حكومة مناحيم بيغن الثانية التي شنت تلك الحرب على لبنان، مردخاي تسيبوري. أدلى تسيبوري، وهو ضابط عسكري سابق رفيع المستوى تولى الوزارة المذكورة بعد أن شغل منصب نائب وزير الدفاع، شهادات ومقابلات تركزت في قراءة وقائع الحرب، وما دار وراء كواليسها، وكانت أبرزها مقابلة مع صحيفة "معاريف" (8/6/2011).

ولفتت الصحيفة إلى أن السكرتير العسكري لرئيس الحكومة بيغن أكّد، في نطاق مقابلة سابقة أجرتها معه، أن تسيبوري "كان الشخص الوحيد في حكومة بيغن الثانية الذي أدرك أن وزير الدفاع شارون ضلّل الحكومة، وجرّهـا عن طريق الخداع إلى قاع المستنقع اللبناني". وأضاف أن تسيبوري "لم يكف عن التحذير، وملأ الدُنيـا صراخاً وزعيقاً، لكن تم إسكاتـه وتهميشه".

وفي ما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيـلا، كرّر تسيبوري في المقابلة معه ما كان قد قاله لدى إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق الإسرائيلية، وفحواه أنه في صبيحة اليوم الذي ارتُكبت فيه تلقى من المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس" زئيف شيف (الذي اشترك لاحقاً مع محلل الشؤون العربية إيهود يعري في تأليف كتاب حول الحرب على لبنان بعنوان "حرب التضليل") معلومات مفادها أن "ثمة مجزرة تُقترف في صبرا وشاتيلا بعد أن سمحت إسرائيل لميليشيات الكتائب بالدخول إلى المخيمين"، فسارع لنقلها إلى وزير الخارجية إسحق شامير، الذي كان من المقرّر أن يلتقي في ظهيرة ذلك اليوم المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط موريس درايبر. ولدى سؤال شامير، من جانب لجنة التحقيق، عما فعله إزاء موقف كهذا زعم أنه نقل تلك المعلومات إلى الجهات المختصة، لكن تبيّن للجنة لاحقاً أنه لم ينقلها، وبموجب ما ذكر تسيبوري فإنه "تحاشى نقلها فقط بسبب خشيته من أن يتدخـل في شؤون العسكـر".

وبرأي تسيبوري لم يكن شامير الوحيد من بين زعماء إسرائيل في ذلك الوقت الذين تملكهم الذعر من التدخّل في شؤون العسكـر، بمن في ذلك بيغن نفسه، الذي كان العسكر ولا سيما شارون "يتعاملون معه كما لو أنه مجرّد خرقـة"، على حدّ تعبيره، بخلاف الصورة المرسومة له في أذهان الإسرائيليين، وبالتالي كان العسكر أشبه بالسيف المُصلـت على الساسة.

وروى تسيبوري أيضاً أنه عرف قبل شنّ الحرب على لبنان بكثير أن لدى العسكـر مخططات ترمي إلى تغيير النظام السياسي في لبنان، والقضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية، وأنه حذّر بيغن من احتمال إقدام أصحاب تلك الخطط على تنفيذهـا من خلال الالتفاف على الحكومة. وقال إن هذا الأخير استدعى كلاً من رئيس هيئة الأركان العامة، الجنرال رفائيل إيتان، وقائد الفرقة 446 التابعة للمنطقة العسكرية الشمالية اللواء أفيغدور بن غال (يانوش)، لاستيضاح الأمر معهما، ونفى هذا الأخير ذلك جملة وتفصيلاً، وعندما أصرّ تسيبوري على أن المعلومات التي بحيازتـه تستند إلى حقائق لا إلى مجرّد تكهنات، بادر بيغن إلى إخراسه قائلاً: "إن جنرالات إسرائيل لا يكذبـون"! وخلص تسيبوري إلى القول إنه بنظرة ثانية كانت المجزرة والحرب على لبنان عموماً بمثابة أكبر إثبات على أن الجنرالات يكذبـون على المؤسسة السياسية!

 

 

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات