أظهرت جولات الانتخابات الثلاث الأخيرة في إسرائيل أن القوة السياسية للمتدينين المتزمتين الحريديم ثابتة مع اتجاه للتزايد الدائم، ولا تتأثر بأي اهتزازات في الحلبة السياسية، وقد حافظوا على تمثيل كتلتيهم بـ 16 مقعدا في الانتخابات الثلاثة مع فائض من الأصوات، ما يؤكد أن قوتهم سترتفع في كل انتخابات مقبلة. وهذا هو ما جعلهم يحصلون على كل مطالبهم دون جهد زائد. وهم يفرضون أنفسهم على أجهزة المؤسسة الحاكمة، حتى في أزمة الكورونا، حينما ظهر أن الحريديم شكلوا نسبة 40% من اجمالي المصابين، ثلاثة أضعاف نسبتهم بين السكان، بسبب تمردهم على القيود بذرائع دينية، ونجحوا في اسكات الأصوات الغاضبة على جمهورهم.

وفي تلخيص للانتخابات الثلاثة بات بالإمكان القول إنه من الصعب رؤية حكومة إسرائيلية ثابتة مستقبلا، من دون مشاركة كتلتي الحريديم، فتجربة كهذه كانت مرتين في سنوات الألفين، واحدة في العام 2003، وكانت حكومة قلاقل برئاسة أريئيل شارون، استمرت عامين ونصف العام تقريبا، والثانية في العام 2013، برئاسة بنيامين نتنياهو واستمرت أقل من 20 شهرا.

وها هم في حكومة بنيامين نتنياهو الخامسة بشراكة كتلة "أزرق أبيض" برئاسة بيني غانتس، حافظوا على أهم الحقائب من ناحيتهم، فوزارة الداخلية لحزب شاس. أما يهدوت هتوراة، فقد ابدى رئيس التحالف فيه رغبته بالانتقال من وزارة الصحة، التي يسيطر عليها منذ العام 2009 وحتى الآن، باستثناء العامين 2013- 2015، وتولي حقيبة البناء والإسكان، بدعوى أنها مفيدة أيضا لجمهور الحريديم، الذي يحتاج لعدد بيوت جديدة سنويا، أكثر من باقي الشرائح، بفعل نسبة التكاثر الطبيعي لديهم.

والحريديم لم يعودوا كما في الماضي، بحاجة لممارسة ضغوط وتهديدات للحصول على مطالبهم المالية وغيرها، طالما أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يعرف أنهم السند الأكثر ثباتا لاستمرار حكمه، ولذا فهو يضمن أولا رضاهم في كل تشكيلة حكومية، ثم يبدأ توزيع الحقائب والمناصب على الآخرين.

ويختار الحريديم مناصبهم بما يخدم احتياجات جمهورهم، فوزارة الداخلية هي تحت سيطرة شاس في غالبية السنوات، منذ أن ظهر هذا الحزب في العام 1984 وحتى يومنا هذا، وحولها إلى مصدر قوة ميداني في كل حكومة يشارك فيها.

أما يهدوت هتوراة، فإن اختياره لحقيبة الصحة لأنها الحقيبة التي من الممكن أن تكون الأقل تصادما مع الشرائع الدينية، ويسيطر يعقوب ليتسمان على هذه الحقيبة منذ العام 2009، باستثناء العامين 2013- 2015. وحسب تقارير صحافية إسرائيلية، فإن مؤسسات الوزارة تحولت إلى أشبه بمعقل لأحزاب الحريديم التي تشكل تحالف يهدوت هتوراة، الذي له 7 مقاعد.

وفي السنوات الثلاث الأخيرة، فرض الحريديم قوتهم في مسألة تجنيد شبانهم، ونجحوا كما يظهر من اتفاقية الحكومة الجديدة، بفرض املاءاتهم على القانون الذي ما زال قيد التشريع، بشأن فرض الخدمة العسكرية على شبان الحريديم، الذين يرفضون الخدمة لدوافع دينية، رغم مواقفهم اليمينية المتشددة. فهذا القانون الذي وضعت اقتراح صيغته قيادة الجيش، وأقره الكنيست بالقراءة الأولى في شهر تشرين الأول من العام 2018، لاقى معارضة من الحريديم بأن يتم اقراره بصيغته تلك كليا، ووجدوا الليكود وزعيمه إلى جانبهم، رغم المطالبات من قوى سياسية، وعلمانية، بعدم الرضوخ للحريديم.

وتنص اتفاقية الحكومة الجديدة، التي وافق عليها رئيسا أركان أسبقان، بيني غانتس وغابي اشكنازي، من كتلة "أزرق أبيض"، على أن صلاحية تحديد أعداد الحريديم الذين سيتجندون سنويا في وحدة خاصة بهم، أو ضمن ما يسمى "الخدمة المدنية"، تكون بيد الحكومة، فهي التي تقرر سنويا الأعداد، خلافا لما هو قائم في القانون، الذي ينص على جدول أعداد المجندين سنويا، بارتفاع تدريجي. والقصد من هذا، أن الحكومة ستقر سنويا "وفق ما تراه مناسبا"، أعداد المجندين، وأعداد المعفيين الذين سيواصلون جلوسهم في معاهد دينية، ويتلقون مخصصات لضمان دخل لهم لمعيشتهم. وطالما أن القرار سيكون بيد الحكومة، فإن هذا يعني أن كل قرار سيكون منوطا بموافقة كتلتي يهدوت هتوراة الأكثر تشددا في هذه القضية، وأيضا كتلة شاس التي تساند الكتلة الحليفة، رغم أن نسبة أعلى من جمهور شاس يتجند للجيش، أو "الخدمة المدنية.

نتائج انتخابات آذار

رأينا في انتخابات آذار الماضي أن قائمتي شاس ويهدوت هتوراة حافظتا على قوتيهما، وزادتا بالأصوات، وحافظ شاس على مقاعده الـ 9، كما أن يهدوت هتوراة حافظ على مقاعده الـ 7، ولكل منهما كان فائض أصوات، وهذا خلافا لاستطلاعات الرأي، التي تخطئ في كل جولة انتخابية في تقديراتها لقوة هاتين القائمتين. ورأينا أن أصوات يهدوت هتوراة ارتفعت بنسبة 1ر2% خلال قرابة 6 أشهر، وهي نسبة ارتفاع تشابه نسبة التكاثر الطبيعي للحريديم في نصف سنة، وحسب التقديرات الأخيرة، فإن نسبة تكاثر الحريديم تجاوزت في العامين الأخيرين نسبة 4% سنويا، بفعل استمرار معدلات الولادة الهائلة لديهم. وخلافا للنمط المعروف عالميا بين الشرق والغرب، فإنه إذا كان معدل الولادات للأم الواحدة من الحريديم 7 ولادات، فإن المعدل اعلى لدى نساء الحريديم الغربيات (الأشكناز) وهناك نسمع عن ولادات في العائلة الواحدة من 8 و9 وأحيانا يتجاوز العدد 12 ولدا. بينما معدل الولادات لدى نساء الحريديم الشرقيين (السفاراديم) بين 5 إلى 7 ولادات.

ومعروف أن قرابة 95% من أصوات يهدوت هتوراة تأتي من جمهور الحريديم، وهذه كتلة تحالفية تضم حزبين، وفي أحدهما تياران من الحريديم، وهي كتلة ليست مفتوحة على الجمهور الواسع، بل تركز جهدها على جمهور الحريديم، خلافا لحزب شاس الذي يتغلغل بين اليهود الشرقيين، خاصة الشرائح الفقيرة منهم، كما نرى في نتائجه.

ففي انتخابات آذار، أظهر حزب شاس قوة زائدة بحيث استمر في استرجاع جزء من معاقل أصواته في أحياء وبلدات اليهود الشرقيين، الذين فقد قسما كبيرا منهم في انتخابات 2015، بالأساس لصالح حزب "كلنا" الذي كان برئاسة الشرقي موشيه كحلون وتلقى ضربة قاصمة في انتخابات نيسان 2019، إذ خسر 6 مقاعد من أصل 10 مقاعد حصل عليها في العام 2015. وبما أن كحلون انضم لليكود في انتخابات أيلول 2019، فإن جزءا كبيرا من أصوات اليهود الشرقيين، الذين يصوتون بنمط تصويت طائفي، ذهب لصالح حزب شاس الذي عمليا استرد جزءا من أصواته، فيما راح جزء آخر لصالح قائمة حزب العمل في أيلول 2019، حينما كان يتقدم قائمته رئيس حزب العمل الشرقي عمير بيرتس، وشريكته الشرقية أورلي ليفي.

وفي انتخابات آذار 2020 الماضي، حقق حزب شاس زيادة بنسبة 8ر6% في الأصوات، منها نسبة 2% تكاثر طبيعي لجمهور الحريديم في نصف سنة، والباقي استمرار شاس في استعادة أصواته في معاقل اليهود الشرقيين. ففي انتخابات أيلول استعاد قرابة 72 ألف صوت من تلك المعاقل، وفي انتخابات آذار يقدر بأنه أضاف قرابة 17 ألف صوت من هذه المعاقل. وهذا الاستنتاج لمسناه في نمط التصويت في بلدات الجنوب الإسرائيلية، التي فيها نسبة يهود شرقيين عالية، وليس من الحريديم، وقد سجل هناك زيادة بنسبة 4ر4%، في حين خسر حزب العمل قرابة 38% مما حققه في انتخابات أيلول 2019، وكما يبدو بفعل تحالفه مع حزب ميرتس العلماني، ذي الطابع اليساري.

حكومة مريحة للحريديم

التركيبة الجديدة لحكومة بنيامين نتنياهو ستخلو من مقارعة الحريديم، وآخر الأحزاب التي شكلت "مصدر ازعاج" في الحكومة للحريديم، كان حزب "يسرائيل بيتينو" بزعامة أفيغدور ليبرمان. أما في التركيبة الجديدة للحكومة، فإن الليكود وتحالف أحزاب المستوطنين "يمينا" في حالة توافق مع كتلتي الحريديم، ويعتبرونهما جزءا من اليمين الاستيطاني، خاصة وان الحريديم باتوا يشكلون 40% من المستوطنين في الضفة، من دون القدس، وكل هؤلاء المستوطنين هم في مستوطنات في محيط القدس المحتلة.

ومن شبه المؤكد أن كتلة "أزرق أبيض" بزعامة بيني غانتس، التي لوحت بشعارات العلمانية في كل واحدة من جولات الانتخابات الثلاث، ستطوي شعاراتها، وستسعى إلى تعايش هادئ، وحتى ودي مع كتلتي الحريديم خاصة وأنه حسب تقارير صحافية فإن كتلة شاس قدمت ضمانات لبيني غانتس بأنها ستكون داعمة له في حال حاول بنيامين نتنياهو حل الحكومة، قبل أن يصل موعد التناوب وتولي غانتس رئاسة الحكومة. ما يعني أن الحريديم سيشعرون بأجواء مريحة لهم في الحكومة، وخاصة في مسألة قانون تجنيد شبان الحريديم السابق ذكره، كما أنه لن يكون من يعترض على الميزانيات والامتيازات المالية التي تحصل عليها مؤسسات الحريديم الدينية والتعليمية.

مقابل هذا، فإن نسبة تكاثر الحريديم العالية، تضمن لهم في المستقبل القريب زيادة مقعد برلماني إضافي على الأقل كل ثلاث سنوات، وهذا معدل مرشح للارتفاع مع تقدم السنين، على ضوء أن نسبة تكاثر الحريديم حوالي 4%، مقابل 8ر2% للتيار الديني الصهيوني، وحوالي 4ر1% لدى جمهور العلمانيين. أما نسبة تكاثر العرب فهي في حدود 6ر2%.

ونشير إلى أن نسبة التصويت بين الحريديم هي الأعلى وفي حدود 90%، حينما تكون نسبة التصويت العامة 5ر71%. وفي مستوطنات الحريديم نشهد نسبة تصويت تتعدى 90%. وهذا يضيف لقوة الحريديم من مقعد إلى مقعدين إضافيين في كل انتخابات.

وكلما تقدمت السنين سيتحول الحريديم إلى قوة سياسة أكبر، وحينما تشتد قوتهم أكبر فإن مطالبهم ستزداد، إن كان على مستوى المخصصات الاجتماعية لجمهورهم، أو بشأن عدم التساهل في قوانين الإكراه الديني. ففي وضعية التركيبة البرلمانية القائمة، وبشكل خاص تركيبة الحكومة، لا أمل بدفع سلسلة من مطالب العلمانيين: الزواج المدني، تخفيف شروط الحلال في المطاعم ومرافق الغذاء، وفتح المحال التجارية بنسبة أكبر في أيام السبت العبري، ومعها حركة المواصلات العامة، وغيرها من المطالب؛ ما يعني من ناحية الجمهور العلماني أنه مقبل على فترة إشكالية أشد من ناحية قوانين وأنظمة الإكراه الديني، وهذه المرّة بتواطؤ من جانب الذي منحوه أصواتهم، بسبب شعاراته العلمانية، حزب "أزرق أبيض" بزعامة غانتس.

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الخميس, يوليو 02, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية