تدل النتائج النهائية للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، التي جرت يوم 9 نيسان 2019، على أن 62% من الجمهور اليهودي أدلوا بأصواتهم لأحزاب اليمين الاستيطاني، بمعنى تلك الشريكة الأساس لحكومات حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو، وإلى جانبها كتلتا المتدينين المتزمتين الحريديم، وأضفنا لهؤلاء قائمتين لم تجتازا نسبة الحسم، وهما من الحلفاء المضمونين لنتنياهو وحزبه.

من ناحية أخرى، فإن القوة الكبيرة التي حصلت عليها قائمة "أزرق أبيض" تدل على رغبة جمهور واسع في استبدال نتنياهو، إلا أنه لم يجد البديل من القوى القائمة.

والأبرز في هذه الانتخابات أن ثلاث فئات من المصوتين عاقبت في نمط تصويتها خطوة تفكيك ثلاثة تحالفات أقيمت في 2015، من بينها "القائمة المشتركة".

وبعد احتساب الأصوات التي حصلت عليها الأحزاب الشريكة لليكود في الحكم، وهي: "كولانو" (كلنا) و"اتحاد أحزاب اليمين" و"يسرائيل بيتينو" (إسرائيل بيتنا)، يضاف اليها كتلتا الحريديم، شاس ويهدوت هتوراة، وكلها تتمثل في الكنيست، ومعها قائمة "اليمين الجديد" التي لامست نسبة الحسم ولم تجتزها، وقائمة "زهوت" بزعامة موشيه فيغلين، التي حصلت على نسبة 73ر2%، تبين لنا أن 63% من المصوتين اليهود صوتوا لأحزاب اليمين الاستيطاني.

وفي محاولة للتوصل إلى النسبة الأقرب، فإننا لم نحتسب جزءا من أصوات قائمة "أزرق أبيض" التي تضم حزب "تيلم" بزعامة موشيه يعلون، الذي يُعد هو وشركاؤه الأربعة في الحزب ضمن تلك القائمة من اليمين الاستيطاني المتطرف، مثل يعلون ذاته ويوعز هندل وتسفي هاوزر. ولم يتم احتساب هؤلاء ضمن نسبة المصوتين لليمين الاستيطاني، باعتبار أن قائمة "زهوت" قد تكون حازت على مصوتين من خارج هذا المعسكر. وربما بفحص أدق مستقبلي، سيتبين لنا أن النسبة هي أعلى من 63%.

ويشار إلى أنه في هذا الاحتساب تم أيضاً خصم أصوات العرب لأحزاب هذا اليمين الاستيطاني.

مدلولات نسب التصويت

نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة تحمل في طياتها الكثير من المؤشرات إلى تغيرات ديمغرافية وأجواء سياسية تخيم على الشارع الإسرائيلي. فنسبة التصويت كانت في نهاية المطاف 3ر68%. وقد ساهم تراجع نسبة التصويت بين العرب (53%- 54%) في خفض نسبة التصويت العامة. لكن انخفاض نسبة التصويت كانت أيضا في الشارع اليهودي، وهذا ما سيستدعي فحصا معمقا أكثر.

وفي فحص عشوائي سريع، لوحظ تراجع نسب التصويت في المدن الكبرى، التي هي معاقل ما يسمى "اليسار الصهيوني" أو الوسط. وقد تكون لهذا أسباب عدة، من بينها الشعور بالإحباط من أن النتيجة النهائية كانت معروفة. وفي المقابل، رأينا أن نسب التصويت لدى مدن وأحياء الحريديم بقيت على حالها.

وقد رأينا في مستوطنات ومدن الحريديم نسبة تصويت في حدود 85%، مثل مستوطنة موديعين عيليت، ومستوطنة بيتار عيليت، ومدينة بني براك المجاورة لتل أبيب التي فيها 80% من الحريديم، وبلغت نسبة التصويت فيها 77%. كذلك رأينا النسبة مرتفعة في مستوطنات التيار الديني الصهيوني، في حدود 82%. بينما التصويت في مدينة تل أبيب كان أقل من 63%، وفي حيفا كان أقل من 59%.

وفي المجمل العام كانت نسبة التصويت الإجمالية 44ر68%. وهذا يعني أنه إذا كانت نسبة التصويت بين كل العرب في حدود 54%، فإن نسبة التصويت بين اليهود بلغت 71% من سجل الناخبين، الذي يشمل حوالي 11% ممن هم في عداد المهاجرين، أو المقيمين في الخارج بشكل عام.

وحسب التقديرات، فإن 12% من اليهود هم في عداد المهاجرين أو المقيمين لفترات طويلة في الخارج، مقابل حوالي 5- 6% من العرب، ونسبة جدية منهم هم طلاب جامعيون في الخارج.

وبناء على هذه التقديرات، فإن نسبة التصويت بين اليهود الذي كانوا في البلاد يوم الانتخابات بلغت 80%، مقابل 57% من العرب الذين كانوا يوم الانتخابات في البلاد. وهذه الفجوة أسهمت جدا في ضعف تمثيل فلسطينيي الداخل بحوالي 4 مقاعد.

تفكيك تحالفات والتصويت لكتلتين

لأول مرّة منذ العام 1996 باتت في الكنيست كتلتان تفوزان بالأغلبية المطلقة من المقاعد البرلمانية. لليكود 36 مقعدا، ولكتلة "أزرق أبيض" 35 مقعدا، بمعنى 71 مقعدا من أصل 120 مقعدا. وحتى العام 1996 كان يحقق الحزبان الأكبران العمل والليكود الأغلبية المطلقة من المقاعد؛ 66 مقعدا في 1996، وفي العام 1992 كان العدد الإجمالي 76 مقعدا. وفي سنوات سبقت كان يتراوح عدد مقاعد الحزبين مجتمعين ما بين 82 إلى ما يزيد عن 90 مقعدا من أصل 120.

وقد يكون هذا مؤشرا إلى رغبة الجمهور في التصويت للكتل الكبيرة. ففي هذه الانتخابات تم تفكيك ثلاثة تحالفات انتخابية كانت لثلاث شرائح من ذوي حق التصويت.

وكانت أولى عمليات التفكيك تحالف "المعسكر الصهيوني"، الذي كان يضم حزب العمل وحزب "الحركة" بزعامة تسيبي ليفني. وقد حصل هذا التحالف في الانتخابات السابقة العام 2015، على 24 مقعدا، من بينها 19 مقعدا لصالح حزب العمل الذي حقق أعلى نتيجة له منذ العام 1999.

وقد بادر لتفكيك هذا التحالف رئيس حزب العمل آفي غباي، حينما أظهرت الاستطلاعات أن التحالف سيحصل على ما بين 12 إلى 14 مقعدا. وألقى غباي باللوم على شريكته ليفني، فبادر إلى تفكيك التحالف. ولم تنجح ليفني في إيجاد شريك جديد لها، فاختارت مغادرة المنافسة البرلمانية واعتزال الحياة السياسية.

في المقابل هبط حزب العمل مباشرة إلى ما دون حاجز 10 مقاعد في استطلاعات الرأي، ليحصل في نهاية المطاف على 6 مقاعد، وحقق الأخير منها بفعل اتفاق فائض الأصوات مع حزب ميرتس. وهذه نتيجة تعد عقابا على تفكيك هذا التحالف.

وعملية التفكيك الثانية كانت تحالف "البيت اليهودي"، الذي كان يضم ثلاثة أحزاب مركزها الأساسي في المستوطنات. ولم يكن ما يبرر هذا التفكيك، خاصة وأن استطلاعات الرأي كانت تمنح التحالف ما بين 11 إلى 14 مقعدا برلمانيا، بدلا من 8 مقاعد في انتخابات 2015. إلا أن زعيمي التحالف، وزير التعليم نفتالي بينيت ووزير العدل أييلت شاكيد، بادرا للانشقاق، متوهمين أن قوة التحالف بقوتيهما وأنهما لا يريدان سطوة التيار الديني الصهيوني المتشدد دينيا على القائمة. وفي نهاية المطاف عوقب بينيت وشاكيد، اللذين لم يجتازا نسبة الحسم، لا بل لامساها، إذ ابتعدا عنها بنحو 1470 صوتا. كما أن تمثيل هذه التحالف بات 5 مقاعد، هي من نصيب قائمة تحالف "اتحاد أحزاب اليمين"، الذي كان الرهان الأولي عدم اجتيازه نسبة الحسم.

أما التحالف الثالث الذي تم تفكيكه، فهو في القطب الآخر للحلبة البرلمانية، تحالف القائمة المشتركة، الذي ضم 4 أحزاب ناشطة بين فلسطينيي الداخل. وقد بادرت للخروج من التحالف الحركة العربية للتغيير برئاسة أحمد طيبي، ليبدأ جدل واسع النطاق حول موازين القوى، بموازاة مساع متشعبة لإعادة رأب الصدع. ولاحقا جرى إبرام اتفاق بين الحركة الإسلامية الممثلة بالقائمة الموحدة مع حزب التجمع الوطني الديمقراطي، ولم تنجح كل الجهود والمساعي لإعادة بناء القائمة المشتركة. وجرى تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة. وفي نهاية المطاف تم خوض الانتخابات بقائمتين، الأولى "الموحدة- التجمع"، والثانية "الجبهة الديمقراطية- العربية للتغيير"، التي حصلت على 6 مقاعد، مقابل 4 مقاعد للقائمة الأخرى.

وهذا يعني أن هذا التحالف خسر 3 مقاعد ثمينة، ناجمة عن هبوط نسبة التصويت من 62% في انتخابات 2015، إلى نسبة 54% في الانتخابات الأخيرة. وبسبب هبوط نسبة التصويت برزت نسبة التصويت للأحزاب الصهيونية التي وصلت إلى 33%. وحسب التقديرات، فإن الممتنعين عن التصويت في ما لو توجهوا إلى صناديق الاقتراع لكانوا صوتوا إلى واحدة من القائمتين.

نتنياهو يحقق فوزا مزدوجا

حقق شخص بنيامين نتنياهو، ومن ثم حزبه الليكود، في هذه الانتخابات انتصارا مزدوجا. الأول أن حزب الليكود بات القوة التي تتزعم اليمين الاستيطاني من دون منافس، وأن شركاءه عبارة عن فتات كتل صغيرة. وهذا هو المشهد الذي سعى له نتنياهو منذ فترة طويلة، حينما حاول خلال الولاية البرلمانية المنتهية خفض نسبة الحسم، ليعيدها إلى مستوى 2%.

ومن المفارقة أن أول المعترضين على هذه الخطوة كان وزير التعليم نفتالي بينيت وشريكته وزيرة العدل أييلت شاكيد، اللذان اكتويا بنار هذه النسبة، بأقسى مشهد بالنسبة لهما، فقد حرقا ما يزيد عن 138 ألف صوت، وابتعدا عن نسبة الحسم بحوالي 1470 صوتا، كما ذكر سابقا.

والفوز الثاني لنتنياهو وحزبه هو بتشكيل الحكومة المقبلة. لكن على الرغم مما حققه الليكود، فإن حكومته في حال استندت على الشركاء الحاليين، من أحزاب اليمين الاستيطاني المتطرف والمتدينين المتزمتين الحريديم، سيكون مصيرها مرتبطا بكل واحدة من هذه الكتل، وهذا ما قد يهدد بأزمات مستقبلية، على مستوى القضايا الداخلية. وما سيزيد العقبات أمام نتنياهو هو شكل توزيع الحقائب الوزارية الرفيعة، خاصة وأن شخصيات كبيرة في الليكود تطمح للحصول عليها.

ومن الصعب رؤية أن يتجه نتنياهو نحو حكومة واسعة تضم قائمة "أزرق أبيض"، لأنه ليس بحاجة لحكومة كهذه، ستقاسمه فيها القائمة الكبيرة الثانية "كعكة الحُكم". ولهذا فإن الاحتمال الأقوى هو أن يتجه نتنياهو نحو حكومة مع شركائه القائمين في الحكومة الحالية (اقرأ مادة موسعة ص 2).

الحريديم

ليست هذه هي المرّة الأولى التي ينسف فيها المتدينون المتزمتون الحريديم استطلاعات الرأي، فهذا الجمهور ليس مرئيا بالقدر الصحيح في الاستطلاعات. وطوال معركة الانتخابات، وقبلها بأشهر طويلة جدا، تنبأت استطلاعات الرأي بأن يحصل حزب شاس على ما بين 4 مقاعد وحتى 5 مقاعد، ومنها ما بالغ بتوقع عدم اجتياز شاس نسبة الحسم. في المقابل فإن استطلاعات الرأي صدقت مع الكتلة الثانية يهدوت هتوراة، ومنحتها طيلة الوقت 7 مقاعد.

وقد علمت التجربة أن شاس التي تنتشر في أحياء الفقر، لديها أصوات لا تستطيع استطلاعات الرأي الوصول اليها، وعادة هي بحجم مقعد أو أكثر. لكن من العوامل التي ساعدت حركة شاس للحصول على 8 مقاعد، هو انسحاب المنشق عن الحركة إيلي يشاي من المنافسة الانتخابية، ففي انتخابات 2015 نجح في اقتطاع مقعدين كاملين من شاس. كما أن حزب "كولانو" بزعامة الشرقي موشيه كحلون اقتنص هو أيضا في 2015 مقعدين من جمهور مصوتي شاس بالأساس في البلدات والاحياء ذات الأغلبية المطلقة لليهود الشرقيين.

لذا بالإمكان القول إن نتيجة شاس كانت واحدة من مفاجآت هذه الانتخابات بالنسبة لاستطلاعات الرأي العام.

 

 

 

 

 

ملحق المشهد الإسرائيلي يصدر بالتعاون مع وزارة الخارجية النرويجية، محتوى المقالات لا يعكس بالضرورة موقف وزارة الخارجية النرويجية.

الأربعاء, أغسطس 12, 2020

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

للانضمام للقائمة البريدية