المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 11
  • عبد القادر بدوي

تدخل إسرائيل انتخابات الكنيست المقبلة وسط تراجع واضح في الثقة بنزاهة العملية الانتخابية وفي قدرة المؤسسات المنظمة لها على البقاء خارج الاستقطاب السياسي القائم، ففي استطلاع أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في أواخر تموز ومطلع آب، قال نحو 70% من المستطلعين إنهم يرون خطرًا يهدد نزاهة الانتخابات؛ وبلغت النسبة 90.5% لدى اليسار، و76% في الوسط، و66% في اليمين. وبعد شهر واحد، أظهر استطلاع آخر للمعهد أن 59% يتوقعون محاولات غير مشروعة من جهات سياسية إسرائيلية للتأثير في النتائج، فيما رأى 56% احتمالًا لأن ترفض جهات من المعسكر الخاسر النتائج وتحاول تغييرها بالقوة.

وعلى الرغم من ذلك، لا تشير المعطيات المتاحة إلى استعداد لتزوير في صناديق الاقتراع أو إلى خلل بنيوي في آليات عد الأصوات، حيث تؤكد دراسة موسعة أصدرها المعهد الإسرائيلي للديمقراطية حول مخاطر انتخابات الكنيست السادس والعشرين أن سيناريوهات التزوير الواسع أو إلغاء الانتخابات ما تزال منخفضة الاحتمال، إذ. تضع الدراسة مصدر القلق في الاستقطاب السياسي الحاد وتراجع الثقة بالمؤسسات، والخلاف على قواعد المنافسة، إلى جانب حملات التضليل الرقمي وقدرة الأطراف السياسية على تقويض شرعية النتيجة حتى من دون تغيير صوت واحد داخل الصندوق. وعليه، يعد هذا الفارق أساسيًا لفهم الانتخابات الحالية، فالصراع حولها بدأ قبل الاقتراع، وامتد إلى لجنة الانتخابات نفسها ومن ثم المحكمة العليا، إلى جانب القواعد التي تضبط جمع بيانات الناخبين والدعاية السياسية.

الشك ينتقل من "التدخل الخارجي" إلى الخصم الداخلي!

ركز النقاش الإسرائيلي في مراحله الأولى على إيران وحملات التأثير الخارجية والحسابات الوهمية واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في التضليل السياسي، إلى جانب شخصيات فلسطينية قيادية (مروان البرغوثي المعتقل في السجون الإسرائيلية على سبيل المثال)، لكن استطلاعات الأشهر الأخيرة تظهر تغيرًا في ترتيب المخاطر كما يراها الجمهور؛ ففي استطلاع آب، اعتبر 59% أن جهات سياسية إسرائيلية قد تحاول التأثير في الانتخابات بوسائل غير مشروعة، مقابل 51% توقعوا تدخلًا أجنبيًا. وبين اليهود وصلت النسبتان إلى 63% و54% على التوالي، وفي اليسار والوسط يقترب القلق من التدخل الداخلي من ثلاثة أرباع المستطلعين.

وقد وصل هذا القلق إلى مؤسسات الدولة نفسها؛ فقد قام الرئيس إسحق هرتسوغ في تموز الماضي بجمع رئيس لجنة الانتخابات المركزية القاضي نوعام سولبرغ، ورئيس جهاز "الشاباك" ديفيد زيني، وحذر من محاولات داخلية وخارجية للتأثير في الانتخابات. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، عقدت "اللجنة الفرعية للاستخبارات" في الكنيست جلسة مغلقة بمشاركة سولبرغ وزيني لبحث الاستعدادات، وقد تحدث فيها سولبرغ عن مخاطر الانتحال والتضليل والتلاعب بالمعلومات، بينما حرص زيني على الفصل بين الوظيفة الأمنية للشاباك وبين التنافس السياسي.

تكشف هذه النقاشات مشكلة أعمق من التهديدات التقنية، إذ أن المؤسسات المكلفة بحماية الانتخابات نفسها تعمل أصلًا داخل بيئة متنازعة على شرعيتها، لذلك، يتحول القرار التنظيمي بسرعة إلى قضية سياسية، كما حدث في الخلاف حول تطبيق "إلكتور"، ففي 4 آب الماضي، قرر سولبرغ منع أعضاء لجان الاقتراع ومراقبي الأحزاب من نقل معلومات آنية إلى تطبيقات حزبية حول من حضر إلى صندوق الاقتراع ومن لم يحضر، مستندًا إلى اعتبارات تتعلق بالخصوصية. وقد استخدم الليكود وأحزاب أخرى هذه الأدوات في جولات سابقة لتعقّب ناخبيها المحتملين وحث من لم يصوّت منهم على التوجه إلى الصناديق، وقد رد مسؤولون في الائتلاف على القرار بلغة تجاوزت الخلاف القانوني، وظهرت اتهامات بمحاولة "سرقة الانتخابات"، فيما تحرك الليكود تشريعيًا للحفاظ على إمكان استخدام الأداة.

أعادت لجنة الانتخابات لاحقًا إجازة الممارسة بأغلبية 19 مقابل 11، ثم تدخلت المحكمة العليا في 17 أيلول الماضي وحظرت نقل المعلومات عن الناخبين، بعدما رأت أن الممارسة تفتقر إلى أساس قانوني كافٍ وتمس الخصوصية، وقد رد الليكود ووزير العدل ياريف ليفين باتهام المحكمة بالتدخل في المنافسة السياسية، ووصل ليفين إلى القول إن القضاة يؤثرون في نتائج الانتخابات.

شرعية النتائج موضع منافسة مسبقة

يفصّل معهد الديمقراطية بين تغيير نتيجة الانتخابات فعليًا وبين إضعاف ثقة الجمهور بها، ويمكن للمسار الثاني أن يتقدّم حتى إذا جرى الاقتراع والفرز من دون خروقات واسعة، لكن، تكرار الحديث عن "سرقة الانتخابات"، وتصوير القرارات القضائية كانحياز حزبي والطعن المسبق في حياد الجهات المنظمة، كلها تبني لدى الجمهور تفسيرًا جاهزًا للخسارة قبل ظهور النتائج.

وهنا، تظهر استطلاعات الرأي العام أن هذا الاحتمال أصبح حاضرًا في المخيال السياسي الإسرائيلي؛ فاعتقاد 56% بوجود احتمال أن يرفض الطرف الخاسر النتائج لا يعني أن هذه النسبة تستعد للمشاركة في رفضها، لكنه يعكس مستوى مرتفعًا من الشكّ في سلوك الخصم وفي قدرة النظام السياسي على احتواء الهزيمة الانتخابية، وحتى في اليمين، حيث تنخفض المخاوف مقارنة باليسار والوسط، ما يزال أكثر من نصف المستطلعين يرون احتمالًا لمثل هذا السيناريو.

من ناحية ثانية، تضيف التكنولوجيا مساحة أخرى لهذا الصراع؛ فقد حذرت المديرة العامة للجنة الانتخابات منذ مطلع العام من صعوبة التعامل مع كميات هائلة من المواد السياسية التي يمكن إنتاجها ونشرها باستخدام الذكاء الاصطناعي، في وقت تملك فيه اللجنة صلاحيات محدودة قياسًا بسرعة انتشار المحتوى الرقمي، كما أنشأت لجنة الانتخابات و"الشاباك" فريقًا مشتركًا للتعامل مع حملات التأثير الخارجية، كما بحث الكنيست إلزام الحملات بالكشف عن المواد التي تعتمد تقنيات التزييف العميق، ثم أقر في تموز الماضي قواعد تلزم بالإفصاح عن مواد دعائية معدلة أو منتجة رقميًا.

كما لا يقتصر تأثير التضليل على إقناع الناخب بتغيير موقفه، حيث يمكن لحملة رقمية أن تستهدف الثقة بالإجراء الانتخابي نفسه من خلال نشر معلومات مزيفة حول إغلاق صناديق أو تغيير ساعات التصويت أو تزوير عمليات الفرز، وقد عرض معهد الديمقراطية في أحد سيناريوهاته نموذجًا يجمع بين معلومات زائفة عن إغلاق صناديق في بلدات عربية في الداخل واحتجاجات متزامنة تحت شعارات تتحدث عن "حماية الديمقراطية" و"سرقة الانتخابات"، بما يحول التضليل إلى عنصر قادر على إنتاج أزمة سياسية ميدانية.

الانتخابات تختبر الثقة بالمؤسسات؟

تجري انتخابات 2026 بعد سنوات من الصراع على الجهاز القضائي، والخلاف على حكومة نتنياهو، والحرب التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول، والنزاع حول المسؤولية عن الإخفاقات التي سبقتها وتلتها. لقد دفعت هذه السنوات مؤسسات كانت تؤدي دور الحكم بين الأطراف إلى داخل المواجهة السياسية، وأصبحت المحكمة العليا هدفًا مباشرًا لحملة اليمين، كما تعرضت أجهزة إنفاذ القانون والمستشارة القانونية ولجنة الانتخابات لضغوط واتهامات متبادلة. لذلك، يجد أي قرار انتخابي نفسه سريعًا داخل هذا الصراع الأوسع.

لا يتوزع انعدام الثقة بالتساوي أو للأسباب نفسها، فاليسار والوسط يخشيان من تدخل الحكومة أو الائتلاف في قواعد المنافسة، بينما يميل جزء من اليمين إلى تصوير المحكمة والمؤسسات القانونية باعتبارها جهات قد تعرقل إرادة الناخبين. وفي الوقت نفسه، يخشى الطرفان التدخل الخارجي، لكن كل معسكر يحمل تصورًا مختلفًا للمصدر الداخلي الذي يهدّد العملية. وبالتالي، فإن هذه الفجوة تفسّر، بدرجة معقولة، كيف يمكن لغالبية واسعة من الإسرائيليين الاتفاق على وجود خطر يهدّد نزاهة الانتخابات من دون أن تتفق على هوية الجهة التي تمثله.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إن الانتخابات المقبلة ستختبر قدرة النظام الإسرائيلي على إنتاج نتيجة تحظى بقبول المعسكر الخاسر في مجتمع تراجعت فيه الثقة بالمؤسسات وبالخصوم السياسيين في الوقت نفسه. ومن الناحية الإجرائية، ما تزال آليات التصويت والفرز مستقرة نسبيًا، ولا تقدم المعطيات الحالية أساسًا للحديث عن تزوير واسع متوقع، أما سياسيًا، فقد أصبحت شرعية الجهات التي تدير هذه الآليات نفسها موضع نزاع.

المصطلحات المستخدمة:

الليكود, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات