المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • كلمة في البداية
  • 9
  • برهوم جرايسي

تواصل استطلاعات الرأي العام الإسرائيلية بث توقعات تقلّل من وزن كتلتي اليهود الحريديم البرلماني في ولاية الكنيست المقبل، وبشكل خاص الانتقاص بشكل حاد من قوة حركة شاس للمتدينين المتزمتين (الحريديم) الشرقيين، من 11 مقعدًا في الانتخابات السابقة، التي جرت يوم 1 تشرين الثاني 2022، إلى 7 مقاعد، وهذا في الغالبية الساحقة من هذه الاستطلاعات، في الأسبوعين الأخيرين، على وجه التحديد، إلا أنه مع الأخذ بعين الاعتبار الواقع الديمغرافي للحريديم، بتكاثرهم بنسبة أكثر من 2.5 ضعف من نسبة تكاثر السكان عامة، وأيضا منهجية التصويت عند جمهور الحريديم، من حيث نسبة التصويت، التي تفوق بنحو 25% من النسبة العامة لغير الحريديم، وأيضا التزامهم بالتصويت لقائمتي الحريديم في العقود الأربعة الأخيرة، يمكن تأكيد أن استطلاعات الرأي العام هذه ليست دقيقة في هذه النتيجة، وكل نتيجة أعلى من شأنها أن تغيّر في واقع تقاسم المعسكرات.

معطيات ديمغرافية

استنادًا إلى تقديرات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، في نهاية العام 2025، فإن عدد الحريديم الإسرائيليين اليوم بات في حدود 1.5 مليون نسمة، من أصل 9.93 مليون نسمة، بحسب آخر تقرير إسرائيلي رسمي لتعداد المواطنين، بمعنى من دون القدس المحتلة والجولان الذين هم بغالبيتهم الساحقة في عداد المقيمين، ولا يحق لهم التصويت للبرلمان الإسرائيلي. ما يعني أن نسبة الحريديم من المواطنين عامة باتت تقفز بقليل عن 15%، كما أن نسبتهم بين اليهود الإسرائيليين وحدهم، باتت في حدود 18.5%. كما يشير التقرير إلى أن عدد الحريديم منذ نهاية العام 2009 وحتى نهاية العام الماضي 2025 قد زاد بنسبة 100%، بمعنى أن الحريديم ضاعفوا عددهم خلال 16 عاما، وهذه معدلات تكاثر تُعد من الأعلى عالميا.

وبحسب الإحصائيات الإسرائيلية الرسمية، فإن نسبة التكاثر في جمهور الحريديم هي في حدود 4%، بينما نسبة التكاثر العامة، التي سجلتها إسرائيل في السنوات الأربع الأخيرة، بما فيها السنة الحالية جزئيا، تتراوح سنويا بين 1% إلى 1.4%، وبضمن هذه النسبة جمهور الحريديم، بمعنى أن نسبة التكاثر لدى الجمهور عامة، من دون الحريديم، أقل من المعدل المذكور.

هذا يعود إلى معدلات الولادة لدى نساء الحريديم، وقالت آخر إحصائية رسمية إن المعدل في العام الماضي كان 6.5 ولادة للأم الواحدة، وهذا يُعد تراجعًا عن إحصائيات قبل سنوات قليلة، حينما كان معدل الولادات للأم في مجتمع الحريديم 7 ولادات وأكثر.

المفارقة هنا، هي أن معدل الولادات لدى المرأة الغربية من الحريديم الأشكناز أعلى بشكل ملموس (من 7 إلى 8 وأكثر ولادات) مما هو عليه لدى المرأة الشرقية في جمهور الحريديم السفاراديم، ما بين 5 إلى 6 ولادات. 

تنعكس نسب التكاثر هذه بشكل واضح على سجل الناخبين، فإذا رأينا أن عدد ذوي حق الاقتراع في الانتخابات التي ستجري يوم 27 تشرين الأول المقبل، قد زاد بنسبة 7.9%، عن انتخابات قبل أربع سنوات بالضبط، فإن من ساهم في هذا الارتفاع هو جمهور الحريديم، الذين بالتالي زاد وزنهم في سجل الناخبين.

نشير هنا إلى أن سجل الناخبين يشمل كل المواطنين المسجلين، بمن فيهم المقيمون في الخارج. وفي انتخابات خريف 2022، كان 9% من ذوي حق الاقتراع مقيمين في الخارج، ومن المتوقع أن تقفز النسبة في الانتخابات القريبة عن 10%، ولا مفاجأة إذا بلغت 11%، أمام تزايد أعداد المغادرين في السنوات الأربع الأخيرة، وهذه النسبة يعلنها مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، قبل أسبوع من يوم الانتخابات.

من جهة أخرى، فإنه نظرًا لارتفاع معدل الولادات لدى الحريديم، فإن نسبة من هم في عمر 18 عاما (السن القانوني للانتخابات) وما فوق، أدنى بشكل كبير جدًا مما هي عليه لدى باقي الجمهور، 48% لدى الحريديم، مقابل نسبة 71% من الجمهور من دون الحريديم، والنسبة العامة لكل المواطنين 69%.

وفي حساباتنا، فإن 10.6% من ذوي حق الاقتراع في سجل الناخبين هم من الحريديم، لكن هذه النسبة ترتفع بشكل ملموس وكبير، في يوم الانتخابات، بفعل نسبة التصويت العالية جدًا لدى جمهور الحريديم، وهي الأعلى، وتتراوح بين 88% إلى 92%، على الرغم من أن هذه النسبة لا نجدها في بلدات ومستوطنات الحريديم، لكن أكثر من 10% من المصوتين اليهود، مارسوا حقهم، في الانتخابات السابقة، خارج بلداتهم ومستوطناتهم. وللدلالة، فإن 8% من أصوات حزب شاس جاءت من نمط التصويت هذا، و6.2% لقائمة يهدوت هتوراة للحريديم الأشكناز.

قوة انتخابية آخذة بالازدياد

كل هذه المقدمات الديمغرافية تقول إن وزن الحريديم في سجل الناخبين قد ارتفع في السنوات الأربع الأخيرة، كما هي الحال من عام إلى عام، منذ ثمانية عقود، وبما أن حوالي 95% من جمهور الحريديم يصوتون للقائمتين الرئيستين، شاس ويهدوت هتوراة، وفقًا لأبحاث سابقة، منها ما تم إعداده في مركز "مدار" الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، فإن القوة الانتخابية لهاتين القائمتين من المفترض أن ترتفع، مع بعض الاستثناءات لدى شاس، وسنأتي عليها.

في آخر جولتي انتخابات جرتا في العامين 2021 و2022، كثر الحديث عن أن أحزاب اليمين الاستيطاني الأشد تطرفًا، الأحزاب الكهانية، ستجرف أصواتًا من جمهور الحريديم، وحتى أن الأمر وصل إلى حد تحذير أحزاب الحريديم لبنيامين نتنياهو من دعمه للأحزاب الكهانية لتقتحم جمهور الحريديم، لكن كل هذه الأحاديث تبددت في نتائج الانتخابات، وهذا ما فحصناه في المستوطنات والبلدات، التي تقريبًا كل سكانها من الحريديم، إذ أن 5% على الأكثر من أصوات الحريديم وصلت إلى خارج القائمتين الأساسيتين، مثل القوائم الكهانية وحزب الليكود وغيرها.

ونبدأ بتحالف يهدوت هتوراة، الذي يضم حزبين في جمهور الحريديم الأشكناز، وفي داخل الحزبين تيارات ومجموعات دينية، فهذا التحالف يرتكز بنسبة 95% على الأقل على جمهور الحريديم الأشكناز، وهو متشدد دينيا أكثر من الشرقيين السفاراديم، وهذا ينعكس، من ضمن أمور أخرى، في الرفض المتشدد للتجند في الجيش، في حين أن حركة شاس لديها استعداد للتوافق مع الخط العام الداعي لتجنيد الحريديم، لكنها تتشدد في الموقف من باب حماية المصالح المشتركة للجمهورين. 

وفي جولتي الانتخابات الأخيرتين، في العام 2021 وبعدها في خريف 2022، كانت قائمة يهدوت هتوراة على حافة المقعد الثامن، وخسرته في الانتخابات الأخيرة بعدد قليل جدًا من الأصوات، لذا فإن استطلاعات الرأي العام تصيب حينما باتت تمنحها في الآونة الأخيرة 8 مقاعد، وهذا الاستنتاج يتعزز أمام حقيقة أن نتيجة هذه القائمة ترتفع في كل انتخابات من حيث عدد الأصوات.

أما في ما يتعلق بحركة شاس، فعند تأسيس هذه الحركة، في مطلع سنوات الثمانين، وفي أول انتخابات برلمانية خاضتها في العام 1984، كانت عنوانا للحريديم الشرقيين، ولكن أيضًا للشرائح الضعيفة من اليهود الشرقيين، وهذا تعزز في الجولات الانتخابية الأولى، التي خاضتها شاس، حتى أنها سجلت في انتخابات العام 1999 نتيجة غير مسبوقة بحصولها على 17 مقعدًا، وكانت تلك نتيجة ذروة، لم تسجلها لاحقًا شاس، إذ خسرت 6 مقاعد في الانتخابات التالية، في العام 2003.

لكن مع تقدم السنين، وتطور اليهود الشرقيين الاجتماعي المتسارع، وهذا أساس ويضاف له الزواج المختلط بين طوائف اليهود، وتقليص مجال التقسيم الطائفي اليهودي، باستثناء الحريديم، فإن قوة حركة شاس تراجعت بشكل كبير بين اليهود الشرقيين، لذا فإن نسبة الحريديم في جمهور ناخبيها باتت النسبة الأعلى، وفي تقديرنا، في الجولات الانتخابية الخمس الماضية، التي جرت بين ربيع 2019 وخريف 2022، فإن بين 75% إلى 80% من أصوات شاس كانت من جمهور الحريديم الشرقيين، والباقي من اليهود الشرقيين، وفي حال حدث تراجع في قوة شاس فإنه بالذات سيتركز بين اليهود الشرقيين من خارج جمهور الحريديم.

استنادًا إلى كل ما تقدم، نستطيع التقدير أن استطلاعات الرأي العام تبالغ في توقعاتها بشأن حجم تراجع حركة شاس، من 11 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة، إلى 7 مقاعد، في استطلاعات الأسبوعين الأخيرين، كما أنه من الصعب رؤية شاس تحصل على كم أصوات يقل عن تحالف يهدوت هتوراة.  

 

تم إعداد هذا العدد من ملحق المشهد الإسرائيلي ضمن مشروع ممول من الاتحاد الأوروبي. ويتحمل مركز مدار وحده، بوصفه المستفيد من المنحة، مسؤولية محتوى هذا العدد، ولا يعكس المحتوى بالضرورة مواقف الاتحاد الأوروبي.

المصطلحات المستخدمة:

الكهانية, سجل الناخبين, الليكود, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات