ينشغل الاقتصاد الإسرائيلي حاليًا بقيمة الشيكل، التي ترتفع بشكل متواصل أمام العملات العالمية، وبشكل خاص أمام الدولار، الذي عاد إلى ما كان عليه قبل نحو 33 عامًا، بهبوطه عن حاجز 3 شيكلات في مقابل الدولار، وهذا على الرغم من أن الاقتصاد الإسرائيلي غارق في أجواء حرب، منذ ما يزيد عن عامين ونصف العام، وقطاعات اقتصادية حيوية مشلولة تقريبًا، وأبرزها قطاع السياحة، والمديونية الحكومية في ارتفاع مستمر، وعادت إلى مستويات ما قبل 16 عامًا وأكثر، من حيث نسبتها من الناتج العام، ورغم كل هذا، فإن الأسعار للمستهلك لا تتراجع، في حين أن المصدّرين يشكون من خسائر حادة، من حيث مردود مداخيلهم بالشيكل، إذ أن 70% من الصادرات الإسرائيلية تباع بالدولار.
بحسب التحليلات الإسرائيلية، التي تسعى لتفسير ظاهرة تعزز قيمة الشيكل، في وقت كان من المفروض أن تشهد انهيارًا، فإن قيمة العملة الإسرائيلية لم تعد تعكس وضعية الاقتصاد، وإنما باتت هي أيضًا بمثابة "سلعة" يتم تداولها في الأسواق المالية، فقد قيل قبل عدة أسابيع إن القفزة الأكبر، التي جرت قبل بضعة أشهر قليلة، في قيمة الشيكل، حدثت حينما أقدمت صناديق تقاعد (ضمان اجتماعي) على تحويل استثماراتها من الدولار إلى الشيكل، وأنها باعت نحو 23 مليار دولار، ويبدو أنه تحسبًا لتراجع قيمة الدولار عالميًا.
وخلافًا لأوقات سابقة، فإن بنك إسرائيل المركزي توقف عن التدخل لمنع انهيار سعر صرف الدولار، كما كانت الحال حتى قبل نحو 16 عامًا، أو أقل، ويقول مسؤول كبير في البنك، للصحافة الاقتصادية، إن البنك قد يقرر التدخل فقط حينما يرى أن نسبة التضخم المالي (مؤشر الغلاء) باتت أقرب إلى الحد الأدنى لمجال التضخم، الذي قررته السياسة الاقتصادية، بمعنى 1%، في حين أن الحد الأعلى المسموح للتضخم 3%، وهو حاليًا في حسابات الأشهر الـ 12 الأخيرة بنسبة 1.9%.
وكان أعلى مستوى للدولار أمام الشيكل قد تم تسجيله في صيف العام 2004، في وقت كان يعاني فيه الاقتصاد الإسرائيلي من ركود وحتى من انكماش، وبلغ سعر الدولار يومها أكثر من 4.8 شيكل للدولار، ولكن هبط في وقت قصير إلى مستوى 4.3 شيكل للدولار، واستقر عليه لبضع سنوات، ثم بدأ بالهبوط مجددًا، في أوج الأزمة المالية العالمية، التي كان مصدرها الولايات المتحدة في العام 2008، وهبط عن حاجز 3.8 شيكل، وتأرجح السعر في عدة فترات، كان آخرها، قبل هذه المرحلة، في العام 2021، حينما هبط سعر الدولار إلى معدّل 3.2 شيكل للدولار.
ومع شن الحرب على الشعب الفلسطيني في تشرين الأول 2023، ارتفع الدولار إلى سعر 3.8 شيكل، وبقي على هذه الحال لبضعة أسابيع، ثم سجل هبوطًا محدودًا وتدريجيًا، إلا أنه منذ مطلع العام الجاري 2026 بدأت وتيرة هبوط حادة، حتى في أوج الحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران وبات عند نهاية الأسبوع الماضي، في محيط 2.9 شيكل للدولار، بمعنى أن قيمة الشيكل قد تعززت خلال الأشهر الـ 12 الأخيرة، بحدود 23%.
حالة لا سابق لها
يقول المحلل الاقتصادي في صحيفة "كالكاليست"، أدريان بايلوت، إن حالة قيمة الشيكل، العينية في هذه الأيام، لا سابق لها من حيث ظروفها المحيطة، "فعلى مدى عشرين عامًا، بقي الشيكل يرتفع، وفي كل مرّة، يُعرب المصدرون عن استيائهم. لكن خلال تلك السنوات العشرين، بدا أن الاقتصاد قد "أدار نفسه بنفسه": فمع أن صادرات السلع في حالة جمود منذ العام 2010، فإن صادرات الخدمات، بقيادة قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهايتك)، استطاعت التعويض. وهكذا أُغلقت المصانع، ونُقل بعضها إلى الخارج، وسُرّح العمال، مع ذلك، على المستوى الكلي، لم يقتصر الأمر على تجاوز الاقتصاد موجات ارتفاع قيمة العملة بدون أي اضطراب، بل تمكن أيضًا من مواصلة النمو".
ويضيف: "لكن هذه المرة تبدو الأمور مختلفة. إذ يُقدّم كبير الاقتصاديين في شركة "ميتاف" خمسة أسباب تُفسّر أن "ما كان هو ما سيكون". أولًا، حجم وسرعة ارتفاع قيمة العملة غير مسبوقين، بنسبة 23% في 12 شهرًا. ثانيًا، يحدث هذا في ظل اقتصاد منهك من ثلاث سنوات من الحرب. ثالثًا، تقلّصت الأدوات المتاحة، وخاصة الأدوات المالية، فارتفاع حجم الدين الحكومي يُعيق اتخاذ إجراءات الميزانية، بينما لا تزال موجة التضخم العالمية تُهدّد الاقتصاد وتُقيّد الحيز النقدي. رابعًا، تلاشت الميزة التنافسية للتكنولوجيا المتقدمة الإسرائيلية، التي حظيت بالتقدير حتى الآن. فالأجور في قطاع الهايتك في إسرائيل، التي كانت أقل بنسبة 20% من نظيرتها في الولايات المتحدة قبل عقد من الزمن، أصبحت الآن أعلى بنسبة 30%. خامسًا، يُهدد الذكاء الاصطناعي الصناعات الإسرائيلية الأساسية تحديدًا: البرمجيات، والترخيص، وخدمات الحوسبة، إذ يحل محل العمل الذي يؤديه المهندسون الإسرائيليون بأجور أعلى بنسبة 30% من نظرائهم الأميركيين".
خسائر الصادرات ماليًا
كان من المفروض أن تكون النتيجة المباشرة لانخفاض سعر الدولار هو خفض أسعار الكثير من السلع المستوردة، أو أن المواد الخام الأساسية فيها مستوردة، إلا أن هذا لم يحدث في السوق الإسرائيلية، وفقط تم لجم ارتفاع أسعار الوقود، وخفض طفيف لبعض أسعار السيارات الجديدة، وفي المقابل، فإن المصدّرين تكبدوا خسائر بالمردود المالي بالشيكل، وصل إلى نسبة 17%.
فقد بيّن تحليل لمكتب الإحصاء المركزي، ونشرته الصحافة الاقتصادية الإسرائيلية، أن الصادرات الإسرائيلية في الربع الأول من العام الجاري تراجعت بنسبة 3% بفعل الحرب، لكن من حيث المردود المالي بالشيكل، فقد وصلت الخسائر إلى نسبة 17%، مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي 2025، وبحسب تقديرات اتحاد الصناعيين، فإن إجمالي الخسائر قرابة 7 مليارات شيكل، التي باتت تعادل، عند نشر هذا التقرير، أقل من 2.4 مليار دولار.
وبحسب التحليل ذاته، فإن الصادرات الإسرائيلية ارتفعت بالدولار بنسبة 2.3%، مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي 2025. مع ذلك، عند فحص الصادرات الإسرائيلية بالشيكل، وهو الرقم الذي يُظهر قيمة الصادرات بالشيكل للشركات، نجد أن الصادرات في الربع الأول من العام الجاري لم تشهد أي زيادة، بل انخفضت بنسبة 11.7%.
بلغت الخسائر المُقدّرة للمُصدّرين (الفجوة بين الصادرات بالدولار والصادرات بالشيكل) 6.8 مليار شيكل في الربع الأول من العام الجاري، حتى قبل انخفاض قيمة الدولار في الأسبوعين الأخيرين.
ويبرز حجم الضرر الناجم عن ارتفاع قيمة الشيكل بشكل خاص، في بيانات شهر آذار، الذي شهد اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وفرض العديد من القيود على الاقتصاد الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، بلغت خسارة الصادرات الإسرائيلية بالدولار نسبة ضئيلة 2.8%، وهو رقم فاجأ الكثيرين إيجابًا، نظرًا للحرب الدائرة آنذاك في إسرائيل.
لكن عند النظر إلى قيمة الصادرات بالشيكل، يتضح أن الخسائر وصلت إلى 17%، وذلك بسبب ارتفاع قيمة الشيكل. ومنذ آذار، تفاقم الوضع ووصلت الفجوات إلى حوالي 20%، مع استمرار انخفاض قيمة الدولار وعدم تباطؤ الإنفاق في إسرائيل.
في سياق متصل بقطاع الصادرات الإسرائيلية، فقد قال تقرير لمكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، في الأيام الأخيرة، إن حجم الصادرات الإسرائيلية بلغ في العام الماضي 2025، ما يلامس 150 مليار دولار (148.8 مليارًا)، بزيادة قدرها 6% تقريبًا، مقارنة بالعام الماضي 2024.
ويتضح من تفاصيل التقرير أن صادرات السلع انخفضت بنسبة 1% تقريبًا، لتصل إلى 56 مليار دولار، بينما قفزت صادرات الخدمات بنسبة 10.5% لتصل إلى 92.8 مليار دولار. ونتيجة لذلك، ارتفعت حصة الخدمات في إجمالي الصادرات إلى 62.3%. وقالت صحيفة "كالكاليست" إن الخلاصة باتت واضحة: لقد أصبحت إسرائيل بالفعل اقتصادًا قائمًا على الخدمات، لا سيما في ما يتعلق بالصادرات.
ومن بين صادرات تبلغ قيمتها حوالي 150 مليار دولار، يُعزى 85.4 مليار دولار، أي ما يعادل 57%، إلى قطاع التكنولوجيا المتقدمة، الهايتك، وهو محرك النمو الاقتصادي الأكبر، لكن هذه النسبة تقترب من 60% عند إضافة الشركات الناشئة والمعاملات في الأصول غير الملموسة. كما أنه في قطاع السلع تمثل الصناعات عالية التقنية (الهايتك) 42% من الصادرات الصناعية، بحيث يمثل تصنيع الرقائق الإلكترونية (18.1 مليار دولار) ثلث إجمالي صادرات السلع. أما في قطاع الخدمات، فتمثل الخدمات عالية التقنية 68%.
وأشار التحليل، أيضًا، إلى أن 70% من الصادرات الإسرائيلية إلى العالم، هي بالدولار، و30% بالعملات الأخرى، أبرزها اليورو، وهذا ما يعمّق خسائر المصدّرين من حيث المردود المالي بالشيكل.
مؤشر الغلاء
أعلن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، في منتصف الشهر الجاري، أي 15 أيار، في تقريره الشهري، أن التضخم المالي في شهر نيسان الماضي سجل ارتفاعًا بنسبة 1.2% وهي النسبة ذاته التي ارتفع بها التضخم في شهر نيسان من العام الماضي 2025، ما يعني استقرار التضخم في حسابات الأشهر الـ 12 الأخيرة.
جاءت هذه النسبة وفق التوقعات انعكاسًا لآثار الحرب على إيران، بدءًا من الارتفاع الهائل لأسعار الوقود بنسبة 15%، في الشهر الماضي، لكن من دون الحرب، كان من المفروض أن تكون نسبة الغلاء أقل بكثير.
بذلك فإن التضخم قد سجل في الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري ارتفاعا إجماليا بنسبة 1.5%، إذ أن التضخم في الشهر الأول سجل تراجعًا بنسبة 0.3%، وفي الشهر الثاني سجل ارتفاعًا بنسبة 0.2%، ثم ارتفع في آذار بنسبة 0.4%، وفي نيسان 1.2%.
وارتفعت في شهر آذار الماضي أسعار الفواكه الطازجة بنسبة 7.8%، والمواصلات بنسبة 4.9%، والثقافة والترفيه بنسبة 3.4%، والملبوسات والأحذية بنسبة 2.4%.
في حسابات التضخم المالي في الأشهر الـ 12 الأخيرة، وهي المؤشر في الحسابات الاقتصادية، قد بقي التضخم عند نسبة 1.9%، كون أن التضخم ارتفع في شهر نيسان من العام الماضي، أيضا بنسبة 1.2%.
ليس واضحًا ماذا سيكون قرار بنك إسرائيل المركزي بشأن الفائدة البنكية، الذي سيصدر، حسب المخطط، يوم 25 أيار الجاري، خاصة أن وتيرة التضخم المالي بقيت أقل مما كانت في العام الماضي، وذلك على الرغم من ارتفاعه في نيسان الماضي بنسبة عالية نسبيًا.