المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 10
  • علي أحمد حيدر

تحيي الجماهير العربية في الداخل بشكل خاص، والشعب الفلسطيني بشكل عام، هذا الأسبوع، الذكرى الخمسين لـ"يوم الأرض" الخالد (1976)، الذي شكّل محطةً مركزيةً ومؤسِّسة في تاريخ الشعب الفلسطيني، وفي مسار تشكّله ونضاله وصموده وبقائه. وتأتي هذه الذكرى هذا العام محمّلةً برمزيةٍ خاصة؛ فعدا عن كونها تُتمّ خمسة عقود على يوم الأرض، فإنها تحلّ في ظل سياقٍ مضطربٍ ومعقّد على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، وعلى الصعيدين الفردي والجماعي.فلا تزال حرب الإبادة ضد الشعب الفلسطيني الصابر والصامد في قطاع غزة مستمرة، وما زال القلق والمعاناة حاضرين بقوة، في ظل استمرار القتل والتجويع والتهجير والحصار، واستيلاء الجيش الإسرائيلي على أكثر من نصف مساحة القطاع.في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشريف، يصعّد الاحتلال ومليشيات المستوطنين الفاشيين- المسيانيين اعتداءاتهم على السكان؛ فيحرقون المنازل، ويعتدون على الأراضي والممتلكات، ويقتلون ويُنكّلون، ويهجّرون السكان يومياً من بلداتهم وقراهم وحقولهم، وذلك بتنسيقٍ أو بدعمٍ من الحكومة الإسرائيلية التي وضعت توسيع الاستيطان وضمّ الضفة الغربية على رأس أولوياتها، من دون رقيب أو حسيب.

أما على مستوى الداخل، فإن اتساع الجريمة المنظمة، وتواطؤ الحكومة والشرطة، وتقاعسهما عن القيام بمسؤولياتهما، قد أدّيا إلى حالةٍ من التخبط وانعدام الأمان الشخصي والجماعي في مختلف البلدات العربية. يُضاف إلى ذلك سياسات مصادرة ما تبقى من الأراضي، وهدم المنازل، وإقامة مستوطنات جديدة بشكلٍ مكثفٍ وجائر، وخصوصاً في منطقة النقب.

تجري هذه الممارسات في ظل وضعٍ مركّبٍ ومعقّد؛ فمنذ ما يقارب ثلاث سنوات، يعيش الشعب الفلسطيني ظروفاً قاسيةً على نحوٍ خاص، لا سيما في قطاع غزة، في ظل ما تعرّض له من حرب إبادة وتجويع وتهجير وقمع. ورغم أن العدوان عرف مراحل متفاوتة من التصعيد والتهدئة، فإن الحرب والمعاناة لا تزالان متواصلتين.

كما اتّسم العدوان على غزة بخصائص خاصة، فإن الاعتداءات الأخيرة على إيران تحمل بدورها ملامح مميزة، ولا سيما الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل معاً في أوج المحادثات الدبلوماسية بين الطرفين. ورغم أن هذا العدوان يناقض المواثيق والقوانين الدولية، ويمثّل خرقاً واضحاً لمبدأ السيادة واستخفافاً بالمؤسسات الدولية، فقد اتّسع ليشمل أطرافاً عدة في المنطقة، ولم يعد محصوراً بإسرائيل والولايات المتحدة وإيران. وقد انعكس ذلك أيضاً على اللاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في مخيمات لبنان، حيث اضطر كثيرون منهم إلى النزوح وترك بيوتهم وأعمالهم، والعيش في ظل تهديدٍ متواصل لحياتهم.

في هذا السياق، تكتسب ذكرى يوم الأرض هذا العام دلالاتٍ وأبعاداً عميقة تمسّ حياة الفلسطينيين أينما وجدوا، وتطرح أسئلةً جوهرية حول كيفية تأريخ مسيرة نضال المجتمع الفلسطيني، وطبيعة العوامل المؤثرة فيها. كما تتيح فرصةً للربط بين فهم الماضي، والتعاطي مع الحاضر، والتخطيط للمستقبل، في ظل ضبابيةٍ متزايدة ناجمة عن عوامل خارجية متعددة، وأخرى داخلية، منها ضعف المؤسسات الوطنية الجامعة، وتراجع المشروع الوطني، وتعدد المرجعيات والرؤى والقيادات.

من هنا، تبرز أهمية إحياء هذه الذكرى، تكريماً للشهداء، وحمايةً للأرض، ووضع لبنةٍ جديدة في مسار بناء الجماعة الفلسطينية وتعزيز تماسكها. كما يشكّل ذلك تحدياً لسياسات السلطة وأذرعها، التي تعمل بشكلٍ منهجي على قمع المجتمع الفلسطيني في الداخل، والاستيلاء على أراضيه وممتلكاته، ومحو ذاكرته الجماعية وخصوصيته القومية والثقافية، من خلال القوانين العنصرية، والممارسات اليومية كالهدم والمصادرة وتهويد الحيّز العام، وفرض أسماء عبرية على الأمكنة والمواقع.

يحضرني في هذا السياق ما قاله الراحل محمود درويش في الذكرى الخمسين للنكبة: "لعلنا لا نحتاج في هذه الذكرى إلى أكثر من معرفة أن للغد علينا حقاً، وأن لنا حقاً في الغد، ولكن الغد لا يولد إلا من الحاضر."

ويحضرني أيضا ما قاله المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، في سياق حديثه عن الذاكرة الجماعية: "إن الذاكرة الجماعية لشعبٍ ما هي إرثه، لكنها أيضاً قوة دافعة يجب تفعيلها... فبدونها نكون في حالٍ من الضياع."

من هنا، تبرز أسئلة ملحّة: هل ندرك حقاً من نحن وإلى أين نتجه، في ظل الوضع المتردّي الذي تمر به القضية الفلسطينية؟ وهل نحن بحاجة إلى مراجعة وسائل وآليات واستراتيجيات نضالنا، للحفاظ على ما هو ناجع وتطوير ما أصبح مكروراً؟ إن هذه المراجعة تبدو ضرورية، بل ملحّة، وتتطلب أيضاً، كما ذكرنا في فرص سابقة، بناء مؤسسات، مثل "مؤسسة يوم الأرض"، تُعنى بترسيخ معاني هذه الذكرى وتنظيم فعاليات مستمرة، بحيث يكون إحياؤها تتويجاً لعملٍ تراكمي على مدار العام. كما تبرز الحاجة إلى إقامة "متحف يوم الأرض"، ليكون فضاءً جامعاً للوثائق والذكريات والصور، يحفظ الذاكرة الجماعية، ويشكّل مركزاً للزوار من داخل البلاد وخارجها للاطلاع على تاريخ نضال فلسطينيي الداخل. كما يترتب علينا، وبالتعاون مع المؤرخين الفلسطينيين، إقامة "الأرشيف الفلسطيني العام"، ليضم الوثائق والصور، من أجل حفظ الذاكرة الجماعية، وتوفير مرجعية موثوقة تتيح مصادر أصيلة للبحث والدراسة وصون الحقوق. بالإضافة إلى ذلك، تبقى القضية المركزية هي إطلاق مشروع عودة لاجئي الداخل إلى قراهم ومدنهم، كخطوةٍ أولى نحو تحقيق حق العودة الشامل. ويتطلب هذا المشروع تخطيطاً جاداً، وقيادةً مؤمنة، وعملاً دؤوباً على أرض الواقع، خاصة أن لاجئي الداخل يشكّلون شريحة كبيرة ويعيشون في ضائقة سكنية خانقة، بالرغم من قربهم من أراضيهم الأصلية. كذلك، ينبغي العمل على بلورة مشروع وطني لاستعادة جزءٍ من الأراضي المصادرة، لا الاكتفاء بالتصدي لسياسات المصادرة.لا شك في أننا نعيش مرحلةً صعبة، لكن بالإمكان فرض معادلات جديدة، إذا ما توفرت الإرادة والإيمان، والمؤسسات القادرة، والقيادة الجماعية الحكيمة، قيادة تعيد الأمل للجماهير، وتحرّكها نحو الفعل، وتوسّع دائرة المشاركة الشعبية. ولنا في الحراك الشعبي الذي انطلق من مدينة سخنين مؤخراً خير دليل على جاهزية المجتمع ورغبته في الفعل وتحمل المسؤولية عن واقعه ومستقبله. ومن هنا، تبرز ضرورة استثمار هذه اللحظة وتوظيفها في مواصلة النضال في القضايا العينية، وعلى رأسها مواجهة الجريمة المنظمة، وربطها بالقضايا الوطنية والسياسية، إذ لا يمكن الفصل بينهما.

وأخيراً، فإن الأرض ليست مجرد جغرافيا، بل إنها وطن وانتماء وهوية. وفي زمنٍ يتكاثر فيه الفقد، وتضيق فيه المسافات بين الإنسان وألمه، ويزداد فيه الاغتراب واللايقين تبقى الأرض، بكل ما تمثّله، أحد أبرز المعاني التي تمنح الوجود ثباته. ولعل إحياء "يوم الأرض" هو، في جوهره، محاولة للتمسّك بهذا المعنى: أن يكون لنا مكان ننتمي إليه، وذاكرة نحملها، ومستقبل نستحقه. وربما، في كل ذلك، يكمن الأمل لا كفكرة مجردة، بل كفعلٍ يوميّ صغير يتراكم بصمت حتى يصير واقعاً.

إن الحرية، واستعادة الأرض، وحمايتها، لا تتحقق بعفوية، بل تتطلب حركيةً واعية، ومبادرةً مستمرة، وعملاً منظماً.

المصطلحات المستخدمة:

حق العودة, المؤسسات الوطنية

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات