المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • وليد حباس

 

في نهاية تموز 2026، أعلن رئيس القائمة العربية الموحدة، النائب منصور عباس، تأييده لمسار خدمة وطنية- مدنية للشباب العرب داخل إسرائيل؛ وهو ما يعتبر، من ناحية المبدأ والطرح، تحولًا نوعيًا لدى تيار فلسطيني داخل إسرائيل ينزع نحو دمج المواطنين العرب في مؤسسات الدولة والمجال العام. وبحسب عباس، هذه الخدمة الوطنية- المدنية قادرة، إلى حد ما، على "الجمع بين احتياجات الشباب العرب والتوقعات الإسرائيلية العامة منهم". تشرح هذه المقالة ما هي الخدمة الوطنية- المدنية وما هي تداعياتها على الفلسطينيين في إسرائيل.

أولا، ما هي الخدمة الوطنية- المدنية؟

إسرائيل هي دولة تقوم على التجنيد الإلزامي للجيش. الخدمة الإلزامية هي تجنيد عسكري تفرضه الدولة بموجب قانون خدمة الأمن للعام 1986 على كل مواطن إسرائيلي أو مقيم دائم أتم الثامنة عشرة من عمره، مع ترتيبات إعفاء وتأجيل لفئات معينة خصوصًا المواطنين العرب داخل إسرائيل. تؤدي الخدمة العسكرية دورًا مركزيًا في تشكيل المواطنة الإسرائيلية، إذ تربط الحقوق والامتيازات بأداء الواجب العسكري، وتغرس الانضباط والهوية الجماعية، وتدمج الأفراد في مؤسسات الدولة وشبكاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتعزز شعورهم بالانتماء إليها. 

من لا يخدم في الجيش (أساسًا الشابات المتدينات اليهوديات، والشبان الحريديم، والشبان والشابات العرب)، يلتحق بالخدمة الوطنية- المدنية، وهي خدمة تطوعية تنظمها الدولة ويؤديها شبان وشابات حصلوا على إعفاء من الخدمة العسكرية أو لم يستدعهم الجيش للتجنيد. ويراد للخدمة الوطنية- المدنية أن تشكل مسارًا موازيًا لمن لم يخدم في الجيش بهدف دمج الفرد في مؤسسات الدولة، وربط حقوقه بواجبات الخدمة للصالح العام داخل دولة إسرائيل. وتشمل مجالات الخدمة الوطنية- المدنية التعليم، والصحة، والرعاية الاجتماعية، والسلطات المحلية، والوزارات الحكومية، والاستيعاب، وحماية البيئة، والأمن الداخلي.

يتم إدارة الخدمة الوطنية- المدنية من قبل "سلطة الخدمة الوطنية- المدنية"، وهي هيئة حكومية مستقلة تأسست بقانون العام 2017، وتشرف على الهيئات الوسيطة المعترف بها وعلى المؤسسات التي تستقبل المتطوعين. وتستمر الخدمة عادة بين 12 و24 شهرا، بمتوسط 40 ساعة أسبوعيًا. ويمنع القانون تشغيل المتطوع بوصفه بديلًا عن موظف دائم؛ يفترض أن يساعد العاملين في أداء وظائفهم.

تقوم منظومة الخدمة الوطنية- المدنية على ثلاثة قوانين مركزية: 1) قانون خدمة الأمن للعام 1986 وهو قانون ينظم واجب التجنيد، والاستدعاء، والخدمة العسكرية وحالات التأجيل والإعفاء بحيث يشكل الحصول على الإعفاء من الخدمة العسكرية، أو عدم الاستدعاء، المدخل القانوني إلى الخدمة الوطنية.2) قانون الخدمة الوطنية-المدنية للعام 2014، وهو قانون ينظم أساسًا مسارات الخدمة الوطنية- المدنية للرجال الحريديم، ويقسمها إلى خدمة مدنية- أمنية وخدمة مدنية- اجتماعية، ويحدد الجهات التي يمكنهم الخدمة فيها. 3) قانون الخدمة المدنية للعام 2017، وهو قانون ينظم الخدمة التطوعية العامة لمن حصلوا على إعفاء عسكري أو لم يستدعوا إلى الجيش. كما أسس سلطة الخدمة الوطنية- المدنية وحدد صلاحياتها، وشروط الاعتراف بالهيئات المشغلة، ومدة الخدمة ومجالاتها. 

ولا بد من التوضيح، أنه عندما يتعلق الأمر بالعرب، فإن الشخص يستطيع الوصول إلى الخدمة الوطنية- المدنية فقط بعد حصوله على إعفاء من الجيش أو بعد عدم استدعائه للتجنيد. لذلك لا يستطيع الشخص الملزم بالخدمة العسكرية اختيار الخدمة الوطنية بمبادرة شخصية كي تسقط عنه واجب التجنيد. والعرب غير ملزمين بالخدمة العسكرية؛ وعليه ينطبق عليهم، نظريًا، إمكانية الالتحاق بالخدمة الوطنية- المدنية وهو ما لا يحصل حتى الآن بصفة الزامية قانونية أو كثقافة عامة بين العرب، وهو ما يريد منصور عباس الدفع في اتجاهه. 

ومع ذلك، هناك عدد من العرب يتطوعون في الخدمة الوطنية- المدنية بشكل فردي، وليس كمسار عام يعبر عن كل المجتمع الفلسطيني في الداخل. وفقًا لبيانات نهاية العام 2024، بلغ عدد المتطوعين في الخدمة الوطنية- المدنية 20,163 شخصًا، على النحو التالي:

الفئة

العدد

النسبة

اليهود غير الحريديم

12724

63%

اليهود الحريديم

1532

8%

 

بدو

1697

 
 

دروز

1333

 
 

مسيحيون

417

 
 

مسلمون من غير المصنفين كبدو

2460

 

العرب

 

5907

29%

المجموع

 

20163

100%

ولا بد من التأكيد أن عدد النساء المتطوعات في الخدمة الوطنية- المدنية يفوق الرجال بشكل كبير. فبعد استبعاد الرجال الحريديم، يبلغ عدد المتطوعين 18,631 شخصًا، يشملون 87% نساء وفقط 13% رجال وتشكل النساء العربيات حوالي 85% من مجموع العرب المتطوعين في الخدمة الوطنية- المدنية ويتركز تطوعهم بشكل عام في مجالات التعليم، الصحة، الرعاية الاجتماعية، الأمن الداخلي، السلطات المحلية، الوزارات الحكومية، حماية البيئة والعناية بالحيوانات، والثقافة.

وعندما تقع الخدمة الوطنية- المدنية على العرب، فإنها تسري عليهم وفق الشروط العامة للخدمة. وللتوضيح، بينما أن الخدمة الوطنية- المدنية للعرب ليست إلزامية بسبب عدم استدعائهم للجيش، فإنه في حال تطوع عربي للخدمة فإن الشروط العامة تنطبق عليه وهي: 

  • تتراوح مدة الخدمة بين 12 و24 شهرا.
  • يبلغ متوسط الخدمة 40 ساعة أسبوعيا.
  • يؤدي المتطوع خدمته داخل مؤسسة مشغلة حصلت على موافقة السلطة.
  • يجب أن تحقق الخدمة منفعة عامة للمجتمع والدولة.
  • يحظر وضع المتطوع في وظيفة عامل دائم أو استخدامه بديلا عن موظف.
  • يقتصر دوره قانونيًا على مساعدة العاملين في المؤسسة المشغلة.

ثانيًا، ما دلالات الخدمة الوطنية- المدنية للعرب في إسرائيل؟

وفقًا لبيانات العام 2022، حسب مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، فإن عدد العرب (بدون الدروز) في سن التجنيد قد بلغ حوالي 38,654 رجلًا وامرأة ويشملون: المسلمين، المسيحيين، وسكان القدس المقيمين. ويشمل هذا الرقم، فقط أبناء الفوج الذي في العام 2022 بلغ 18 عامًا. وبما أن الخدمة الوطنية- المدنية تتراوح ما بين 12 الى 24 شهرًا، فإن احتساب عدد الأفراد العرب الواقعين من حيث العمر ما بين 18 عاما و19 عاما (في حال كانت الخدمة 12 شهرًا) أو 20 عاما (في حال كانت الخدمة 24 شهرا) سيكون أعلى بكثير. 

ومع ذلك، حتى لو تم الاكتفاء بعدد أفراد الفوج (وهو 38654 عربيًا وعربية)، فإنه في حال تقديمهم للخدمة الوطنية- المدنية، فإنها ستشمل 40 ساعة عمل أسبوعية، مما يعني حوالي 86 مليون ساعة عمل في مؤسسات دولة إسرائيل في حال كانت الخدمة مدة عام واحد فقط، أو 172 مليون ساعة عمل في حال كانت الخدمة مدة عامين. 

اقتصاديًا، يخلق تطبيقًا شاملًا لقوة عمل سنوية تعادل عشرات آلاف الوظائف بدوام كامل، وتتركز غالبا في التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والسلطات المحلية والأمن المجتمعي. ويمكن أن يحقق الأمر:1) سد النقص في قطاعات الرعاية والتعليم والصحة في دولة إسرائيل؛ 2) اكتساب الشباب العربي خبرة مهنية في خدمة دولة إسرائيل، واحتراف اللغة العبرية، وتشكيل لهوياتهم الاجتماعية والثقافية من داخل مؤسسات دولة إسرائيل؛ 3) كما أن مؤسسات دولة إسرائيل ستتشكل هي أيضا بناء على ثقافة وخلفيات الشباب العربي، وتقل فيها الروح/ الإثوس اليهودي الصهيوني؛ 4) تحسين فرص الالتحاق العربي بالتعليم العالي والعمل في القطاع العام.

هنا، تحمل الخدمة معنى يتجاوز التطوع. فهي تدخل عشرات آلاف الشباب العرب سنويًا إلى مؤسسات الدولة، وتعيد تشكيل علاقتهم بها من خلال الانضباط الإداري، واللغة، والتصنيف الأمني، وشبكات العمل والامتيازات اللاحقة. لذلك يمكن أن تنتج اندماجًا وظيفيًا ومؤسساتيًا واسعًا، مما قد يشكل انزياحًا في الهوية العربية من هوية وطنية- قومية تقوم على ثنائية الأنا- العربية مقابل الآخر الصهيوني، إلى هوية مواطنة إسرائيلية تقوم على ثنائية الأقلية في مقابل الأكثرية، نسبيًا ضمن ذات الإثوس الإسرائيلي. 

ومع ذلك، فإن "سلطة الخدمة الوطنية- المدنية"، وهي المؤسسة التي تحدد مجالات الخدمة، والفرز على القطاعات، هي مؤسسة إسرائيلية صهيونية، وهي التي ستحدد مخرجات الخدمة الوطنية- المدنية للعرب وفق ثلاثة أسئلة هي من يهيمن بشكل حصري على الإجابة عليها: من يحدد مجالات الخدمة؟ أين تذهب ساعات العمل؟ وهل يحصل المشاركون على أجر وحقوق وتدريب يوازي القيمة الاقتصادية التي ينتجونها؟ 

خاتمة

في مقالة منشورة في العدد 81 من مجلة قضايا إسرائيلية (ربيع 2021)، تحت عنوان "بين سياسات الاستيعاب والاستيعاب الذاتي"، ناقش المؤلف سؤال "الاستيعاب" (assimilation) عند باتريك وولف، الذي يوضح أن المشروع الاستعماري الاستيطاني يسعى إلى محو الأصلانية عبر مراحل تبدأ بالمواجهة والعزل، ثم تنتقل إلى إدخال السكان الأصليين في مجتمع المستوطنين كأفراد منزوعي الهوية السياسية الجماعية. فالاستيعاب يقدم إلى الأصلي فرصة الاندماج المدني والاقتصادي، لكنه يجعله يتكيف مع المؤسسات والقيم التي صاغها مجتمع المستوطنين. وتطور المقالة هذا النقاش عبر مفهوم "الاستيعاب الذاتي"، أي أن يبادر الأصلاني بنفسه إلى طلب الاندماج، ويعيد تعريف ذاته ومطالبه بما يتلاءم مع شروط الدولة الاستيطانية. ويمثل منصور عباس، بحسب المقالة، هذا التحول في السياسة العربية داخل إسرائيل. فهو يفصل قضايا فلسطينيي الداخل عن القضية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والشتات، ويقدم الهوية الدينية والاجتماعية على الهوية القومية، ويركز على الميزانيات ومحاربة الجريمة والاندماج الاقتصادي، ويفتح المجال أمام التحالف مع جميع الأحزاب الصهيونية. ويسعى بذلك إلى تحويل الحزب العربي من قوة احتجاج تمثل جماعة قومية أصلانية إلى شريك حكومي عادي يعمل داخل قواعد النظام الإسرائيلي. 

في هذا السياق، تشكل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة لحظة تحول تكتوني في المشهد السياسي- الحزبي وفي أنماط السلوك الانتخابي، ويبرز منصور عباس بوصفه أحد أهم الفاعلين في هذا التحول. فمحاولات إنقاذ معسكر معارضي نتنياهو تبدو مرتبطة أيضا بقدرة القائمة العربية الموحدة على تقديم نفسها بصورة مفهومة ومقبولة لدى المجتمع اليهودي، تمهيدًا لاحتمال تشكيل معسكر غادي أيزنكوت ائتلافًا يستند إلى الصوت العربي بعد 7 أكتوبر. في هذا السياق، يجري عباس مفاوضات متقدمة لضم يوآف سيغلوفيتش، نائب الوزير السابق والقيادي في حزب "يش عتيد (يوجد مستقبل)"، ومنحه المرتبة الثانية في قائمة الموحدة، مع ترشيحه لتولي وزارة الأمن القومي إذا شارك الحزب في الحكومة. وقد اشترط سيغلوفيتش ثلاثة أمور: تبني مسار للخدمة الوطنية- المدنية للشباب العرب، واعتراف الموحدة صراحة بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية وفقا لقيم وثيقة الاستقلال، وضمان موقعه ضمن المراتب الثلاث الأولى في القائمة. ويندرج هذا المسار ضمن إعلان عباس استقلال القرار السياسي والحزبي للموحدة عن مجلس الشورى ومؤسسات الحركة الإسلامية. ويرى عباس أن انضمام شخصية أمنية يهودية بارزة قد يحول الموحدة من حزب عربي ذي خلفية إسلامية في المخيال الإسرائيلي إلى إطار للشراكة اليهودية- العربية، ويعزز شرعيتها لدى الناخبين اليهود وأحزاب الوسط، ويفتح أمامها دورًا مركزيًا في بناء ائتلاف بديل لنتنياهو.

المصطلحات المستخدمة:

الصهيونية, وثيقة الاستقلال, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات