المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
ملصق حملة "لا موسيقة للإبادة الجماعية".
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 7
  • اعتراف الريماوي

في أيلول 2025، فوجئ مستمعون إسرائيليون باختفاء أعمال موسيقية لـ "بيورك وبارامور" وفنانين آخرين من منصات البث الرقمي، في أولى النتائج الملموسة لحملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" (No Music for Genocide)، التي انطلقت بمشاركة أكثر من 400 فنان وشركة إنتاج، واتسعت لاحقًا لتضم أكثر من ألف مشارك. جاءت الحملة في سياق الإبادة الجماعية في قطاع غزة واستمرار الاحتلال والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، لتدشّن شكلًا جديدًا من المقاطعة الثقافية، ينتقل من رفض إقامة الحفلات والمشاركة في المهرجانات الإسرائيلية إلى تقييد تداول الإنتاج الموسيقي رقميًا داخل إسرائيل.

يكشف هذا التحول عن اتساع أدوات المقاطعة لتشمل شبكات الإنتاج والتوزيع الموسيقي العالمي، وعن فاعليتها في تحويل التضامن مع الفلسطينيين إلى ممارسة ثقافية منظمة تتحدى اعتيادية الحضور الإسرائيلي دوليًا. من خلال تتبع الحملة ونتائجها وردود الفعل الإسرائيلية عليها، يتناول هذا المقال دور المقاطعة الرقمية في مساءلة علاقات إسرائيل الثقافية الدولية، وما تكشفه من توترات تتصل بمكانتها وشرعيتها الثقافية في ظل استمرار الإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني.

من مقاطعة الحفلات إلى حجب الموسيقى: كيف تشكّلت الحملة؟

في 18 أيلول 2025، أُطلقت حملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" (No Music for Genocide)  بمشاركة أكثر من 400  فنان وفرقة موسيقية وشركة تسجيل، في مبادرة دولية تدعو إلى حجب الأعمال الموسيقية رقميًا عن إسرائيل، استجابةً لشجب حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وقد تشكّلت الحملة من تحالف مفتوح لفنانين وشركات إنتاج مستقلة، يدعو أصحاب الحقوق الموسيقية إلى استبعاد إسرائيل من مناطق توزيع أعمالهم على منصات البث الرقمي، وتحويل الموقف التضامني مع الفلسطينيين إلى إجراء عملي يمسّ تداول الموسيقى داخل السوق الإسرائيلية. واتسعت المشاركة خلال الأسابيع اللاحقة لتتجاوز ألف فنان وشركة تسجيل، وفق القائمة المنشورة على الموقع الرسمي للحملة.

تضع الحملة فعل المقاطعة في سياق سياسي أوسع، يتصل بالإبادة الجماعية في غزة، والتطهير العرقي والاستيطان في الضفة الغربية، ونظام الفصل العنصري داخل إسرائيل، إلى جانب قمع النشاطات المناصرة لفلسطين عالميًا، وعلاقات صناعة الموسيقى بالصناعات العسكرية. وتستند في خطابها إلى اعتبار المقاطعة وما تنتجه من العزلة الثقافية وسيلةً للضغط على الدولة الإسرائيلية وتقويض علاقات الشرعية التي تستند إليها في استمرار سياساتها الاستعمارية. كما تستحضر تجربة المقاطعة الثقافية لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا باعتبارها سابقةً تاريخية توضح قدرة الفنانين والمؤسسات الثقافية على المساهمة في حملات الضغط السياسي الدولي. من هذا المنطلق، تنظر الحملة إلى الإنتاج الموسيقي باعتباره موردًا ثقافيًا يمتلك أصحابه سلطة سياسية على شروط تداوله وإتاحته.

تندرج المبادرة ضمن المسار الأوسع للمقاطعة الثقافية الفلسطينية، الذي تبلور مؤسسيًا مع إطلاق الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية (PACBI) العام 2004، ثم تأسيس حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) العام 2005. وقد ربط النداء الفلسطيني للمقاطعة الأكاديمية والثقافية بين المؤسسات الثقافية الإسرائيلية والبنية الاستعمارية الاستيطانية، ودعا إلى مقاطعة المؤسسات المتواطئة في الاحتلال والاستعمار والفصل العنصري. تمثل حملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" امتدادًا لهذا التوجه، مع تطوير أداة تستهدف التوزيع الرقمي للإنتاج الموسيقي داخل إسرائيل، وتوسيع دائرة الفاعلين لتشمل الفنانين المستقلين وأصحاب حقوق التسجيلات وشركات الإنتاج والتوزيع. 

الفنانون والمؤسسات: من إعلان الموقف إلى إجراء المقاطعة

ضمت الحملة منذ انطلاقها فنانين وفرقًا من اتجاهات موسيقية متعددة، بينها فرقة "Massive Attack" البريطانية، و"Fontaines D.C" الأيرلندية، والمغنية الأيسلندية "بيورك" (Björk)، إلى جانب " Japanese Breakfast" و "Kelela" و "King Krule" وغيرهم.  وانضمت لاحقًا المغنية النيوزيلندية "لورد" (Lorde)، وفرق مثل " IDLES" و "MUNA"، في توسع عكس انتقال المبادرة بين دوائر الموسيقى البديلة والإلكترونية والروك والبوب، وصولًا إلى فنانين يمتلكون جماهير دولية واسعة. وتضم القائمة كذلك أسماءً فلسطينية وعربية، من بينها مريم صالح، وموريس لوقا، وندى الشاذلي، وتامر أبو غزالة، وياسمين حمدان.

تكتسب مشاركة شركات التسجيل والإنتاج المستقلة أهميةً خاصة، بالنظر إلى موقعها في إدارة الحقوق الموسيقية والتحكم في توزيع مجموعات من التسجيلات. فقد انضمت إلى الحملة شركات مثل "Hyperdub" البريطانية، المعروفة بإنتاج الموسيقى الإلكترونية والتجريبية، و "PAN" المتخصصة في الإصدارات الموسيقية التجريبية، و"Bayonet Records"  الأميركية، إلى جانب شركات مستقلة أخرى. تتيح مشاركة هذه المؤسسات الانتقال من المبادرات الفردية للفنانين إلى إجراءات تتعلق بإدارة الكتالوجات الموسيقية وعقود توزيعها، بما يوسع نطاق المقاطعة المحتمل داخل شبكات صناعة الموسيقى العالمية. 

يبرز مثال محطة "NTS Radio" البريطانية باعتباره تطورًا مؤسسيًا لافتًا، ففي 30 أيلول 2025، أعلنت المحطة انضمامها إلى الحملة وتقييد الوصول إلى بثها المباشر وموقعها الإلكتروني وتطبيقاتها، إضافةً إلى الإصدارات الموسيقية التابعة لشركة NTS Recordings""، داخل إسرائيل. وربط بيانها القرار بالاستجابة للمطالب الفلسطينية بعزل إسرائيل ونزع الشرعية عن سياساتها في ظل الإبادة الجماعية في غزة. وتعكس هذه الخطوة اتساع المقاطعة إلى مؤسسة إعلامية موسيقية تجمع بين البث والإنتاج والتوزيع، وتملك علاقة مستمرة بجمهور دولي عبر الوسائط الرقمية. 

تكشف طبيعة المشاركة في الحملة عن مستويات متفاوتة من الالتزام والتنفيذ. فإعلان الفنان انضمامه يمثل موقفًا سياسيًا، بينما يستلزم الحجب الفعلي إجراءً يتعلق بحقوق التوزيع وإتاحة التسجيلات. لهذا تطلب الحملة من الفنانين وشركات الإنتاج تنفيذ الحجب الجغرافي قبل تسجيل مشاركتهم عبر موقعها. ويكتسب هذا التمييز أهميةً عند تقييم فاعلية المبادرة، إذ تتحدد نتائجها العملية بمدى انتقال الالتزامات المعلنة إلى قرارات توزيع قابلة للتطبيق، وبنطاق الحقوق التي يمتلكها المشاركون أو يديرونها.

الحجب الجغرافي: المقاطعة داخل شبكات التوزيع الموسيقي

تعتمد الحملة على آلية الحجب الجغرافي (Geo- blocking)، التي تتيح لأصحاب الحقوق استبعاد دولة أو منطقة محددة من نطاق إتاحة التسجيلات الموسيقية على منصات البث.ويستطيع الفنان أو شركة الإنتاج، بحسب طبيعة الاتفاقات التعاقدية، تعديل مناطق التوزيع أو تقديم طلب إلى الموزع الرقمي أو الجهة المالكة للحقوق لتقييد الوصول إلى الأعمال داخل إسرائيل. وتوضح وثائق شركة "DistroKid"، إحدى خدمات التوزيع الرقمي، إمكانية استبعاد بلدان محددة من توزيع الإصدارات الموسيقية عبر تقديم طلب إلى الشركة، التي تتولى إرسال التحديث إلى خدمات البث. وبهذه الآلية، يوظف الفنانون أدوات إدارة الملكية الفكرية والتوزيع التجاري في ممارسة المقاطعة السياسية. 

وقد ظهرت النتائج الأولى لهذه الإجراءات داخل إسرائيل خلال أيام من إطلاق الحملة. ففي 23 أيلول 2025، نشر الصحافي عومر تاسل تقريرًا في موقع  Ynet بعنوان "من بيورك إلى بارامور: الموسيقيون بدأوا إزالة كتالوجات أغانيهم من إسرائيل"، وثّق فيه تعذّر وصول مستمعين إسرائيليين إلى أعمال فرقة "Paramore"، إلى جانب تقارير عن تقييد إتاحة تسجيلات للمغنية جورجا سميث (Jorja Smith)، واختفاء أعمال لبيورك وJapanese Breakfast" " و"Beach Fossils' و "Kneecap" من خدمات البث داخل إسرائيل.  في المقابل، أشار التقرير إلى استمرار إتاحة أعمال فرق مشاركة في الحملة، منها  Massive Attack"  " و"Primal Scream"، عند نشره. وتقدم هذه الوقائع دليلًا على بدء تنفيذ المقاطعة، وعلى تفاوت وتيرة انتقال الفنانين والشركات من إعلان المشاركة إلى حجب أعمالهم فعليًا.

تمنح هذه الآلية الحملة خصوصيتها ضمن تاريخ المقاطعة الثقافية لإسرائيل، فبينما استهدفت المقاطعات السابقة الحفلات والمهرجانات والتعاون مع المؤسسات الثقافية الإسرائيلية، يوسع الحجب الرقمي نطاق المواجهة إلى العلاقات اليومية التي تربط المستمعين بمنصات الموسيقى وشركات الإنتاج وأصحاب الحقوق. وتتحول قرارات الإتاحة والتوزيع، التي تشكل جزءًا من البنية التجارية لصناعة الموسيقى، إلى وسيلة للاعتراض على الإبادة الجماعية والسياسات الاستعمارية الإسرائيلية. تكمن أهمية هذا التحول في إدخال شبكات الملكية والإنتاج والتداول الموسيقي نفسها إلى مجال المقاطعة، بما يربط الفعل الثقافي بآليات اقتصادية ومؤسسية تتجاوز المواقف التضامنية الفردية.

إسرائيل أمام المقاطعة: الاستهانة بالفعل والخشية من العزلة

حظيت حملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" باهتمام الصحافة الإسرائيلية منذ أيامها الأولى، مع ظهور آثار الحجب على منصات البث الموسيقي. ففي 21 أيلول 2025، أفاد موقع "N12" باختفاء جزء من أعمال المغنية الأيسلندية بيورك من خدمات البث داخل إسرائيل. بعد يومين، وثّق موقع  Ynet تعذّر وصول مستمعين إسرائيليين إلى أعمال فرقة بارامور وفنانين آخرين، في تغطية أظهرت انتقال المقاطعة إلى تجربة الاستماع اليومية. وقد اكتسبت هذه الوقائع أهميةً خاصةً لأنها جعلت قرار الفنانين السياسي محسوسًا لدى الجمهور الإسرائيلي، من خلال أعمال موسيقية اعتاد الوصول إليها عبر المنصات الرقمية. 

اتسع النقاش حول هذه التجربة في تقرير نشرته وكالة الأنباء اليهودية (Jewish Telegraphic Agency)  في 29 نيسان 2026، تناول تأثير الحملة في مستمعين إسرائيليين، وخصوصًا الشباب. ونقل التقرير شهادة فتى إسرائيلي يبلغ الرابعة عشرة اكتشف تعذّر تشغيل أغنية مفضلة رغم استمرار ظهورها في قائمة استماعه. كما تحدثت شابة إسرائيلية أميركية عن شعورها بأن الحجب الجغرافي يعزل المستمعين عن الثقافة العالمية، فيما وصف آخرون المقاطعة بأنها إجراء غير عادل يحمّل الجمهور تبعات سياسات الحكومة. وأشار التقرير إلى لجوء بعض المستمعين إلى وسائل بديلة للوصول إلى الموسيقى المحجوبة، وإلى تنامي الاهتمام بدعم الفنانين الإسرائيليين.

تكشف هذه الشهادات عن أثر اجتماعي ومعنوي يتجاوز فقدان الوصول إلى تسجيلات موسيقية بعينها. فالمقاطعة، التي تنطلق من مساءلة الإبادة الجماعية والاستعمار الإسرائيلي، تتحول في تجربة بعض المستمعين إلى شعور شخصي بالإقصاء من فضاء ثقافي عالمي اعتادوا المشاركة فيه. يظهر هنا اختلاف موقع القضية بين الطرفين: تستهدف الحملة العلاقات الثقافية التي تتيح لإسرائيل استمرار اندماجها الدولي، بينما يركز بعض المتلقين الإسرائيليين على حرمانهم من مورد ثقافي مألوف. تعكس هذه الاستجابات حدود تأثير المقاطعة المباشر في الجمهور، إلى جانب قدرتها على إدخال السياسة إلى ممارسات الاستهلاك الثقافي اليومية.

خطاب إسرائيلي بين الاستخفاف والقلق

يقدم الناقد الموسيقي الإسرائيلي أمير شوارتس، في مقال نشره موقع  Ynet بعنوان "مقاطعة الموسيقيين: الإصغاء إلى اللحن، حتى عندما ينشز"، نموذجًا كاشفًا لهذا التوتر، حيث يبدأ شوارتس باستحضار حفل "لايف إيد" الخيري العام 1985، وتجربة الفنانين الذين اعتقدوا بقدرتهم على التأثير في قضايا العالم، ثم ينتقل إلى المفارقة التي تواجه الإسرائيليين حين يصبحون هدفًا لمبادرة موسيقية احتجاجية. ويصف مقاطعة الفنانين بأنها "طفولية" و"ساذجة"، ويتعامل بدايةً مع المشاركين من زاوية ذائقته الموسيقية الشخصية، إذ يجد أن عددًا محدودًا من الأسماء الموقعة يمثل أهميةً فعليةً بالنسبة إليه.

لكن المقال ينتقل سريعًا من الاستهانة إلى القلق، ففي توصيفه لاتساع المبادرة، يستخدم شوارتس استعارة "كرة الثلج" التي تتدحرج ويصعب إيقافها، ويربطها بتحوّل أوسع في المواقف الدولية تجاه إسرائيل. ويتوقف خصوصًا عند فنانين تربطهم علاقات إيجابية سابقة بإسرائيل، مثل فرقة "راديوهيد" والمغني "بونو"، مشيرًا إلى تزايد حرجهم عند مطالبتهم بتحديد مواقفهم من سياساتها. ويعتبر أن انتقادات بعض هؤلاء لأفعال الحكومة الإسرائيلية خلال الحرب المتواصلة تحمل قدرًا من المشروعية. ويختتم مقاله بصورة إسرائيل التي تتجه نحو التحول إلى "إسبرطة"، مع أمنية ساخرة ببقاء موسيقى جيدة ترافق عزلتها.

تكمن دلالة المقال في التمييز الذي يصنعه شوارتس، ضمنيًا، بين خسارة أعمال موسيقية يستطيع الاستغناء عنها، وتراجع استعداد شخصيات ثقافية دولية للدفاع عن إسرائيل. فالأولى تجربة استهلاكية محدودة، بينما تمس الثانية شبكة العلاقات والاعتراف الثقافي التي ساهمت تاريخيًا في تعزيز حضور إسرائيل داخل المجال الغربي. من هذا المنظور، يظهر القلق من المقاطعة باعتباره قلقًا من تآكل المكانة الثقافية الإسرائيلية، ومن احتمال تحوّل الاعتراض على سياساتها إلى موقف مألوف داخل الأوساط الفنية الدولية.

الموسيقى في مرآة الاستعمار: من الإبادة إلى صورة إسرائيل!

تتيح قراءة شوارتس أعلاه، إلى جانب شهادات المستمعين، تمييز مستويات مختلفة من الاستجابة الإسرائيلية، يتعامل المستوى الأول مع المقاطعة باعتبارها حرمانًا للمستهلك الإسرائيلي من الموسيقى العالمية، ويطرح حق الجمهور في الوصول إلى الفن كقيمةٍ مستقلة عن الصراع السياسي. ويركز المستوى الثاني على تأثير المقاطعة في صورة إسرائيل وعلاقاتها الخارجية، ويرى في اتساع الانتقادات الدولية مؤشرًا إلى تعمق عزلتها. أما المستوى الثالث، الذي يظهر جزئيًا في اعتراف شوارتس بمشروعية بعض الانتقادات الموجهة إلى الحكومة، فيتصل بمساءلة إدارة الحرب وتداعياتها السياسية والاجتماعية.

تكشف هذه المستويات عن حدود النقد الذي تقدمه بعض الأصوات الإسرائيلية، ففي مقال شوارتس يرتبط الاعتراض على استمرار الحرب أيضًا بالإحباط الذي يشعر به إسرائيليون، بينهم جنود احتياط خدموا في أكثر من جولة عسكرية، تجاه غياب أفق سياسي. وتبقى معاناة الفلسطينيين وأسباب المقاطعة المرتبطة بالإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني خارج مركز هذا التناول. ويجري استيعاب الانتقاد الدولي ضمن نقاش إسرائيلي يتمحور حول مستقبل الدولة وصورتها وعلاقاتها الثقافية، بينما تتراجع مساءلة البنية الاستعمارية التي تستهدفها الحملة أصلًا. 

تبرز هنا مفارقة أساسية: تعتمد حملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" على المقاطعة لتحدي اعتيادية الحضور الإسرائيلي في الثقافة العالمية، بينما تعيد بعض الاستجابات الإسرائيلية صياغة القضية باعتبارها مسألة عزلة يتعرض لها المجتمع الإسرائيلي. ويكشف هذا التحول في مركز النقاش عن الوظيفة السياسية للمقاطعة الثقافية، إذ تدفع المؤسسات والفنانين والجمهور إلى مواجهة العلاقة بين تداول الإنتاج الفني والشرعية التي يمنحها الاندماج الثقافي الدولي. وتظهر أهمية الحملة، في هذا المستوى، من قدرتها على إثارة مساءلة تتجاوز الأعمال المحجوبة إلى موقع إسرائيل نفسه داخل شبكات الثقافة العالمية، في ظل استمرار سياساتها الاستعمارية تجاه الفلسطينيين.

الموسيقى والمقاطعة: من تقييد الوصول إلى مساءلة الشرعية

تتجلى فاعلية حملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" في قدرتها على الجمع بين إجراءات ملموسة لتقييد تداول الموسيقى داخل إسرائيل، وتوسيع المشاركة المؤسسية في المقاطعة، وإثارة نقاش دولي حول علاقة الصناعات الثقافية بالإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي.وتكتسب هذه المستويات أهميتها من تفاعلها، إذ تتحول المبادرة الفردية للفنان إلى قرار يتعلق بإدارة الحقوق والتوزيع، ثم إلى ممارسة جماعية تستهدف اعتيادية اندماج إسرائيل في الأسواق والمؤسسات الثقافية العالمية.

على المستوى المباشر، أثبتت حالات الحجب التي وثقتها الصحافة الإسرائيلية، انتقال المقاطعة من إعلان المواقف إلى التأثير في إتاحة أعمال موسيقية داخل إسرائيل. أما على المستوى المؤسسي، فقد وسعت مشاركة شركات التسجيل المستقلة والمؤسسات الموسيقية نطاق المبادرة، وأدخلت الجهات المسؤولة عن إدارة الإنتاج وتوزيعه في ممارسة المقاطعة. وتبرز أهمية هذا التحول في قدرة أصحاب الحقوق على استخدام البنية التجارية للموسيقى الرقمية لتقييد الوصول إلى إنتاجهم، بما يمنح المقاطعة استمراريةً تتجاوز الحدث الاحتجاجي أو البيان التضامني.

تظهر الفاعلية السياسية والثقافية في طرح علاقة إسرائيل بالصناعات الموسيقية العالمية باعتبارها مجالًا للمساءلة. فالحجب الجغرافي يضع استمرار الوصول إلى الإنتاج الثقافي الدولي ضمن سياق المسؤولية السياسية، ويدفع الفنانين والشركات إلى اتخاذ مواقف عملية من علاقتهم بالسوق الإسرائيلية. وهكذا تتجاوز المقاطعة أثرها المباشر في المستمعين إلى تحدي التصور الذي يمنح الثقافة موقعًا منفصلًا عن سياسات الدولة وعلاقاتها الاستعمارية. وتبقى قدرة هذه الممارسة على إحداث تحولات أوسع في العلاقات الثقافية الدولية مرتبطةً باتساع المشاركة واستمراريتها وانتقالها إلى مؤسسات تمتلك نفوذًا أكبر في صناعة الموسيقى.

الاقتصاد الموسيقي وحدود التأثير

تستند هذه المقاطعة إلى أدوات تقنية وتجارية متاحة أصلًا في صناعة الموسيقى الرقمية.وتوضح شركة التوزيع 'Symphonic Distribution"، في وثائقها المتعلقة بالقيود الجغرافية، إمكانية استبعاد أسواق محددة من توزيع الإصدارات، مع دعم منصات مثل "Spotify" و"Apple Music"  لهذه الآلية. وتمنح هذه البنية أصحاب الحقوق قدرةً على تنفيذ قرارات المقاطعة من خلال الموزعين، فيما تظل النتائج مرتبطةً بطبيعة العقود ومدى سيطرة الفنانين والشركات على كتالوجاتهم الموسيقية.

تكشف مشاركة شركات الإنتاج المستقلة، مقابل استمرار غياب قرار شامل موثق من شركات التسجيل العالمية الكبرى، مثل "Universal Music Group" و"Sony Music Entertainment"  و"Warner Music Group"، عن حدود الانتشار المؤسسي للحملة.وتدعو المبادرة هذه الشركات إلى اتخاذ إجراءات مماثلة لتلك التي اتخذتها شركات موسيقية عالمية تجاه روسيا عقب غزو أوكرانيا العام 2022. ويشير هذا التفاوت إلى أهمية موقع الشركات الكبرى في تحديد الحجم المحتمل للمقاطعة، بالنظر إلى ما تديره من حقوق وكتالوجات واسعة. 

أما الأثر الاقتصادي، فتظل بياناته محدودة، فقد أظهر الرصد وقوع حالات حجب فعلية، بينما تفتقر المصادر المنشورة إلى دراسات شاملة تقيس عدد الأعمال المحجوبة والخسائر المالية الناتجة عنها أو تأثيرها في إيرادات المنصات داخل إسرائيل. ويقتضي ذلك تقييم الفاعلية من خلال نتائجها المثبتة ومداها المؤسسي والسياسي، إلى جانب البعد الاقتصادي الذي يحتاج إلى قياسات مستقلة.

"يوروفيجن": من المقاطعة الرقمية إلى الصراع على التمثيل الدولي

شهدت الحملة توسعًا سياسيًا لافتًا في 21 نيسان 2026، عندما أصدرت، بالتعاون مع حركة المقاطعة الفلسطينية، رسالة مفتوحة تدعو إلى مقاطعة مسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن"احتجاجًا على استمرار المشاركة الإسرائيلية، ووقّع الرسالة عند إطلاقها أكثر من 1100 فنان وعامل ثقافي، بينهم "بريان إينو"، وMassive Attack""، و"بيتر غابرييل"، و"روجر ووترز"، وKneecap""، و"Sigur Rós"، إلى جانب فنانين سبق لهم الفوز بالمسابقة. ودعت الرسالة هيئات البث والفنانين والعاملين في الإنتاج والجمهور إلى مقاطعة المسابقة حتى استبعاد هيئة البث الإسرائيلية العامة "كان".

ربطت الرسالة مشارَكة إسرائيل في "يوروفيجن" بتوظيف الفعاليات الثقافية الدولية في تبييض سياسات الإبادة والحصار والاحتلال العسكري وتطبيعها، وانتقدت ازدواجية المعايير لدى اتحاد البث الأوروبي (EBU)، الذي استبعد روسيا من المسابقة العام 2022 عقب غزو أوكرانيا، بينما واصل السماح بالمشاركة الإسرائيلية. واستحضرت الرسالة تدمير المسارح والاستوديوهات والجامعات والمرافق الثقافية في قطاع غزة، كجزء من الاستهداف الأوسع للحياة الفلسطينية ومؤسساتها الثقافية. كما رحبت بانسحاب هيئات البث في إسبانيا وأيرلندا وآيسلندا وسلوفينيا وهولندا من نسخة 2026 احتجاجًا على استمرار مشاركة إسرائيل.

يمثل هذا التطور انتقالًا من التأثير في إتاحة الموسيقى داخل السوق الإسرائيلية إلى مساءلة حضور الدولة ومؤسساتها في المناسبات الثقافية الدولية، ففي المقاطعة الرقمية يمارس أصحاب الحقوق سلطةً على توزيع إنتاجهم، بينما تستهدف مقاطعة "يوروفيجن" شرعية تمثيل إسرائيل في فعالية جماهيرية تقدم نفسها فضاءً للتواصل الأوروبي عبر الموسيقى. وهنا تصبح المشاركة الإسرائيلية قضيةً تتعلق بالعلاقة بين الثقافة والهوية الوطنية والاعتراف الدولي، وبالدور الذي تؤديه المؤسسات الثقافية في إضفاء طابع اعتيادي على حضور الدول وسياساتها.

وقد انعكس هذا الصراع في التغطية الإسرائيلية، فنقل موقع  Ynetمضمون رسالة المقاطعةوانتقاداتها إلى اتحاد البث الأوروبي، مستعيدا تصريحًا سابقًا للرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، أكد فيه أن إسرائيل تستحق التمثيل على جميع المنصات العالمية. ويكشف هذا الموقف عن أهمية الظهور الثقافي الدولي في الخطاب الرسمي الإسرائيلي، باعتباره تعبيرًا عن استمرار حضور الدولة ومكانتها، في مقابل مساعي المقاطعة إلى مساءلة هذا الحضور في سياق الإبادة الجماعية والاستعمار.

تكشف العلاقة بين الحجب الرقمي ومقاطعة "يوروفيجن" عن اتساع أدوات المواجهة الثقافية لإسرائيل: من التحكم في تداول التسجيلات الموسيقية إلى الضغط على المؤسسات التي تمنحها منصات للتمثيل والظهور الدولي. وتنبع أهمية الحملة من تحويل التضامن مع الفلسطينيين إلى إجراءات منظمة، ومن مساهمتها في جعل علاقات الإنتاج والتوزيع والمشاركة الثقافية موضوعًا للمساءلة السياسية. وعلى هذا المستوى، تتجاوز فاعلية المقاطعة حدود ما يمكن قياسه ماليًا، لتدخل في الصراع الأوسع على شرعية الحضور الإسرائيلي في الثقافة العالمية، وعلى المسؤولية التي تتحملها المؤسسات الدولية إزاء الإبادة الجماعية والبنية الاستعمارية التي تستهدفها الحملة.

الموسيقى في مواجهة اعتيادية الحضور الإسرائيلي

بالإجمال العام تكشف حملة "لا موسيقى للإبادة الجماعية" عن اتساع أدوات المقاطعة الثقافية لإسرائيل، وتحولها إلى ممارسة منظمة داخل شبكات الإنتاج والتوزيع الموسيقي العالمي. وقد أثبتت حالات الحجب الفعلية قدرة الفنانين وشركات الإنتاج على توظيف حقوقهم الموسيقية في ممارسة الضغط السياسي، فيما وسّع امتداد الحملة إلى مقاطعة "يوروفيجن" نطاق المواجهة ليشمل شرعية التمثيل الإسرائيلي في المحافل الثقافية الدولية.

تشير ردود الفعل الإسرائيلية إلى دلالة تتجاوز التأثير الاقتصادي المباشر، الذي ما زال يفتقر إلى دراسات تقيس حجمه، إذ تكشف عن قلق من اتساع العزلة الثقافية وتراجع قدرة إسرائيل على الاحتفاظ بعلاقاتها التقليدية مع الفنانين والمؤسسات الدولية. وهنا تتجلى أهمية المقاطعة في تحدي اعتيادية الحضور الإسرائيلي عالميًا، وتحويل العلاقات الثقافية إلى مجال لمساءلة الإبادة الجماعية والاستعمار الاستيطاني. فالموسيقى، التي شكلت إحدى وسائل التواصل والاندماج الثقافي الدولي، تصبح عبر المقاطعة أداةً لمساءلة الشروط السياسية والأخلاقية لهذا الاندماج، ومدى ارتباطه باستمرار الاستعمار والعنف بحق الفلسطينيين.

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات