منذ بدء موسم قطف الزيتون للعام 2026، وثّقت منظمة "يش دين" مئات البلاغات عن اعتداءات للمستوطنين والجنود في 171 تجمعًا فلسطينيًّا. ارتبط معظمها بقطف الزيتون، ومُنع القطف تمامًا في 68 حالة، وسُرق المحصول في 119. ولم يسلم من الاعتداءات حتى الأجانب؛ فقد ضُربت المصوّرة الأميركية هايدي ليفين قرب رام الله، وهوجم وفد دبلوماسي أوروبي. لكن الأرقام وحدها لا تشرح ما يحدث.
تقدم هذه المقالة خمس ملاحظات تحت عنوان "كيف تفكر إسرائيل" حيال موسم الزيتون الفلسطيني؛ وتجميع هذه الملاحظات في مكان واحد من شأنه أن يساعدنا على رؤية المشهد بدقة أعلى.
أولاً: فتوى دينية تجعل سرقة زيتون الفلسطيني "فضيلة"!
دوف ليئور، الحاخام السابق لمستوطنة كريات أربع والمرجع الديني لحزب "قوة يهودية"، ليس صوتًا هامشيًّا في المشهد الاستيطاني. فقد منح في 2009 تزكيته لكتاب "توراة الملك" الذي ألّفه حاخامان من مدرسة "يوسف لا يزال حيًّا" الدينية في مستوطنة يتسهار، وهو كتاب يبيح قتل الفلسطيني. واحتجزته الشرطة في 2011 للتحقيق في مباركته لهذا الكتاب. تكمن أهمية حاخامات المستوطنات في أنهم يمنحون الإرهاب غطاءً شرعيًّا. فالمستوطن الذي يعتدي على القاطفين أو يسرق محصولهم لا يرى نفسه خارقًا للقانون، بل منفذًا لحكم ديني. في 16 تشرين الأول 2026 أفتى ليئور بأن "قطف [اليهودي] للزيتون [الفلسطيني] في يهودا والسامرة مباح تمامًا، بل فيه فضيلة زائدة". وبنى فتواه على ثلاث حجج:
- الأولى مبدأ "اليأس" في الشريعة اليهودية، فقال ليئور: "إن لم تكن لدى [الفلسطينيين] إمكانية القطف لسبب أمني، فالأرجح أنهم يئسوا منه". أبسط توضيح لمعنى هذه الفتوى بأن نشبهها بمن سقطت منه قطعة نقود في سوق مزدحمة، فإذا تخلى عن البحث عنها بسبب الزحام، فإنه قد ييأس، ويعتبر كمن "تخلّى عنها"؛ عندها يصير الشيء "مالًا متروكًا"؛ أي بلا صاحب، ويحق لمن يجده أن يأخذه. تُسمّى هذه القاعدة في الفقه اليهودي بـ "اليأس". واستنادًا إليها، يفكر الحاخام ليئور على النحو الآتي: الجيش يمنع الفلسطيني من الوصول إلى بستانه، والمستوطن يرهبه بالقوة ويهدّد حياته، والفلسطيني يعرف أنه لن يستطيع أن يستمر في قطف زيتونه، إذن فقد "يئس" منه. وما دام قد يئس، فقد صار الزيتون بلا صاحب، ويحق لليهودي أن يقطفه من دون أن يُعدّ سارقًا. لكن الحاخام الذي يستوطن في قلب مدينة الخليل يقفز عن أمر جوهري وهو أن الفلسطيني لم يسقط منه الزيتون في سوق زحام، ولم يتخلَّ عنه، بل مُنع عنه بالقوة. فاليأس هنا لا يصدر عن قرار من المالك الفلسطيني، بل تصنعه البندقية والإرهاب، ثم تأتي الفتوى ذريعةً لأخذ الزيتون.
- في الشريعة اليهودية قاعدة تقول إن "الأرض لا تُسرق" (بالعبرية: "كاركاع إينا نغزيلت"). معناها أن من يستولي على قطعة أرض [كما يفعل الفلسطينيون اليوم في قرى الضفة الغربية] لا يصبح مالكًا لها مهما طال وضع يده عليها. فالأرض، بخلاف المال المنقول، تبقى في مكانها ملكًا لصاحبها الأصلي إلى الأبد. ويبني الحاخام ليئور على هذه القاعدة كالآتي: المالك الأصلي لأرض فلسطين هو "شعب إسرائيل"، لأن الله منحه إياها. والفلسطينيون لم يشتروها من اليهود، وإن وجودهم فيها، مهما امتد قرونًا، هو بمثابة وضع يد على أرض بدون إذن صاحبها، وهذا لا يمنحهم ملكيتها. وما دامت الأرض لليهود، فإن قطف المستوطن لزيتونها ليس سرقة، بل استرداد لما هو "له" أصلًا. هكذا تنقلب الأدوار بحيث أن المزارع الفلسطيني الذي غرس الشجرة يصير سارقًا، والمستوطن الذي يأخذ ثمرها يصير صاحب الحق.
- في الشريعة اليهودية حكم يتعلق بمن "ينزل إلى حقل غيره فيغرسه بدون إذنه".وكما جاء في إحدى رسائل التلمود (تحديدًا في رسالة "الباب الأوسط" (بابا متسيعا 101أ) المتعلقة بالمال المفقود)، فإن الأرض تبقى لصاحبها، لكن على صاحب الأرض أن يدفع للغارس (أي الفلسطيني) شيئًا في مقابل ما أضافه إليها من شجر وتعب على مدار السنوات السابقة، وبأدنى تقدير ممكن. هنا، يبني ليئور حجته الثالثة ويقرر أن الأرض لليهود، وبذلك صار الفلسطيني الذي غرس الزيتون في نظر الفتوى "غارسًا في حقل غيره". والسؤال الذي يتوقعه ليئور: أليس للفلسطيني حق في تعويض عن الأشجار التي غرسها؟ ويجيب بأنه حتى لو كان له حق، فقد استوفاه من الثمر الذي أكله طوال السنين؛ أفلا يشبع ويكتفي! وهذا يعني أنه إذا كان هناك "دين" لليهودي على الفلسطيني لقاء غرسه الزيتون في أرض إسرائيل، فإنه قد استعاده على مدار السنوات السابقة، ومن الجيد أن إسرائيل لن تطلب منه تعويضًا شريطة أن يقتنع الفلسطيني بأنه أخذ حقه في الماضي من ثمار الزيتون وقد سدّد الدين بالكامل.
ثانياً: بساتين الزيتون الفلسطيني في مقابل الاستيطان الزراعي اليهودي- "يا أنا يا أنت"!
في موسم الزيتون 2026 هناك صراع عنيف بين زراعتين في الضفة الغربية. من جهة، أكثر من 1.1 مليون دونم يدّعي الاستيطان الزراعي المسلح أنه "يحفظها" بالرعي والعنف، بحسب رابطة المزارع الاستيطانية. في المقابل، هناك نحو 845 ألف دونم من الزيتون الفلسطيني تحيط بالقرى، ولا يملك أصحابها حق الدفاع عنها. والتنافس بين الزراعتين ليس على السوق ولا على المحصول، بل على من يحق له أن يفلح الأرض (أو بالأحرى، من يستطيع أن يفلحها)، وبالتالي من يملكها؛ إذ إن الزراعة هي سند ملكية. بالنسبة للمستوطنين، يصبح كل دونم مفلوح ادعاءً بالسيادة، وتصبح العلاقة بين الزراعتين علاقة صفرية تختصرها العبارة الشعبية: "يا أنا يا إنت".
لا يقول المستوطنون هذه العبارة بلفظها، لكنهم يقولون ما هو أوضح منها. كشفت رابطة المزارع الاستيطانية في 10 أيلول 2026 عن خريطة تقول إن المزارع والبؤر الرعوية "تحفظ" أكثر من 1.1 مليون دونم، في مقابل 200 ألف دونم فقط تشغلها المستوطنات المبنية. والرابطة تتبنى مبدأ صريحًا "حيث يمرّ المحراث اليهودي، هناك تمرّ حدودنا". وتعلن أن هدف توسعها في أكثر من مليون دونم إضافية في المنطقة (ج) هو "منع سيطرة غريبة". وإذا كان المحراث اليهودي يرسم الحدود، فإن المحراث الفلسطيني، في المنطق نفسه، يرسم حدودًا مضادة. وهذا ما قالته جمعية "ريغافيم" قبل ثماني سنوات: "إن غرس أكثر من مليون شجرة على أيدي الفلسطينيين هو مليون إشارة تحذير"، لأن الهدف بحسبها "إنتاج تواصل جغرافي زراعي وفرض وقائع على الأرض".
غير أن الصراع غير متكافئ، لأن الدولة تقف خلف طرف واحد. فحين تتوسع المستوطنة الزراعية يزداد الاحتكاك العنيف، وبالتالي يتقلص البستان الفلسطيني. في قرية برقة في قضاء رام الله مثلًا، قلّص الجيش في 2026 المساحة المتاحة للقاطفين 85 دونمًا لأن بؤرة "عوز تسيون" توسعت. وفي محافظة جنين، حيث أُقيمت 12 بؤرة خلال سنة، أُضيف نحو 8,130 دونمًا إلى المساحات التي لا يدخلها المزارع إلا بتنسيق مسبق. وهي المحافظة نفسها التي تريد رابطة المزارع أن يصبح سهلها (تسميه بالعبرية: سهل دوثان) "كهضبة الجولان".
ولا يكتفي الاستيطان الزراعي بإزاحة الزيتون، بل يحلّ محله ويأخذ ثمره. فبينما تعمل معصرة سلفيت هذا العام بخط إنتاج واحد بالكاد، تعمل معاصر المستوطنات "على مدار الساعة"، بحسب المستوطن المتطرف إليشاع ييرد. وفي آب 2026 أُعلن 1,152 دونمًا من أراضي سنجل واللبن الشرقية وقريوت "أراضي دولة" لصالح بؤرة "غفعات هرئيل"، بالرغم من أن معظم كروم المستوطنين وبساتينهم هناك مغروسة على أرض فلسطينية خاصة. هنا يكتمل منطق "يا أنا يا إنت": يُمنع الفلسطيني من قطف شجرته، ثم يقطفها المستوطن، ثم تُعلن الأرض للدولة، ثم يغرس المستوطن كرمه فيها. وحين تأتي فتوى الحاخام دوف ليئور لتقول إن الفلسطيني الممنوع من الوصول "يئس" من زيتونه، فإنها تمنح هذا التسلسل غطاءً دينيًّا.
لهذا لا يحتاج الاستيطان الزراعي إلى اقتلاع كل شجرة زيتون، بل يكفيه أن يقتل الموسم.
ثالثاً: قيادة الحكم العسكري تعلن: "أراضي الدولة في الضفة الغربية ليست مشاعًا"!
في 17 أيلول 2026 نشرت صحيفة "يسرائيل هيوم" قرارًا نسبته إلى قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، ومفاده بأنه لأول مرة لن يُسمح هذا العام للقاطفين الفلسطينيين بـ"دخول المساحات المعرَّفة أراضي دولة لغرض قطف الزيتون". يسري القرار على الضفة الغربية كلها، ويشمل القطع التي قطفها أصحابها في السنوات السابقة (وهذا دليل على أن الأرض لم تكن متروكة؛ كما يجب أن نفهم من إعلان "أرض دولة"؛ ولكن لا يهم!). أما الأرض الخاصة فلا يُسمح بالقطف فيها إلا "بتنسيق أمني مسبق"، أي أن المزارع الفلسطيني لا يدخل أرضه إلا في أيام يحددها الجيش والإدارة المدنية، وفي ساعات محدودة، وبعد فحص قوائم الأسماء والملكية، ومعرفة كمية الزيتون التي ينوي حصدها. حتى الشرطة الإسرائيلية تسمّي هذا الإجراء "تصاريح". وبرّرت المؤسسة الأمنية القرار بـ"تقليص بؤر الاحتكاك مسبقًا" بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ومع افتتاح الموسم أضاف مصدر عسكري أن "أراضي الدولة ليست مشاعًا"، أي إن منع الفلسطيني لا يجب أن يفهم منه أنه يبيح للمستوطن القطف فيها.
لماذا يُعدّ القرار الأول من نوعه؟ قيّدت إسرائيل منذ العام 1967 الوصول إلى الأرض بأدوات إدارية مثل إغلاق المساحات المحيطة بالمستوطنات والبؤر، و"منطقة التماس" خلف الجدار، و"أوامر القطف" السنوية التي يصدرها قائد المنطقة الوسطى لقطع محددة على الخريطة. هذه المرة يقع المنع على فئة قانونية كاملة من الأرض في كل الضفة، لا على قطع محددة.
وفي الوقت نفسه، صدرت عن وحدة ضابط ركن الزراعة في الإدارة المدنية مذكرة بعنوان "الاستعداد لموسم قطف الزيتون في يهودا والسامرة لسنة 2026". توفر هذه المذكرة "قاعدة بيانات" تجمع فيها البيروقراطية الاستعمارية المعلومات عن الأرض ومواردها واستعمالاتها، ثم تستخدمها لتخطيط سياسات السيطرة والتوسع الاستيطاني، وتمنح هذه السياسات مظهرًا علميًا وموضوعيًا عبر لغة الأرقام والخرائط والتصنيفات.
تفتتح المذكرة بأن الزيتون هو "العمود الفقري" للزراعة الفلسطينية، ويعيش منه أكثر من 100 ألف عائلة؛ أي أكثر من 500 ألف نسمة، ويوفّر 3.6 مليون يوم عمل في سنة الوفرة. وأهم ما ورد فيها:
- يزرع الفلسطينيون نحو 845 ألف دونم بالزيتون، منها 790 ألفًا مثمرة و55 ألفًا غير مثمرة. وتلاحظ المذكرة قلة الغرس الجديد في السنوات الأخيرة بسبب "النقص الهائل" في الأمطار.
- تضم البساتين الفلسطينية في الضفة الغربية نحو 12.6 مليون شجرة، يثمر منها 11 مليونًا.
- تتوقع المذكرة 125 كغم للدونم وتصف السنة بأنها "متوسطة"، مقابل 55 كغم فقط في 2025؛ أي نحو 99 ألف طن من الزيتون هذا الموسم.
- يُتوقع إنتاج نحو 22 ألف طن من الزيت البكر، وهو المعدل السنوي العام بحسب المذكرة. ويأتي هذا بعد 8,404 أطنان في 2025، وهو أدنى رقم في السلسلة التي تعرضها المذكرة، في مقابل ذروة بلغت 36,100 طن في 2019.
- تقدّر المذكرة قيمة إنتاج الموسم بنحو 735 مليون شيكل، ويعيش من هذا المورد أكثر من 100 ألف عائلة.
- تتصدر طولكرم (168,640 دونمًا) وجنين (164,424 دونمًا) المساحة المثمرة بنحو 21% لكل منهما؛ أي إن أكثر من خُمسي الزيتون في الضفة يتركز في المحافظتين الشماليتين.
تحصي المذكرة أيضًا الأمطار والحرارة وقت الإزهار وأسعار الزيت، لكنها لا تذكر المستوطنين ولا البؤر ولا الحظر الذي أعلنته المؤسسة الأمنية في الشهر نفسه. فالاحتلال الإسرائيلي نفسه يحصي الشجرة في وثيقة، ويمنع الوصول إليها في وثيقة أخرى.
رابعاً: في خطاب المستوطنين- الزيتون الفلسطيني "احتلال زراعي غريب ليهودا والسامرة"!
ينظر الخطاب الاستيطاني إلى موسم قطف الزيتون الفلسطيني عبر ثلاثة سجلات: سجل الأرض، وسجل الأمن، وسجل "التحريض".
- في سجل الأرض، صاغت جمعية "ريغافيم" منذ 2018 مصطلح "الاحتلال الزراعي" لأول مرة واتهمت الإدارة المدنية بأنها "تغمض عينيها أمام الاحتلال الزراعي الذي تنفّذه السلطة الفلسطينية". وقال منسق نشاطاتها يشاي هامو إن "غرس أكثر من مليون شجرة على يد الفلسطينيين هو مليون إشارة تحذير". وعلى المنوال نفسه تقول رابطة المزارع الاستيطانية إن توسعها في المنطقة (ج) غايته "منع سيطرة غريبة"؛ أي أن الوجود الفلسطيني هو وجود "غريب" عن الأرض.
- في سجل الأمن، يتحول القاطف الفلسطيني إلى "متسلل" الى أرض يهودا والسامرة؛ و"المتسلل" عبارة لها وقع رنان في الخطاب الأمني؛ خصوصًا بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر. كتب عضو الكنيست تسفي سوكوت إلى وزير الدفاع في 5.11.2023 أن القطف "يتيح للفلسطينيين الوصول إلى أماكن يُمنعون من دخولها في الأيام العادية". وفي اليوم التالي طالب سموتريتش بـ"مناطق أمنية معقّمة" حول المستوطنات، واصفًا السياسة القائمة بأنها "جنون لست مستعدًّا للتسليم به بعد الآن". وادّعى أن "القطف يخدم العدو العربي لتنفيذ هجمات إرهابية وجمع معلومات استخباراتية". وقالت المستوطنة تامي برزنر من إلكناه إن "القطف مجرد ذريعة لدخولهم المنطقة". وما زال قياس السابع من أكتوبر حاضرًا في 2026، إذ يقولمستوطن متطرف: "إنهم يفحصون الأرض كما فحصوها في غزة".
- أما في سجل التحريض، فقال يوسي داغان، رئيس مجلس "شومرون"، إن "موسم القطف صار موسم التحريض"، ودعا إلى العمل "بقبضة حديدية". ثم استعار قائد لواء "يهودا والسامرة" في الشرطة، موشيه بينتشي، التلاعب اللفظي نفسه. وقال يسرائيل غانتس، رئيس مجلس مستوطنات الضفة الغربية "ييشع"، إن القطف صار "مهرجانًا لمنظمات الفوضويين" التي تسعى إلى "اختلاق افتراءات معادية للسامية"، ثم طالب الجيش بالتحرك.
ولم يبق هذا القاموس القائم على ثلاث فبركات في أوساط المستوطنين، فقد تبنّته الحكومة. قال الوزير إيتمار بن غفير عن ترحيل الناشطين الأجانب المشاركين في موسم قطف الزيتون إن "من يأتي للإضرار بدولة إسرائيل لن يبقى هنا دقيقة واحدة زائدة"، ودعا المدير العام لوزارة شؤون الشتات، أفي كوهين سكالي، إلى "منع دخول الفوضويين المحتملين وطرد من جاؤوا لإحداث الفوضى". وفي الوقت نفسه تدعو معصرة زيتون مقامة في إحدى البؤر الاستيطانية: "اقطفوا الزيتون، افتدوا الأرض، اصنعوا الصهيونية!".
خامسًا: من قادة أمن وصفوا عنف المستوطنين بـ "الأعشاب الضارة" فأصبحوا هم أنفسهم "الأعشاب الضارة"!
في حزيران 2006، وقبيل إخلاء عدد من البؤر الاستيطانية، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي في حينها، عمير بيرتس، أنه "لن نتحدث مع الأعشاب الضارة". كان التعبير يومها جزءًا من قاموس رسمي يصوّر عنف المستوطنين كظاهرة هامشية تشمل "حفنة" شاذة على أطراف "مشروع سليم". في كانون الأول 2015، بعد إحراق عائلة دوابشة في قرية دوما، ردّ أليشوف هار شالوم، أحد وجوه "شبيبة التلال"، على هذا التوصيف قائلًا: "نحن لسنا 'أعشابًا ضارة'، أنتم من ربّانا". بعد إحدى عشرة سنة يبدو أن الجملة صدقت، لكن بمعنى معكوس. فعنف المستوطنين انتقل من الهامش إلى المركز، والإسرائيليون الذين يرفضونه هم من صاروا "الأعشاب الضارة" بالنسبة لعاصفة الاستيطان المستعرة.
تكثّف قرية دوما نفسها هذا الانقلاب. ففي 12 تشرين الأول 2026 وصلت إليها مجموعة من كبار ضباط الأمن السابقين، أعضاء حركة "قادة من أجل أمن إسرائيل"، لمساعدة الأهالي في القطف. وقال اللواء (احتياط) وعضو الكنيست السابق إيال بن رؤوفين: "جئنا إلى دوما لنساعد في قطف الزيتون لأن السكان يخشون الخروج إلى القطف". وبحسب الحركة، "وصل ناشطو إرهاب يهودي وهاجموا نساء عربيات"، فتصدّى لهم أعضاء الحركة. غير أن الشرطة لم تعتقل المهاجمين، بل احتجزت العميد (احتياط) يوئيل فلدشو، الطيار الحربي السابق، ثم أفرجت عنه بشرط إبعاده عن المنطقة. أما رواية المستوطنين فقالت إن "أحد الفوضويين هاجم راعي المزرعة بعصا"، وقال مجلس "ييشع" إن بعض الناشطين "يأتون بهدف معلن هو افتعال الاستفزازات". هكذا صار جنرال الأمس "فوضويًّا"، وصار راعي البؤرة الضحية.
وليس فلدشو حالة منفردة. فقد قال بن رؤوفين إن ما يجري "جرائم فظيعة تذكّر بأمور مروّعة من تاريخنا"، وإن المستوطنين والشرطة وصفوه هو ورفاقه بـ"الفوضويين". وقال أنطون غودمان، المدير العام لمنظمة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان": "وصلنا إلى حال لم تعد فيه الشريعة هي التي تحكم". ووصف روعي كلايتمان من حركة "أبناء إبراهيم" ما يحدث بأنه "ضياع أخلاقي ويهودي في أقصى درجاته، تسرّب إلى قلب التيار المركزي للمستوطنين".
في المقابل، تحوّل الرفض إلى ملف أمني. فالمنظمات التي ترافق القاطفين، مثل "حاخامات من أجل حقوق الإنسان" و"توراة العدل"، تعمل منذ نحو عشرين عامًا، ويشارك في أيامها التطوعية نحو 600 متطوع سنويًّا. لكن الدولة باتت تتعامل مع حضورهم بوصفه سبب "الاحتكاك". ففي 22 تشرين الأول 2025 رُحّل 32 ناشطًا أجنبيًّا اعتُقلوا بالقرب من بورين. وفي 14 تشرين الثاني 2025 قرّر الجيش "تقييد الوصول إلى نشاط القطف لمن ليسوا من سكان المنطقة أو أصحاب الأرض". وفي 2026 هدّدت مديرية التنسيق والارتباط بإلغاء القطف المنسَّق كله في أي منطقة يُحضر فيها المزارعون مرافقين (هآرتس، 6.10.2026). وطالب المدير العام لوزارة شؤون الشتات، أفي كوهين سكالي، بـ"منع دخول الفوضويين المحتملين وطرد من جاؤوا لإحداث الفوضى".
هكذا انقلبت المعادلة التي صاغها بيرتس في 2006. الأعشاب الضارة في القاموس الرسمي اليوم لم تعد من يحرق ويسرق، بل من يقف بين المستوطن والقاطف، حتى لو كانوا من قادة الحكم العسكري، أو شغلوا مناصب عليا في إدارة حياة الفلسطينيين والهيمنة عليها في السابق. وبعد حادثة الاعتداء على الصحافية هايدي لِيفين (Heidi Levine) مصوّرة صحيفة "واشنطن بوست"، نشر بعض هؤلاء، الذي كانوا في السابق قادة الحكم العسكري، وباتوا اليوم "أعشابًا ضارة"، مذكرة منها نستطيع أن نستدل على أسمائهم ووظائفهم "المرموقة" في السابق، ومنهم اللواء (متقاعد) موشيه (بوغي) يعلون، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق، ووزير الدفاع السابق. واللواء (متقاعد) متان فلنائي، نائب رئيس الأركان السابق، ونائب وزير الدفاع السابق، ووزير الجبهة الداخلية السابق. واللواء (متقاعد) إيلان بيران، القائد السابق للمنطقة الوسطى في الجيش. واللواء (متقاعد) آفي مزراحي، القائد السابق للمنطقة الوسطى في الجيش. واللواء (متقاعد) غادي شمني، القائد السابق للمنطقة الوسطى في الجيش. واللواء (متقاعد) يعقوب (مندي) أور، المنسق السابق لأعمال الحكومة في الضفة الغربية. واللواء (متقاعد) إيال بن رؤوفين، القائد السابق لكلية الأمن القومي. وتامير باردو، الرئيس السابق لجهاز الموساد. والأميرال (متقاعد) عامي أيالون، الرئيس السابق لجهاز الشاباك. واللواء (متقاعد) غيورا أيلاند، الرئيس السابق لمجلس الأمن القومي. واللواء (متقاعد) موشيه كرادي، المفتش العام السابق لشرطة إسرائيل. والمحامية تاليا ساسون التي أعدت "تقرير ساسون" (2005) حول البؤر الاستيطانية غير القانونية في الضفة الغربية.
لكن كما هو واضح: لكل زمان دولة ورجال.
المصطلحات المستخدمة:
الموساد, الصهيونية, كريات أربع, هآرتس, يسرائيل هيوم, التيار المركزي, الإدارة المدنية, الكنيست, عمير بيرتس, إيال بن رؤوفين