المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
ديفيد زيني.. نموذج معبر عن المستفيدين من برنامج "تشرشل".  (إكس)
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 10
  • عبد القادر بدوي

نشرت صحيفة "هآرتس"، في مطلع الشهر الحالي، تحقيقًا موسعًا بعنوان "صندوق يهودي أميركي لوضع نخبة من المستوطنين في موقع السيطرة على أمن إسرائيل"، أعده كل من ياردين ميخائيلي ونتانئيل شلوموفيتش، سلّط الضوء على شبكة من المؤسسات والبرامج اليمينية المحافظة التي نشأت في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة بدعم فكري- مالي أميركي، وبدأت توجه جزءًا متزايدًا من نشاطها نحو المؤسسة الأمنية الإسرائيلية وإعادة صياغة السياسات الاستراتيجية. ويضع التحقيق "المركز للحرية الإسرائيلية (Herut Center)"، ومعهد "أرغمان" التابع له، وبرنامج "تشرشل" للأمن والاستراتيجية، في مركز هذه الشبكة، حيث يتتبع مصادر تمويلها وخلفيات المشاركين فيها، وعلاقاتها باليمين المحافظ في الولايات المتحدة، والتصورات التي تنتجها في قضايا الأمن والضفة الغربية ومستقبل العلاقة مع الفلسطينيين على وجه العموم.

ينطلق تحقيق "هآرتس" من فرضية أساسية مفادها أن جزءًا من اليمين الإسرائيلي انتقل خلال العقد الأخير من التركيز على المنافسة الحزبية والضغط السياسي المباشر إلى الاستثمار المنظم في بناء النخب نفسها، وقد ظهر هذا النموذج سابقًا في المجال القضائي من خلال المؤسسات المحافظة التي استثمرت في تدريب القانونيين والباحثين وإنتاج الأدبيات الدستورية، ثم برز عدد من الأشخاص المنتمين إلى هذه البيئة خلال النقاش حول قضية التعديلات القضائية، حيث يرى التحقيق أن نموذجًا قريبًا يتشكل اليوم داخل المجال الأمني، من خلال استقطاب ضباط ومسؤولين وباحثين في مسارهم المهني وإدخالهم في شبكة فكرية ومهنية تمتد لسنوات بعد انتهاء البرامج التدريبية.

من "تيكفا" إلى "حيروت"

يعود التحقيق إلى صندوق الأمل (Tikvah Fund)، وهي منظمة يهودية- أميركية محافظة عملت على مدر السنوات في إسرائيل في مجالات التعليم وإعداد القيادات الفكرية، وارتبط اسمها كذلك بتمويل "منتدى كوهيلت". ووفقًا لـ "هآرتس"، انتقل جزء كبير من نشاط "تيكفا" الإسرائيلي إلى مؤسسة محلية مستقلة تحمل اسم "المركز للحرية الإسرائيلية- حيروت" يديرها عميعاد كوهين الذي كان من الشخصيات المركزية في نشاط "تيكفا" سابقًا داخل إسرائيل.

وبحسب القوائم المالية التي اطلع عليها التحقيق، حولت "تيكفا" إلى المركز نحو3.5  مليون دولار في آذار 2024، ثم 1.5  مليون دولار بعد نحو ستة أشهر، مع التزام مالي إضافي وصل إلى خمسة ملايين دولار خلال العام 2025. ويتتبع التحقيق كذلك القناة الأميركية لجمع التبرعات لصالح المركز، وعلاقات سابقة جمعت إدارتها بشخصيات قيادية في "تيكفا"، فيما تؤكد المؤسسة في الرد الذي أورده التحقيق، أن هذه الصلات الإدارية انتهت خلال العام 2024 وأن الجمعية أصبحت تخضع لمجلس إدارة مستقل.

بحسب التحقيق، تظهر أهمية العلاقة الأميركية في المجال الفكري أيضًا، فالشبكة التي يرسمها التحقيق تربط بين مؤسسات إسرائيلية وبرامج تدريب وبين شخصيات ومفكرين ومانحين من المجال المحافظ الأميركي، وفي هذا المجال، يبرز اسم إليوت أبرامز، المسؤول السابق في إدارات جمهورية أميركية ورئيس "تيكفا"، ضمن الشخصيات التي شاركت في نشاطات برنامج "تشرشل"، كما تعتمد مناهج البرنامج على أعمال منظّرين ومفكرين في المحافظة والواقعية السياسية والعلاقات الدولية، في محاولة لتأسيس قاعدة فكرية مشتركة للمشاركين.

برنامج "تشرشل" والاستثمار في الأشخاص

يمنح التحقيق مساحة واسعة لبرنامج Churchill Program for Statecraft, Strategy and Security التابع لـ "معهد أرغمان"، ويستهدف البرنامج، وفقًا لما ورد في التحقيق، أشخاصًا يعملون في الأجهزة الأمنية والجيش والسياسة والإعلام والبحث، وغالبًا في مرحلة متوسطة من مسارهم المهني، عندما تكون أمامهم إمكانية الانتقال لاحقًا إلى مواقع أعلى داخل المؤسسات التي يعملون فيها. ويستند البرنامج إلى دراسة الفكر المحافظ والاستراتيجية والواقعية السياسية، ويستضيف مسؤولين وباحثين وشخصيات سياسية وأمنية من إسرائيل والولايات المتحدة، حيث يتجاوز هدفه تقديم دورة دراسية محدودة؛ إذ يعمل على المحافظة على العلاقة بين المشاركين بعد انتهاء البرنامج وبناء مجتمع خريجين يمكن أن يتطوّر مع تقدّم أعضائه داخل مؤسسات الدولة.

يضع التحقيق رئيس جهاز "الشاباك" الإسرائيلي ديفيد زيني في مقدمة الأمثلة التي يستند إليها، حيث شارك زيني في برنامج "تشرشل" خلال عامي 2022-2023، عندما كان ضابطًا رفيع المستوى في الجيش، قبل أن يصل لاحقًا إلى رئاسة جهاز "الشاباك"، وعلى الرغم من أن التحقيق لا يربط تعيين زيني بالبرنامج بعلاقة سببية مباشرة، لكنه يستخدم مساره لتوضيح طبيعة الجمهور الذي تسعى هذه المؤسسات إلى استقطابه، وهم شخصيات موجودة أصلًا داخل دوائر الدولة والأمن ويمكن أن يتحول بعضهم، خلال سنوات، إلى جزء من القيادة العليا لهذه الأجهزة.

ويورد التحقيق تصريحًا لعميعاد كوهين خلال إحدى فعاليات المركز، تحدث فيه عن المجتمع الذي يتشكل حول هذه البرامج بوصفه النخبة التي يمكن أن تحدد صورة إسرائيل بعد خمسة عشر أو عشرين عامًا، حيث تختصر هذه العبارة جانبًا مهمًا من فلسفة العمل التي يكشف عنها التحقيق؛ فالمنظمة تنظر إلى التأثير باعتباره عملية تراكمية تبدأ ببناء النخب والشبكات المشتركة التي تحتاج إلى سنوات قبل أن تظهر نتائجها داخل الدولة.

يشير التحقيق إلى حضور شخصيات مرتبطة بالصهيونية الدينية والاستيطان داخل الدفعات الأولى من البرنامج، وبينهم أشخاص لهم صلات بأكاديمية "بني دافيد" العسكرية في مستوطنة "عيلي"، إضافة إلى كوبي إليراز، الذي عمل لسنوات في ملفات الاستيطان داخل وزارة الدفاع (وهو مستوطن يقيم في مستوطنة "عيلي")، كما تناولت بعض الجولات التي نظمها البرنامج في مناطق في الضفة الغربية، من بينها مستوطنات "عيلي" و"إيتمار" ضمن نقاش حول الأهمية الاستراتيجية للضفة بالنسبة إلى إسرائيل.

من بناء شبكة قانونية إلى بناء شبكة أمنية

يقارن التحقيق بين الاستثمار الحالي في المجال الأمني وبين تجربة سابقة في المجالين القانوني والقضائي، فقد دعمت البيئة المرتبطة بـ "تيكفا" مؤسسات وبرامج عملت على إعداد نخب قانونية محافظة وإنتاج أدبيات حول القضاء والفصل بين السلطات وصلاحيات المؤسسات المنتخبة، ومع تصاعد الخلاف حول النظام القضائي ظهر بعض الأشخاص المرتبطين بهذه البيئة داخل النقاش البرلماني والقانوني الذي رافق خطة الحكومة لـ "التعديلات القضائية".

يرى التحقيق أن برنامج "تشرشل" يتبنّى منطقًا تنظيميًا قريبًا، حيث يعمل على استقطاب أشخاص موجودين داخل الأجهزة الرسمية، ومنحهم قاعدة فكرية مشتركة، وربطهم بسياسيين وباحثين وخبراء، ثم المحافظة على الشبكة المهنية التي تجمعهم بعد انتهاء البرنامج. ومع ذلك، تختلف المرحلتان من حيث القدرة على قياس التأثير، ففي المجال القضائي يمكن تتبع انتقال بعض الأشخاص والأفكار إلى لجان الكنيست ومسار التشريع بصورة أوضح. أما في المجال الأمني، فما زالت الأدلة تكشف عن شبكة آخذة في النمو، ولكنها لا تتيح حتى الآن إمكان تحديد مقدار تأثيرها في عملية صنع القرار نفسها.

الضفة الغربية: مشروع يتجاوز دعم الاستيطان

يكشف الشق المتعلّق بالضفة الغربية عن أحد أكثر مكونات المشروع وضوحًا، حيث يستعرض التحقيق ورقة أعدها كوبي إليراز، الذي عمل سابقًا في وزارة الدفاع مستشارًا في شؤون الاستيطان والضفة، قبل انتقاله إلى البيئة البحثية المحيطة بـ "أرغمان". تقترح الخطة التي يعرضها التحقيق تصورًا طويل المدى يقوم على فرض "السيادة الإسرائيلية" بصورة تدريجية في الضفة، بدءًا من غور الأردن ومنطقة "معاليه أدوميم الكبرى" ثم الكتل الاستيطانية ومناطق أخرى. ويترافق هذا المسار مع إعادة تسجيل الأراضي، ونقل مسؤولية أوسع عن البنية التحتية إلى الدولة الإسرائيلية، بما يشمل الطرق والمياه والطاقة والموارد الطبيعية وإعادة تعريف وظيفة "الإدارة المدنية" بما ينسجم مع التصور المقترح لـ "السيادة".

من ناحية ثانية، يمتد المشروع إلى مستقبل السلطة الفلسطينية، حيث تقترح الخطة تفكيك البنية المركزية للسلطة الفلسطينية وإحلال نموذج من الحكم المحلي اللامركزي تحت "السيادة الإسرائيلية"، إلى جانب إعادة تنظيم المؤسسات الأمنية والتعليمية الفلسطينية. أما على المستوى الديموغرافي، فتطرح الخطة مسارين، يتمثل الأول في "إقامة" يمكن أن تتطور إلى المواطنة وفق مجموعة من الشروط، المعقدة، والثاني تصفه الوثيقة بـ "الهجرة الطوعية" مع تعويضات مالية. ويضع التحقيق هذا الجزء في قلب البعد الديموغرافي للمشروع، إذ تتحدث الخطة عن تشجيع هجرة نحو نصف مليون فلسطيني خلال العقد الأول، ثم نحو 250  ألفًا خلال العقد التالي، وهو ما من شأنه تغيير التوازن الديموغرافي وفق الحسابات التي يعتمدها أصحاب هذا التوجه. وفي هذا السياق، تناقش الخطة إنشاء جهاز مختص بملف الهجرة، وإمكانية إقامة مطار تحت السيطرة الإسرائيلية بالقرب من "معبر اللنبي" أو في منطقة أخرى، بحيث يخدم، ضمن وظائف أخرى، حركة الفلسطينيين الراغبين في المغادرة.

إعادة صياغة العقيدة الأمنية

لا تكتفي الأوراق التي يناقشها التحقيق بمستقبل الضفة الغربية، حيث يعرض التحقيق مشروعًا أوسع لإعادة صياغة العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، يقوم على استعادة مبادئ المبادرة والحسم والضربة الاستباقية، وتوسيع القوات البرية والاستعداد لحروب متعددة الجبهات، وتقليص الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة، وإعادة النظر في بنية الاستخبارات وفي العلاقة بين القيادة السياسية والمستوى المهني داخل الأجهزة الأمنية.

كما يتناول التحقيق مقترحًا يتعلق بإعادة صياغة "روح الجيش ومنظومته الأخلاقية" (هو موضوع قمنا باستعراضه سابقًا في ملحق "المشهد الإسرائيلي")، مع منح الهوية القومية والتقليد اليهودي والنصر العسكري وزنًا أكبر، وتظهر مصر والأردن وإيران في الأوراق التي يناقشها التقرير ضمن رؤية أمنية تستعد لتحولات بعيدة المدى في البيئة الإقليمية، بما يشمل احتمالات تغير الأنظمة أو تحول التوازنات الحالية في المنطقة.

تعكس هذه الأوراق طموحًا يتجاوز برنامجًا تدريبيًا صغيرًا، فالشبكة التي يرسمها التحقيق تجمع بين إعداد النخب وإنتاج تصوّر متكامل لمسائل الأمن والدولة والأرض والسياسة الخارجية، ثم تعمل على بناء مجتمع من الأشخاص الذين يمكن أن يحملوا هذه الأفكار معهم إلى مواقع مختلفة وهامة في المستقبل.

المصطلحات المستخدمة:

هآرتس, الإدارة المدنية, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات