تشير آخر التقديرات السائدة في إسرائيل بشأن آخر الأوضاع في مناطق الضفة الغربيّة إلى أن مجموعة كبيرة من القيادة السياسية في إسرائيل لديها الرغبة في دفع الأوضاع في الضفة الغربية نحو مزيدٍ من التدهور، على أعتاب الانتخابات التي لم يتبق عليها سوى أقلّ من شهرين. وبحسب ما كتبت صحيفة "معاريف" بصريح العبارة قبل أيام معدودة: "هناك مَن يُجري حسابات مفادها بأن اندلاع مواجهات في الضفة الغربية ربما يغيّر الخريطة السياسية".
وتشير الصحيفة نفسها، من دون أدنى تردّد، إلى أن ما يحدث ميدانيًا في الضفة هو حالة من الفوضى، وكذلك إلى أن الأجهزة الأمنية تقف وراء أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون، بدءًا من قيادة المنطقة العسكرية الوسطى في الجيش الإسرائيلي والإدارة المدنية، مرورًا بجهاز الأمن العام ("الشاباك")، وصولًا إلى شرطة لواء الضفة الغربية، والتي أصبحت غير ذات صلة منذ فترة طويلة.
ساهم تصريح لعضو الكنيست منصور عباس، زعيم "القائمة العربية الموحدة"، الجسم البرلماني للحركة الإسلامية- الجناح الجنوبي، قال فيه إن "الدولة الفلسطينية قائمة"، في إثارة نقاش حام في الحلبة السياسية الإسرائيلية، ليصطف قادة أحزاب المعارضة الساعية لاستبدال حُكم بنيامين نتنياهو، في ما يشبه الطابور، أمام وسائل الإعلام الإسرائيلية ليؤكدوا رفضهم قيام دولة فلسطينية، بمن فيهم من يظهرون في الساحة السياسية وكأنهم رموز ما يسمى بـ "اليسار الصهيوني"؛ فسارع منصور عباس للتقليل من شأن تصريحه، معلنًا أن هذا ليس شرطًا لانضمامه إلى الائتلاف الحكومي لاحقًا، رغم رفضهم مشاركته، لكن كل هذه الزوبعة سلطت الضوء على مدى تماهي أحزاب المعارضة مع اليمين الاستيطاني، خاصة وأن قسمًا كبيرًا من هذه المعارضة نبع من هذا اليمين ولم ينفصل عنه يومًا.
في شباط 2026، صادقت الحكومة الإسرائيلية على قرار رقم 3882 بعنوان "تجديد تنفيذ تسوية الأراضي في مناطق 'ج' في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)". ولكن حتى نهاية آب 2026، عند كتابة هذا التقرير، لم يصدر الأمر العسكري الذي من شأنه أن يشرع بتنفيذ هذا القرار. فالحلقة "القانونية" الوحيدة المتبقية هي صدور أمر عسكري يُلغي أو يعدّل الأمر العسكري الذي صدر العام 1968 وأمر بتعليق التسوية الأردنية، وبدونه فإن القرار الحكومي لن يتحوّل إلى صلاحية نافذة في الأرض المحتلة. ومع ذلك، بُني الجهاز الإداري والمالي والتعاقدي للتسوية بالكامل تقريبًا خلال هذه الأشهر الستة. يستعرض هذا التقرير ما حصل وما لم يحصل في ملف تسوية هذه الأراضي.
يعود نفتالي بينيت إلى المنافسة على قيادة إسرائيل بعد أربع سنوات من خروجه من رئاسة الحكومة، غير أن إسرائيل التي يعود إليها ليست تلك التي غادرها في صيف 2022، فقد أعاد هجوم 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحرب الاستنزاف التي تلته ترتيب النقاش الإسرائيلي حول الأمن والقيادة والدولة، وضربا الثقة بالحكومة والمؤسسة الأمنية، فيما تحولت قضايا تجنيد الحريديم، وتحمّل أعباء الحرب، وعمل مؤسسات الدولة إلى خطوط انقسام تتجاوز التقسيم القديم في الخارطة الحزبية الإسرائيلية. في هذا المناخ، يحاول بينيت أن يقدم نفسه مجددًا باعتباره يمينًا آخر، أمنيًا من دون بنيامين نتنياهو، دينيًا من دون الارتهان للأحزاب الحريدية، استيطانيًا لكنه يريد الاستيطان تحت سلطة الدولة، ورجل إدارة وتكنولوجيا في مواجهة حكومة يصورها باعتبارها فاقدة للكفاءة.
أعلن العميد في الاحتياط في الجيش الإسرائيلي عوفر فينتر الأسبوع الماضي إقامة حزب يميني جديد يحمل اسم "عمخا يسرائيل" ("شعبك إسرائيل") وذلك بعد أسابيع من النقاش والتكهنات بشأن الحزب الجديد والشخصيات التي سيختارها فينتر شريكة له في الانتخابات المقبلة.
فمن هو هذا السياسي الجديد وبماذا يؤمن؟
في يوم 18 آب 2026 أقدمت إسرائيل على قصف قاعدة أبو الظهور في شمال سورية في ضربة أعادت إلى الواجهة النقاش الإسرائيلي حول الحضور التركي المتزايد في الساحة السورية، وحدود ما تستطيع إسرائيل القبول به من هذا الحضور. ولم تقتصر التحليلات الإسرائيلية التي تناولت العملية على تفسير الهدف العسكري المباشر، وإنما توسعت إلى بحث مستقبل النفوذ التركي في سورية وإعادة بناء القدرات العسكرية السورية ومكانة تركيا في حسابات الأمن الإسرائيلي واحتمالات تحول التنافس بين أنقرة وتل أبيب إلى احتكاك مباشر.
في هذه المساهمة نستعرض أبرز التحليلات الإسرائيلية التي تناولت هذه الضربة، والتي توزعت بين اتجاه يركز على ضرورة التحرك المبكر لمنع تشكل بنية عسكرية تركية تقيد حرية العمل الإسرائيلي، واتجاه يضع الحدث ضمن التحولات الأوسع التي تشهدها سورية بعد تراجع النفوذين الإيراني والروسي، وقراءات أكثر تحفظًا تحذر من توسيع الخطوط الحمراء ومن مخاطر التصعيد مع تركيا.
الصفحة 3 من 645