المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
صورة تعبيرية. (فلاش 90)
صورة تعبيرية. (فلاش 90)
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 33
  • هشام نفاع

تحت عنوان "التهديد الاقتصادي- الاجتماعي على إسرائيل"، وضع "معهد شورش للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية" استعراضًا لما وصفها بأنها "التحديات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية الجذرية التي تواجه إسرائيل، بوصفها قصة مترابطة تبدأ من التحوّل الذي طرأ على الأولويات الوطنية للدولة منذ سبعينيات القرن العشرين الماضي، وما ترتب عليه من آثار في إنتاجية العمل والبنى التحتية والتعليم ورأس المال البشري والإنفاق العام والديموغرافيا وتفاقم هجرة العقول". 

ووقّع الدراسة الجديدة الباحث دان بن دافيد، وصدرت في تشرين الأول 2026 المنصرم للتوّ.

في تعريف المعهد نفسه جاء أنه "تأسس العام 2015، ويحتفل بمرور عشر سنوات على تأسيسه بوصفه معهد أبحاث مستقلًا وغير خاضع لأي جهة. ويركز على تحديد مصادر المشكلات الداخلية الجذرية التي تشكل تهديدًا وجوديًا لمستقبل الدولة، وعلى آثارها طويلة الأمد. ومن خلال البحث باستخدام أدوات أكاديمية ورؤى قائمة على البيانات، يسعى المعهد للتأثير في السياسات الوطنية، من أجل ضمان مستقبل مستدام ومتساوٍ لجميع مواطني إسرائيل". ويشدد: "حرصًا على الحفاظ على استقلاليته، لا يتلقى معهد شورش تمويلًا من هيئات حكومية في إسرائيل أو خارجها". 

فيما يلي القسم الأول من استعراض التحليل البحثي الواسع، ستتبعه حلقة ثانية وأخيرة.

التحوّل: من المصالح العامة إلى المصالح القطاعية والشخصية

وفقًا للتحليل، فقد "بات الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بصورة متزايدة على قاعدة ضيقة من ذوي المهارات العالية، في حين يهدد تضافر التعليم الضعيف والتغيرات الديموغرافية السريعة قدرة الدولة على الحفاظ، على المدى الطويل، على اقتصاد بمستوى دول العالم المتقدمة، ونظام صحي متطور، وأمن قومي". ويرى أن الطريق إلى إسرائيل الراهنة "بدأ في سبعينيات القرن الماضي، عقب تحول في الأولويات الوطنية، من التركيز على المصالح العامة للدولة إلى تعزيز المصالح القطاعية والشخصية. حتى ذلك الحين، ركز الإنفاق الحكومي أساسًا على بناء بنى تحتية وطنية أتاحت لإسرائيل تقليص الفجوة في الإنتاجية الكلية مع دول مجموعة السبع، بل وتجاوزها حتى منتصف السبعينيات؛ وبناء المستشفيات بوتيرة واكبت النمو السكاني السريع؛ وزيادة أعضاء الهيئة الأكاديمية العليا في الجامعات البحثية بوتيرة تجاوزت نمو السكان؛ وتطوير بنية للنقل كان الازدحام فيها مماثلًا لمتوسط الدول الأوروبية الصغيرة".

لكن "منذ منتصف السبعينيات، عكست أولويات الميزانية نقص الاستثمار في البنى التحتية المادية والنظام الصحي والتعليم العالي ورأس المال البشري اللازم للحفاظ على مستوى معيشة دولة متقدمة. وظهر تحول في الإنتاجية الكلية، وأسرّة المستشفيات لكل ألف نسمة، وكثافة السير على الطرق، وأعضاء الهيئة الأكاديمية العليا لكل مائة ألف نسمة". ويفصّل أنه "خلال العقدين ونصف العقد الأولين من قيام الدولة، ارتفعت إنتاجية العمل في إسرائيل – أي متوسط ما ينتجه الإسرائيليون في ساعة العمل، وهو ما يؤثر في الأجر بالساعة – إلى مستوى أعلى من إنتاجية العمل في كل واحدة من دول مجموعة السبع. لكن الاتجاه انعكس عقب التحول في الأولويات الوطنية في منتصف السبعينيات. ففي العام 2024، كانت إنتاجية العمل في إسرائيل أدنى مما هي عليه في جميع دول مجموعة السبع باستثناء دولة واحدة".

المال كان متوفرًا لكن الأولويات الوطنية تغيرت

يلاحظ البحث أنه "غالبًا ما تُعرض النفقات الأمنية الإسرائيلية المرتفعة بصورة استثنائية بوصفها تفسيرًا لانخفاض الإنفاق المدني. غير أنه في منتصف السبعينيات، عندما انتقلت إسرائيل إلى المسار الاقتصادي والاجتماعي الذي يميزها اليوم، كانت النفقات المدنية للحكومة، بعد خصم النفقات الأمنية، أعلى من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD). وعلى مدى عقود، وحتى السنوات الأخيرة التي دخل فيها العالم المتقدم ’الركود الكبير’، كان الإنفاق المدني في إسرائيل أعلى من متوسط المنظمة أو مماثلًا له. لم تكن المشكلة يومًا نقص الموارد، بل تحويل الأموال العامة على أيدي قادة الدولة من أولويات وطنية عامة إلى أولويات قطاعية وشخصية". 

بالتفصيل: "أحدث التحول في الأولويات الوطنية اختلالًا داخليًا هائلًا. فإنتاجية العمل لدى 10% فقط من العاملين (في التكنولوجيا المتقدمة) أعلى بنسبة 22% من متوسط OECD، بينما تقل إنتاجية الـ90% الباقين في إسرائيل بنسبة 24% عن متوسط المنظمة. ولا يساهم سوى 20% من العاملين في 93% من مجمل إيرادات ضريبة الدخل، بزيادة عشر نقاط مئوية منذ العام 2000، في حين أن نصف العاملين فقراء إلى درجة أنهم لا يدفعون ضريبة دخل إطلاقًا. لا تستطيع دولة متقدمة أن تعتمد إلى الأبد على قاعدة إنتاجية وضريبية ضيقة إلى هذا الحد". 

في باب العبء الضريبي قياسًا بالشرائح السكانية يورد التحليل أن "الأسر اليهودية غير الحريدية تدفع، في المتوسط، ضرائب أكثر مما تحصل عليه في صورة مخصصات وخدمات حكومية. وتنقلب الصورة لدى المواطنين العرب، وبصورة أوضح لدى الحريديم، الذين يحصلون على أكثر بكثير مما يساهمون به. وكلما ازدادت حصة المجموعات ذات النتائج الضعيفة في سوق العمل، ازداد العبء الواقع على الشريحة الأصغر نسبيًا من السكان، بما يهدد القدرة المستقبلية اللازمة لتمويل الصحة والتعليم والبنى التحتية والأمن. وتشمل التحويلات الحكومية القيمة المقدرة لخدمات الصحة والتعليم والأمن والقضاء والبنى التحتية والرعاية الاجتماعية والنقل العام والإسكان العام وسائر نفقات الدولة. وتشمل الإيرادات الضرائب على الأفراد والتأمين الوطني وضريبة الصحة والقيمة المضافة والشركات والمشتريات والوقود والضرائب البلدية والعقارية والرسوم الجمركية".

الإعانات للحريديم تفوق الإنفاق الحكومي على الجامعات والمستشفيات

وفقًا للتحليل فإن "قيمة الإعانات العامة والتخفيضات والامتيازات التي يحصل عليها الحريديم أعلى من مجموع الإنفاق الحكومي على الجامعات البحثية والمستشفيات، ويبقى مبلغ كبير كان يمكن أن يموّل تشغيل مستشفيات وجامعات بحثية إضافية. ويعني ذلك تحويل الموارد المطلوبة لتوسيع رأس المال البشري وتعزيز النظام الصحي والمناعة الوطنية إلى حوافز تشجع عدم العمل وتحول دون اكتساب التعليم الأساسي، بما يضعف الأسس التي ينبغي للاقتصاد والدولة أن يستندا إليها. وهذه عينة من اتجاه الأولويات الميزانية منذ السبعينيات".

يرى التحليل أن "قدرة إسرائيل على الاستمرار دولة متقدمة تعتمد على قاعدة ضيقة جدًا من رأس المال البشري. فنحو 3% فقط من السكان – العاملون في وظائف التكنولوجيا المتقدمة، والأطباء، وأعضاء الهيئة الأكاديمية العليا في الجامعات البحثية – يشكلون البنية البشرية التي يستند إليها محرك النمو الاقتصادي والنظام الصحي وقدرة الدولة على البقاء في طليعة المعرفة. في دولة يبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة، يبلغ عدد هؤلاء نحو 287 ألف شخص فقط. وهم المفتاح لمحرك الاقتصاد، وجودة الرعاية الطبية، والقدرات البحثية والإبداعية. في السنوات الأخيرة، تجاوزت استثمارات رأس المال المخاطر في إسرائيل، كنسبة من الناتج، ضعفي نظيرتها في الولايات المتحدة وأكثر من 15 ضعف متوسط بقية دول OECD. كما بلغت حصة البحث والتطوير المحلي الممول من الخارج 13 ضعف متوسط المنظمة. وتندرج جامعتا تل أبيب والتخنيون بين الجامعات العشر الرائدة عالميًا من حيث عدد خريجيهما الذين أسسوا شركات ناشئة. لكن هذا التفوق يعتمد على مخزون صغير جدًا من ذوي المهارات العالية، فيما يهدد التعليم الأساسي المتدني للمجموعات الأسرع نموًا بتقليص القاعدة اللازمة لتجديد هذا المخزون".

حال التعليم بات في أسفل دول العالم الذي يعتبر متقدمًا

وفقًا لمراجعات "معهد شورش"، فقد "كان متوسط نتيجة إسرائيل في الرياضيات والعلوم والقراءة في اختبار PISA الأخير (2025) قريبًا من أسفل ترتيب دول OECD، كما كان طوال العقدين الماضيين. وكان المتوسط الوطني سيصبح أدنى لو شمل الفتيان الحريديم الذين لا يدرسون المواد المطلوبة ولا يشاركون في الاختبارات. وتأتي المدارس الحكومية والحكومية الدينية دون مستوى معظم دول المنظمة. أما نتائج الناطقين بالعربية في إسرائيل فهي أدنى من نتائج دول كثيرة في العالم الثالث، بل وأدنى من نتائج ست دول من أصل سبع دول عربية شاركت في الاختبار".

هو يشدد على أنه "بالرغم من موقع إسرائيل المتدني في المتوسطات الوطنية، فإن فجوات التحصيل داخل الدولة من الأكبر في OECD، وتعكس اختلافات عميقة في جودة رأس المال البشري لدى المجموعات والتيارات التعليمية. إن الجمع بين متوسط منخفض جدًا وتفاوت مرتفع في التحصيل يشكل تهديدًا طويل الأمد للنمو الاقتصادي والاستدامة المالية، ويضر بالحراك الاجتماعي ويعمق الانقسام".

يتابع قائلا إن "جميع المدارس الحريدية تقريبًا في إسرائيل تُدار على أيدي منظمات سياسية تحرم الأطفال من برنامج كامل للمواد الأساسية. كما أنها لا تخضع إلى معايير الرقابة والامتثال الوطنية نفسها المفروضة على التيارات الأخرى، ما يصعّب تقييم مستوى التعليم في المواد الأساسية، ولا سيما لدى الفتيان. وقد وجدت دراسة لبنك إسرائيل أن احتمال حصول الفتيان الذين درسوا في المدارس الحريدية التي تديرها حركة شاس على شهادة بجروت أو الاندماج في سوق العمل أو الحصول على أجر مرتفع، كان أقل بكثير من احتمال ذلك لدى أطفال ذوي خصائص مشابهة درسوا في سائر تيارات التعليم العبري".

نظام التعليم والتغير الديموغرافي السريع يخلقان "تحديًا للأمن القومي"

يرى البحث أن "تضافر نظام التعليم مع التغير الديموغرافي السريع يخلق تحديًا للأمن القومي ذا أبعاد وجودية. حيث يتلقى نحو نصف أطفال إسرائيل – ومن بينهم العرب والحريديم والتلاميذ في الأطراف الجغرافية والاجتماعية – تعليمًا بمستوى العالم الثالث، وينتمون إلى المجموعات الأسرع نموًا. وعندما يشكل هؤلاء نصف السكان البالغين، ثم أغلبية السكان، لن يكون في مقدورهم سوى إقامة اقتصاد بمستوى العالم الثالث، لا يستطيع صيانة أنظمة الصحة والرعاية الاجتماعية أو جيش بمستوى العالم الأول، وهو المستوى الضروري لبقاء إسرائيل ماديًا. ويبين توزيع تلاميذ الصف الأول في العام 2026: 25% حريديم، 23% ناطقون بالعربية، 17% تعليم حكومي ديني، و35% تعليم حكومي. ويشير البحث إلى أن معظم الفتيان الحريديم لا يتعلمون المواد المطلوبة، وأن تحصيل الناطقين بالعربية أدنى من تحصيل دول العالم الثالث".

بناء على المعطيات السابقة، يستخلص التحليل أنه "مع تطور إسرائيل، تراجعت احتمالات تشغيل الرجال ذوي التعليم المنخفض. فقد انخفضت نسبة الرجال الذين لم يتجاوز تعليمهم 0–8 سنوات من نحو 63% من الرجال في سن العمل الأساسية (35–54 عامًا) العام 1970 إلى 4% فقط العام 2024، وكاد الطلب على عاملين من هذا النوع أن يتلاشى. وعلى خلاف الاعتقاد الشائع، كانت معدلات تشغيل الرجال الحريديم مرتفعة في الماضي؛ إذ انخفضت من أكثر من 80% العام 1979 إلى نحو 60% في السنوات الأخيرة. وينسب الدليل هذا الانخفاض إلى قفزة في الإعانات والمخصصات والحوافز لعدم العمل، إلى جانب تعليم أقل ملاءمة للاقتصاد الحديث؛ فبعد الصف الثامن يتوقف جميع الفتيان الحريديم تقريبًا عن دراسة حتى القدر القليل من المواد الأساسية الذي تلقوه. وتشبه معدلات تشغيل الحريديم معدلات الرجال الذين لم يتجاوز تعليمهم 0–8 سنوات، لكن هذه الفئة آخذة في الاختفاء، بينما ينمو السكان الحريديم نموًا أسيًا. وبلغت حصة الحريديم من الرجال في سن 35–54 العام 2024 نحو 8.2%، أي ثلاثة أضعاف ونصف ضعف حصتهم العام 1979 (2.3%). وهذا مسار غير قابل للاستدامة".

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات