تهدف هذه الورقة إلى تحليل الخطوات الأخيرة التي قامت بها الحكومة الإسرائيلية لناحية تعزيز طابع إسرائيل الديني في بعده الأرثوذكسي، مما يحولها إلى دولة يهودية أرثوذكسية. وقد ساهمت في ذلك مجموعة من القوانين والسلوكيات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في المجال العمومي وفي سياساتها بشكل عام. وينعكس تديين المجال العمومي في إسرائيل على علاقة الدين والدولة من جهة، وعلى تصديع تفاهمات الوضع القائم التي صاغها دافيد بن غوريون بعيد تأسيس دولة إسرائيل، كما ينعكس على قوة ونفوذ الشارع العلماني في إسرائيل، ويؤدي إلى إعطاء مجموعة صغيرة في المجتمع الإسرائيلي إمكان التحكم والهيمنة على المجال العمومي وعلى نمط الحياة في المجتمع الإسرائيلي، كما أنه يساهم في تأزيم علاقات إسرائيل مع المجموعات اليهودية في

العالم والتي غالبها لا ينتمي إلى التيار الأرثوذكسي.

مقدمة: المتدينون  في إسرائيل

تعتبر دراسة عدد المتدينين في إسرائيل وصفاتهم الديمغرافية من القضايا المختلف عليها في إسرائيل، فهناك تقديرات مختلفة لعدد المتدينين في إسرائيل، ولتحديد صفة المتدين عموما. وفي العموم يتم تقسيم المجموعات الدينية في المجتمع اليهودي إلى ثلاث مجموعات أساسية: المحافظون أي أصحاب التديّن المحافظ الشعبي؛ المتدينون الأرثوذكس (الحريديم) من شرقيين وأشكنازيين، وهم اليهود المتزمتون دينيا في نمط حياتهم الدينية؛ المتدينون القوميون، أي أبناء تيّار الصهيونية الدينية.

للولوج إلى حقيقة عدد المتدينين وخاصة المجموعتين الأخيرتين، يتبع الباحثون طرقا عديدة للوصول إلى عددهم الدقيق أو الأقرب إلى الدقة في المجتمع اليهودي، وفي غالبية الطرق يتم الوصول إلى العدد الأقرب للحقيقة وليس إلى عددهم الدقيق في المجتمع. فهناك من يحاول الوصول إلى عددهم ونسبتهم من خلال معطيات حول جهاز التعليم الديني في إسرائيل، فكل تيار ديني يتمتع باستقلالية تعليمية معينة، وهناك التعليم الحريدي- الأرثوذكسي الحكومي التابع لوزارة التعليم الإسرائيلية، وهناك التعليم الحريدي الخاص، ولكنه يحصل على تمويل من الوزارة حسب عدد الطلاب، كما هو الحال مع جهاز التعليم الخاص بحركة شاس الدينية- "همعيان". وكذلك الأمر بالنسبة للتعليم الديني القومي، وهو أيضا جهاز تعليمي حكومي تابع لوزارة التعليم الرسمية. ومن خلال أجهزة التعليم الدينية، مثلا، يستطيع الباحثون الوصول إلى عدد تقريبي لنسبة المتدينين في المجتمع الإسرائيلي.

هناك طرق أخرى مثل التعريف الذاتي لمستوى التديّن في عدد من المسوحات الإحصائية التي يقوم بها مكتب الإحصاء المركزي، أو مراكز أبحاث مستقلة، بالإضافة إلى طرق أخرى يعتمدها الباحثون، مثل مخصصات الطلاب المتدينين الذي يدرسون في المدارس الدينية الأرثوذكسية.

وقد وصل عدد المتدينين الأرثوذكس (الحريديم) في العام 2010 إلى حوالي 833 ألف نسمة، حيث وصلت نسبتهم إلى حوالي 11% من مجمل سكان الدولة، وحوالي 13.6% من السكان اليهود في إسرائيل. [1] وتشير المعطيات التي أوردها تقرير معهد "شموئيل نئمان" في معهد التخنيون في حيفا إلى أن معدل الزيادة في عدد الحريديم في إسرائيل يتراوح بين 4-7 بالمئة في السنة، وذلك يعني أن الحريديم يضاعفون عددهم كل 10-16 سنة. [2] وحسب تقرير صدر بعنوان "إسرائيل 2028"، فإنه إذا استمرت المؤشرات الديمغرافية الحالية للحريديم في نفس الاتجاه، فإن نسبة السكان الحريديم ستشكل في العام 2028، حوالي خُمس (20 بالمئة) السكان اليهود في إسرائيل، وسيشكل الطلاب الحريديم الذين سيلتحقون بالصف الأول حوالي 40% من مجمل طلاب الصف الأول اليهود في نفس العام.  [3] وبحسب تنبؤات مكتب الإحصاء المركزي، المعتمدة على السمات الديمغرافية الحالية للحريديم في إسرائيل، فإن عددهم سيصل في العام 2059 إلى حوالي أربعة ملايين ومئة ألف نسمة، وسيشكلون حوالي 35% من مجمل السكان في إسرائيل، بينما ستشكل شريحة الجيل 0-19 الحريدية في نفس العام ما يقارب 50% من مجمل السكان في الدولة (وليس اليهود فقط).  [4] وتوضح المعطيات أن معدل التكاثر الطبيعي للمرأة المتديّنة الحريدية يصل إلى 6.5% مقارنة مع 2.9% في المجتمع اليهودي عموما. [5]

 جدول (1): المميزات الديمغرافية للحريديم  مقارنة مع مجمل اليهود في إسرائيل

   سنة المقارنة  السكان الحريديم  مجمل السكان اليهود
 نسبة الزيادة السنوية(ولادة وهجرة)  2002  1.7%  1.4%
 معدل عدد الأولاد للمرأة (التكاثر الطبيعي العام)  2001  7.7 أولاد  2.6 اولاد
 الشريحة العمرية 25-29: نسبة المتزوجين  2006  93.4%  47.2%
 الشريحة العمرية 25-29: نسبة من لديهم أولاد (0-5 أولاد).  2006  73.4%  32.7%
 معدل الفقر  2006-2007  59.1%  14%

المصدر: تقرير شموئيل نئمان، ص:4

وفي استطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" حول درجة التدين في المجتمع اليهودي في إسرائيل، أشار 11% إلى أنهم متدينون حريديم، و6% عرّفوا أنفسهم كحريديم- قوميين، و31% عرّفوا أنفسهم كمتدينين قوميين، و24% كمتدينين محافظين، و12% كمتدينين ليبراليين.  [6] والباقي عرّفوا أنفسهم كعلمانيين.

يدل هذا الاستطلاع المبني على تعريف الفرد الذاتي لمستوى تدينه، على أن 48% من اليهود عرّفوا أنفسهم بأنهم متدينون (حريديم- حريديم قوميون ومتدينون قوميون)، بينما يعتبر ربع اليهود أنفسهم بأنهم محافظون متدينون، وبذلك يبقى ربع اليهود في إسرائيل في خانة غير المتدينين أو العلمانيين.
في المقابل تعرض المسوحات التي يجريها مكتب الإحصاء المركزي (أنظر جدول 2) صورة أكثر معتدلة من استطلاع "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، حيث تشير هذه المسوحات إلى أن نسبة اليهود الذين يعرّفون أنفسهم كمتدينين من خلال أنماط تدين مختلفة هي 33% من المجتمع اليهودي.

 

جدول (2) أنماط التدين في المجتمع اليهودي حسب استطلاعات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي (بالنسبة المئوية)

  2009 2010 2011   2012 2013
حريدي 8.2 8.8 8.8   9.4 8.9
مدين 11.7 9.6 10   9.9 10.5
محافظ متدين 13.3 13.7 15   13.6 13.3
محافظ غير متدين 25.2 24.4 32.2   22.6 23.3
غير متدين 41.1 43.4 42.5   43.9 43.4
غير معروف  0.3 0.4 0.3   0.7 0.3

المصدر: هيرمن وآخرون (2014)، ص: 44.

على الرغم من اختلاف التقديرات الديمغرافية بين الدراسات المختلفة حول عدد المتدينين في إسرائيل، إلا إن جميعها تتفق على أن هناك ازديادا في نسبتهم السكانية في المجتمع اليهودي. وتؤدي التحولات الديمغرافية في صفوف المتدينين والمحافظين إلى زيادة قوة الأحزاب الدينية واليمينية، فالمتدينون وخاصة المحافظين منهم يصوتون للأحزاب الدينية، أو الأحزاب اليمينية القومية، بينما يميل العلمانيون أو غير المتدينين للتصويت لأحزاب اليسار أو الوسط.المصدر: هيرمن وآخرون (2014)، ص:44.

تعزيز أرثوذكسية إسرائيل في المشهد السياسي:

ازداد تأثير المتدينين عموما وأبناء الصهيونية الدينية خصوصا في المشهد السياسي الإسرائيلي، وقد تجلى ذلك في زيادة تمثيلهم البرلماني، وزيادة تأثيرهم على الحكومات الإسرائيلية، خاصة وأن الأحزاب الحاكمة باتت تحتاج إلى الأحزاب الدينية لتشكيل الحكومة ولاستقرار الائتلاف الحكومي. وعندما قرر بنيامين نتنياهو استبعاد الأحزاب الدينية الأرثوذكسية من حكومته عام 2013 فإنها لم تصمد أكثر من عامين، فعاد وأكد أن الأحزاب الدينية حلفاء طبيعيون لحكومات اليمين. ويعتبر تمثيلهم البرلماني وحجمه أحد المؤشرات على زيادة قوتهم ونفوذهم السياسي في المشهد السياسي الإسرائيلي، برغم أنهم متفرقون بين أحزاب عديدة، ولكن وجودهم وحضورهم يعتبر إقرارا حتى في الأحزاب غير الدينية كالليكود مثلا بأهمية هذا القطاع وخطابه في المجتمع الإسرائيلي، حيث تعتمد الحكومة الحالية بشكل كامل على الأحزاب المتدينة في ديمومتها في الحكم. وهو ما يزيد من تأثيرهم على قرارات الحكومة.

وازداد عدد أعضاء البرلمان المتدينين في الكنيست الإسرائيلي منذ منتصف التسعينيات. ففي انتخابات الكنيست السابع عشر (عام 2006)، وصل عددهم إلى 34 عضو كنيست، وفي انتخابات الكنيست الثامن عشر وصل إلى 29 عضو كنيست (عام 2009)، وفي انتخابات الكنيست التاسع عشر (2013) وصل إلى 40 عضو كنيست أي بنسبة تصل إلى حوالي 31% من أعضاء الكنيست، وفي انتخابات الكنيست العشرين (2015) وصل عددهم إلى 27 عضو كنيست، وذلك نابع مع تراجع تمثيل شاس و"البيت اليهودي"، وبسبب الانشقاق الذي حدث في شاس وخسارة الطرف المنشق في الانتخابات وضياع أربعة مقاعد على الحركة، والثاني بسبب سياسات الليكود التي جذبت مصوتين من القواعد الاجتماعية لحزب "البيت اليهودي".

كذلك الأمر ازداد تمثيل المستوطنين (أبناء الصهيونية الدينية غالبا) في الكنيست، فبينما كان هناك عضو كنيست واحد من المستوطنات في عام 1984، وصل تمثيلهم في الكنيست التاسع عشر (2013) إلى 12 عضو كنيست (6 من قائمة "الليكود- بيتنا" [تحالف حزبي الليكود و"إسرائيل بيتنا" برئاسة أفيغدور ليبرمان] و5 من "البيت اليهودي") ووصل تمثيلهم في الكنيست العشرين (2015) إلى عشرة أعضاء كنيست. وهو تمثيل أكبر من نسبتهم من بين السكان في إسرائيل. ويبين هذا الإحصاء قوة الأحزاب الدينية الانتخابية، لكنه لا يعبر عن قوة المتدينين الذين يتواجدون في أحزاب غير دينية وخاصة في حزب الليكود.

في المجال العمومي:

اتخذت الحكومة الإسرائيلية الحالية سلسلة من القوانين التي تهدف إلى تعزيز أرثوذكسية المجال العمومي في إسرائيل. ويمكن في هذا السياق الإشارة إلى مجموعة من اقتراحات القوانين والقوانين التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في هذ الصدد:
1- قانون تنظيم الصلاة والشعائر الدينية في ساحة "حائط المبكى" (الجدار الجنوبي للمسجد الأقصى المبارك)، والذي قامت من خلاله الحكومة بإلغاء التفاهمات التي توصلت إليها الحكومة سابقا وسمحت للنساء بالصلاة في مساحة مخصصة لهن، أو إعطاء مجال لليهودية غير الأرثوذكسية في ممارسة شعائرها الدينية، حيث أبقت الحكومة وشرعنت السيطرة الأرثوذكسية على ساحة الحائط الجنوبي، وهو ما أثار غضب اليهودية الإصلاحية والمحافظة عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا.

2- إلغاء قانون التجنيد: وهو القانون الذي سنته الحكومة في دورتها السابقة عندما كان حزب "يوجد مستقبل" في الحكومة والذي فرض عقوبات على المتدينين المتزمتين الذي لا يخدمون في الجيش، وتحت تأثير ممثلي الأحزاب الدينية في الحكومة الحالية، الذين لم يكونوا جزءا من الحكومة السابقة، تم إلغاء هذا القانون وإصدار قانون جديد متفق عليه مع الأحزاب الدينية يرجع الوضع إلى ما كان عليه في السابق.

3- حصرية التهويد الشخصي للمؤسسة الدينية الأرثوذكسية في إسرائيل، حيث حصلت المؤسسة الدينية الأرثوذكسية على احتكار التهويد الشخصي ملغية بذلك كل تهويد لا يتم من خلالها أو من خلال حاخامين من طرفها أو حصلوا على شرعيتها، ولا ينحصر هذا الإجراء على التهويد في إسرائيل فحسب، وإنما أيضا طال التهويد الذي يتم في العالم حيث أنه لكي يتم قبول هذا التهويد عليه أن يكون من خلال مؤسسات وشخصيات حاصلة على شرعية المؤسسة الأرثوذكسية في إسرائيل.

4- تعزيز مكانة المحاكم الدينية في الحياة المدنية في إسرائيل، فيما يتعدى قضايا الأحوال الشخصية.

5- اقتراح قانون القومية، والذي يعطي أهمية للتراث القضائي العبري اليهودي في المحاكم المدنية، حيث ينص أحد بنود قانون القومية على أنه في حال لم يجد القاضي إجابة على قضية من القانون المدني يمكنه العودة إلى القانون العبري وأخذ حكمه منه على القضية المطروحة أمامه.

6- ترتيبات العمل يوم السبت والتي تشمل محاولة إغلاق المحال التجارية، ومصادرة صلاحية السلطات المحلية في تحديد سياساتها المحلية في هذا الشأن وإعطاء الصلاحيات الكاملة بهذا الخصوص لوزير الداخلية.

7- منع العمل على صيانة سكة الحديد أيام السبت، والتي كانت ستؤدي إلى إسقاط الحكومة لولا تدخل نتنياهو في اللحظة الأخيرة ومنع العمل أيام السبت في هذه الصيانة.

تأزم العلاقة مع  يهود العالم

ساهم تعزيز أرثوذكسية إسرائيل في تصديع العلاقات بين الجالية اليهودية في أميركا وبين إسرائيل. وقد بدأ هذا التصدع بشكل كبير بعد انتخاب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، فقد راهن اليمين في إسرائيل على إدارة ترامب في إسقاط أيديولوجيته على أرض الواقع، وذلك على الرغم من التوجهات التي يحملها مستشارو ترامب، سواء تلك ذات الطابع العنصري وتلك ذات الملامح اللاسامية، وهو ما يعزز القطيعة بين اليهود في الولايات المتحدة وبين إسرائيل. وكتب مراسل صحيفة "هآرتس" في الولايات المتحدة الأميركية، حيمي شاليف، مثلاً أنه "لو كان باراك أوباما هو من يتلعثم حول إنكار المحرقة، كما يفعل دونالد ترامب هذه الأيام، لقامت الدنيا على طرفيّ المحيط، ولكان مشرعون جمهوريون سيطالبون برأسه، وكانت منظمات يهودية على اختلافها ستنتقده بكلمات شديدة اللهجة، وكان بنيامين نتنياهو سينشر بيانا شديد اللهجة [...] وكان وزراء الحكومة وأعضاء كنيست سيصفونه بأنه لاسامي، كاره لإسرائيل، مسلم من كينيا ومؤيد للنازية. ولكن عندما يكون الحديث عن ترامب، عزيز اليمين وإله المستوطنين، فلا أحد في الدولة يفتح فمه. الرئيس الأميركي الجديد شطب اليهود من البيان الذي أصدره في ذكرى اليوم العالمي للمحرقة، وأوضح بعد ذلك أن الأمر كان مقصودا وليست لديه نية للتراجع عنه. كل المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة بمن في ذلك أولئك الذي ينتمون لليمين ومع شلدون إدلسون، احتجوا بشدة، كما أن مشرعين أميركيين احتجوا بشدة، برغم أن كل الضجة اختفت في عاصفة التقييدات التي فرضها ترامب- بالذات في يوم المحرقة العالمي- على استيعاب لاجئين ومهاجرين مسلمين، أما في إسرائيل فلا شيء، صمت مطبق".  [7]

غير أن الشرخ الكبير بدأ في هذه الاثناء بين إسرائيل واليهود في العالم عموما واليهود الأميركان خصوصا، وذلك على ضوء القرارين الذي اتخذتهما الحكومة الإسرائيلية الحالية: الأول بشأن إعطاء سلطة مطلقة وحصرية للمؤسسة اليهودية الأرثوذكسية في إسرائيل لتحديد سيرورة التهويد الشخصي (قبول شخص لليهودية)، حيث ترفض هذه المؤسسة أي سيرورة إدخال شخص لليهودية لا تكون خاضعة لمؤسساتها وحاخاميها، وهذا يضرب المئات من المؤسسات الدينية في العالم وينزع الشرعية عن عمليات التهويد التي يقوم بها رجال دين يهود لا ينتمون إلى اليهودية الأرثوذكسية (هناك أيضا التياران الإصلاحي والمحافظ في اليهودية واللذان تنزع عنهما اليهودية الأرثوذكسية شرعية التهويد، والبعض حتى يشكك في صفائهما الديني). أما القرار الثاني فهو القرار الذي اتخذته الحكومة الإسرائيلية بإلغاء التسوية التي تم التوصل لها بين التيارات الدينية اليهودية حول الصلاة في الحائط الجنوبي (حائط البراق) للمسجد الأقصى المبارك، فبعد أن اتخذت الحكومة قرارا بتقسيم مساحة الحائط وإعطاء حيز لليهودية الإصلاحية والسماح للنساء اليهوديات بإقامة شعائر دينية فيه، تراجعت الحكومة وألغت هذه التسوية مما أثار غضب المجموعات اليهودية في العالم وفي أميركا خصوصا.

وقد اعتبر توماس فريدمان الصحافي الأميركي اليهودي أن هذه القرارات تشكل خطرا على الأمن القومي الإسرائيلي. ويشير فريدمان إلى أن هناك ستة ملايين يهودي في إسرائيل، وستة ملايين يهودي في الولايات المتحدة، وأربعة ملايين في أنحاء العالم، حيث أن 75% من يهود العالم هم يهود غير أرثوذكس.  [8] واعتبر أن هذه القرارات ستحدث قطيعة بين إسرائيل ويهود العالم الذين يدعمون إسرائيل ماليا وسياسيا في دولهم. كما اعتبر أن هذه القرارات استراتيجية تؤثر على مستقبل العلاقات بين الطرفين وليس مجرد حدث عابر، فهي تعني في جوهرها نزع الشرعية عن يهودية غالبية يهود العالم من أجل تحقيق مصالح أحزاب يهودية أرثوذكسية في الائتلاف الحكومي.

خلاصة

تشير الخطوات الأخيرة التي قامت بها الحكومة الإسرائيلية الحالية إلى أنها ماضية نحو تعزيز طابع إسرائيل الديني في بعده الأرثوذكسي، مما يحولها إلى دولة يهودية أرثوذكسية. وساهمت في ذلك مجموعة من القوانين والسلوكيات التي اتخذتها الحكومة الإسرائيلية في المجال العمومي وفي سياساتها بشكل عام. وينعكس تديين المجال العمومي في إسرائيل على علاقة الدين والدولة من جهة، وعلى تصديع تفاهمات الوضع القائم التي صاغها دافيد بن غوريون بعيد تأسيس دولة إسرائيل، كما ينعكس على نفوذ الشارع العلماني في إسرائيل، ويؤدي إلى إعطاء مجموعة صغيرة في المجتمع الإسرائيلي إمكان التحكم والهيمنة على المجال العمومي وعلى نمط الحياة في المجتمع الإسرائيلي، كما أنه يساهم في تأزم علاقات إسرائيل مع المجموعات اليهودية في العالم ولا سيما في الولايات المتحدة والتي غالبها لا ينتمي إلى التيار الأرثوذكسي.

ويعتقد البعض أن تعزيز طابع إسرائيل الديني في بعده الأرثوذكسي ينطوي على تأثير ذي جانب استراتيجي وتحديدا في كل ما يتعلق بعلاقات إسرائيل مع يهود العالم. وهذا ما ستبديه بالتأكيد الأيام المقبلة.

 

1.
 رؤوفين غال، الحريديم في المجتمع الإسرائيلي: الوضع القائم 2014، (حيفا: معهد شموئيل نئمان، 2015)، ص:3. (بالعبرية). 
2.
المصدر السابق 
3.
 إيلي هوروفيتش وبروديت ديفيد، إسرائيل 2028: تصور واستراتيجية اقتصادية-اجتماعية في العالم المعولم، حيفا: مركز شموئيل نئمان لدراسة السياسات الوطنية، 2008. (بالعبرية) 
4.
 أحمد حليحل، التكاثر الطبيعي في صفوف النساء اليهوديات والمسلمات في إسرائيل حسب درجة تدينهم في السنوات 1997-2009، (القدس: مكتب الإحصاء المركزي، 2011). (بالعبرية) 
5.
 رؤوفين غال، مصدر سبق ذكره، ص: 3. 
6.
 تمار هيرمن وآخرون، متدينون؟ قوميون!: المعسكر الديني القومي في إسرائيل 2014 (القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، 2014)، ص: 43. (بالعبرية). 
7.
 حيمي شاليف، ترامب يتلعثم حول إنكار المحرقة، وفي إسرائيل لا يفتحون فمهم، هآرتس 31/1/2017، ص: 6. 
8.
 Tomas Friedman (13\July\2017). Israel Sees World Jews as Irrelevant, the New York Times International edition, p. 1+10. 
السبت, ديسمبر 15, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية