حظي إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل بإجماع واسع في المشهد السياسي الإسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى حظي في الوقت ذاته بتباين ما حول الخطوة التالية التي يجب أن تقوم بها إسرائيل بعد الإعلان.

فاليمين الإسرائيلي اعتبر إعلان ترامب هذا تأكيدا على نجاحه في إدارة الصراع في المنطقة عموما ومع الفلسطينيين خصوصا، وجزءا من انتصار إيديولوجيته وتأكيدا على توجهاته التي رأت في ترامب "مسيحا مخلصا" جديدا لإسرائيل، لا سيما بعد فترة إدارة باراك أوباما السابقة. كما اعتبر اليمين أن اعلان ترامب يشكل رصيدا سياسيا وانتخابيا لخدمة بقائه في الحكم لسنوات قادمة. أما المعارضة الإسرائيلية الصهيونية فقد رحبت بإعلان ترامب ولكنها حاولت أن تنتزع منه ما يؤكد على توجهاتها السياسية من جهة، وما يقوض نشوة الانتصار لدى الحكومة من جهة ثانية. وقد ركزت المعارضة على تفاصيل في خطاب ترامب اعتبرت أن الحكومة الإسرائيلية تجاهلتها كليا، لا سيما الموافقة الضمنية التي أعلنها ترامب بشأن تأييده لحل الدولتين، وهو ما يؤكد توجهها السياسي حيال الصراع، وإعلان ترامب أنه يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل لكنه لا يحدد حدودها ويُبقي ذلك خاضعا لاتفاق الطرفين، بمعنى أن ترامب لم يعترف بالقدس الموحدة عاصمة لإسرائيل وهو ما يقوّض نشوة اليمين بالانتصار. كما أشير داخل ذلك إلى أن ترامب نفذ نصف القانون الذي سنه الكونغرس الأميركي عام 1995 والذي يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وينص على نقل السفارة حتى العام 1999، وقد نفذ ترامب النصف الأول من القانون بعد أكثر من عشرين عاما وبقي نقل السفارة، وقد يأخذ ذلك وقتا.

بين الاجماع على أهمية الإعلان والتباين بشأن ما بعده
حول عملية اتخاذ القرار بالإعلان عن القدس عاصمة لإسرائيل، أشارت ورقة أعدها "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" إلى أن محاولة إرضاء اللوبي الصهيوني من جهة، والأهمية التي أولاها ترامب لقدرته على الإيفاء بوعوده بعد سلسلة الإخفاقات في عامه الأول من الرئاسة من جهة أخرى، هما اللتان دفعتا قدماً بهذا الإعلان.

وجاء في الورقة:
"في آذار 2016، ألقى ترامب خطاباً أمام لجنة الشؤون العامة الأميركية - الإسرائيلية (إيباك)، الذراع الطولى للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، تعهد فيه بنقل "السفارة الأميركية إلى العاصمة الأبدية للشعب اليهودي، القدس". وبحسب تقارير مختلفة، فإنه بعد ذلك الخطاب انحاز الملياردير اليهودي، شيلدون أديلسون، مالك الكازينوهات الشهير (الذي أطلق اسمه على حيٍ في القدس الشرقية بعد الاحتلال مباشرةً)، والداعم للجمهوريين، إلى دعم حملة ترامب للرئاسة، وتبرع بمبلغ عشرين مليون دولار إلى إحدى اللجان السياسية الانتخابية المؤيدة لترامب، ثم تبرع مرةً أخرى بقيمة مليون ونصف المليون دولار لتنظيم مؤتمر الحزب الجمهوري الذي أعلن ترامب رسمياً مرشحاً رئاسياً له. ومنذ انتخاب ترامب رئيساً، لم يتوقف أديلسون عن تذكيره بوعده، ولم يخف تذمره عندما خضع ترامب لضغوط مستشاريه في حزيران الماضي، وقرر توقيع إعفاء نقل السفارة. وبحسب وسائل إعلام أميركية، فقد دخل ترامب فجأةً إلى اجتماع كبار مستشاريه لشؤون الأمن القومي، في 27 تشرين الثاني 2017، حين كانوا يناقشون موضوع تأجيل نقل السفارة مرةً أخرى من عدمه، وأبدى إصراراً على ضرورة أن يقدموا له خياراً يسمح له بالإيفاء بوعده الانتخابي، وهو ما تم بالشكل الذي صدر على الرغم من تحذيرات وزيرَي الدفاع والخارجية." [1]

وفي مقال كتبه رئيس الدولة الإسرائيلية رؤوفين ريفلين على الصفحة الأولى من صحيفة "يديعوت أحرونوت"، بعنوان "شكراً لك يا سيادة الرئيس"، أشار ريفلين إلى تاريخية هذه الخطوة وعدالتها بالنسبة لإسرائيل، حيث كتب "إن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل كل السفارات إليها هو مفترق طرق مهم في حق الشعب اليهودي على بلاده ومسارنا نحو السلام- سلام لكل سكان القدس والمنطقة كلها". [2]

واعتبر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إعلان ترامب خطوة تاريخية قائلا "لن تكون هناك هدية أجمل وأصدق بمناسبة مرور 70 عاما على إقامة إسرائيل" من هذا الاعتراف بالقدس، وأكد أن لا سلام من دون الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل. [3]

وقال الكتاب الذين جاؤوا من اليمين إن الاعتراف بالواقع هو الذي سيجلب السلام.

ففي مقال كتبه أمنون لورد جاء أن ترامب عارض سياسة الرؤساء الذين سبقوا في العقدين الماضيين وامتنعوا عن هذه الخطوة لاعتبارات عديدة، وجاء ترامب وأكد أن الواقع يؤكد أن القدس هي عاصمة لإسرائيل، علاوة على تأكيده على العلاقة التاريخية بين الشعب اليهودي والقدس. وانتقد لورد موقف بابا الفاتيكان الذي انتقد الاعتراف الأميركي، واعتبر أن موقف البابا الذي اعترف بالدولة الفلسطينية أضر بعملية السلام بينما اعتراف ترامب بالقدس سوف يدفع قدماً بالعملية السلمية. [4] 
وقال الكاتب اليميني نداف شرغاي الذي يكتب كثيرا عن القدس، إن على اليمين أن لا يعطي هذا الإعلان أهمية كبيرة، بل يجب الاحتفال بالإعلان سريعا والعودة للبناء الاستيطاني في القدس. ويشير شرغاي إلى أن هذا الإعلان لا يصل في أهميته إلى وعد بلفور، لذلك يقترح أن يشكل هذا الإعلان شرعنة للبناء الاستيطاني في القدس حيث أن على الحكومة الإسرائيلية تكثيف الاستيطان. في المقابل اعتبر شرغاي أن اعلان ترامب ينهي فكرة تقسيم القدس، حيث أن الاعتراف بالأمر الواقع سيعني في المستقبل الاعتراف بكل القدس عاصمة لإسرائيل، ولذلك يعتقد هذا الكاتب أن البناء في القدس هو الخطوة القادمة التي يجب على الحكومة القيام بها بعد إعلان ترامب. [5]

واعتبر الكاتب زئيف جابوتنسكي أن إعلان ترامب يشكل "خطوة جوهرية للاعتراف الكامل بحق الشعب اليهودي في السيادة الحصرية على أرض إسرائيل الغربية". وأكد أن هذا اليوم جاء "بسبب عدم تنازل إسرائيل عن حقوقها". [6]

وقال رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم نفتالي بينيت إن الاعتراف بالقدس هو خطوة مهمة في طريق السلام. وأضاف: "واضح أن القدس عاصمة إسرائيل، ولم يأتِ القرآن على ذكرها حتى مرة واحدة... القدس اليوم في وضع مزدهر لم تعرف مثله في تاريخها". وتابع أن تحقيق السلام ليس ممكناً من دون الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، "والآن تقوم الولايات المتحدة بوضع حجر أساس إضافي في مسار السلام، وعلى المدى البعيد فإن هذه خطوة مهمة جداً في طريق السلام". ودعا بينيت سائر دول العالم إلى أن تحذو حذو الولايات المتحدة وأن تعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

واعتبر وزير المواصلات وشؤون الاستخبارات يسرائيل كاتس أن معارضة الفلسطينيين القرار الأميركي "تعكس عدم استعدادهم للاعتراف بحق الشعب اليهودي في أن تكون له دولة، تماماً كما عارضوا ذلك قبل 70 عاماً". [7] إسرائيل تستبق خطاب ترامب بتصريحات احتفالية، الحياة، 7\12\2017. 

وذهب بعض الكتاب الإسرائيليين وبالذات الأكاديميين منهم إلى أن الفلسطينيين يرتكبون نفس الخطأ الذي ارتكبوه في قرار التقسيم، وذلك عندما رفضوا ذلك القرار جملة وتفصيلا.
فقد كتب البروفيسور إيال زيسر من جامعة تل أبيب مقالا بعنوان "الفلسطينيون يعودون على خطأ 29/11"، معتبرا أن رسالة إعلان ترامب للفلسطينيين تتمثل بأن الولايات المتحدة لن تنتظر الفلسطينيين حتى يقبلوا بالتفاوض مع إسرائيل، حيث أرسل ترامب رسالة لهم بأن الوقت لا يعمل لصالحهم. [8]

وفي نفس الموضوع نشر شلومو أفينيري مقالاً بعنوان "فرصة فلسطينية ضائعة جديدة"، ذكر فيه أن الرفض الفلسطيني لاعلان ترامب يعتبر فرصة ضائعة أخرى أهدرها الفلسطينيون مثل الفرص التاريخية السابقة التي لم تستغلها القيادة الفلسطينية وبذلك خسرت كل شيء، حيث يشير الكاتب إلى أنه إلى جانب الاحتفال الإسرائيلي بإعلان ترامب، فإن الإعلان تضمن مقولات لا تنسجم مع توجهات حكومة نتنياهو، حيث جاء في الإعلان أن الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة لا يحملان إقرارا بحدود قائمة داخل المدينة وأن الولايات المتحدة تدعم حل الدولتين إذا كان هذا الحل مقبولا على الطرفين. [9] ويشير أفينيري إلى أن المعارضة الفلسطينية لإعلان ترامب تتجاهل هاتين الحقيقتين.

ويواصل الكاتب نقده للقيادة الفلسطينية بقوله إنه كان من المتوقع أن يكون رد فعل الفلسطينيين مختلفا، فكان على قيادتهم أن تبارك إعلان ترامب لأنه لأول مرة يذكر حل الدولتين ويبدي تأييده له. كما كان عليها مباركة إعلان ترامب عن نقل السفارة دون تعيين حدود القدس حيث كان يمكنها أن تفسّر ذلك كاستعداد أميركي لتقسيم القدس. ويضيف أفينيري أن الفلسطينيين كانوا يستطيعون استغلال إعلان ترامب بالإعلان عن تأييدهم أن تكون القدس عاصمة للدولتين وأن يطالبوا بنقل السفارة الأميركية للقدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية. ويعتبر أن الفلسطينيين لم يتعاملوا مع إعلان ترامب كما هو مقبول في الدبلوماسية، بحيث عليهم القبول والترحيب بالجوانب المريحة لهم من الإعلان ومن ثم معارضة الجوانب غير المقبولة فيه، ويعتقد أن الفلسطينيين فعلوا العكس. وينتهي أفينيري إلى القول إن رد الفعل هذا والذي ينضاف إلى تضييع الفرص التاريخية الأخرى التي قام بها الفلسطينيون، لا ينبع من غباء أو غياب التجربة، وإنما تعود جذوره إلى عدم القدرة على العيش مع تسويات، وهي ما يميز الخطاب السياسي العربي عموما، حيث أن التصاق العالم العربي بما يؤمن أنه العدل المطلق هو الذي منعه من قبول قرار التقسيم في العام 1947.

وفي مقال كتبته الكاتبة اليسارية تسفيا غرينفيلد أعربت عن اعتقادها بأن إعلان ترامب ما هو إلا هدية منحها الرئيس الأميركي إلى نتنياهو في خضم التحقيقات والتهم التي تلاحقه وفي ظل تأكل حكمه، وذلك كتعويض على المسار الصعب الذي ستدخله إسرائيل قريبا برغبتها أو رغماً عنها، مسار التسوية السياسية الذي سيؤدي إلى إعلان تنازلات إسرائيلية. وتعتقد الكاتبة أنه لا ينبغي إعطاء الاعلان أهمية وحجماً أكبر من ذلك. [10]

في المقابل قال ليئور ليهرس، الباحث في معهد "ميتافيم"- المعهد الإسرائيلي للسياسات الإقليمية والخارجية- إن إعلان ترامب اشتمل على أمر جديد، لأن سياسة الولايات المتحدة التقليدية لم تتضمن اعترافاً رسمياً بالقدس عاصمة لإسرائيل. وطوال سنوات كانت السياسة الأميركية تعتبر القدس الشرقية جزءاً من الأراضي التي احتُلت في العام 1967، كما عارضت ضم إسرائيل القدس الشرقية، وبناء أحياء ومستوطنات على هذه الأرض. كما تحدث الرئيس كلينتون (عام 2000) ووزير الخارجية كيري (عام 2016) علناً عن دولتين، أو عاصمة مشتركة في القدس. لكن ترامب قال كلاماً مختلفاً. لكن الكاتب أكد أيضاً أن ترامب أوضح في خطابه أن الولايات المتحدة لن تتخذ موقفاً من القضايا الجوهرية، بما فيها مسألة حدود السيادة الإسرائيلية في القدس التي يجب على طرفي النزاع الاتفاق عليها، وهو بذلك شدد على أهمية محدودة لتصريحه، وعلى التزامه هو أيضاً بالموقف التقليدي القائل إن مسألة حدود القدس مرتبطة بمفاوضات إسرائيلية – فلسطينية. [11]

ويعتقد مدير "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب عاموس يدلين، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق، أن خطاب ترامب يحمل معه منظومة تفكير جديدة مكان منظومات حكمت عملية التسوية السياسية في ربع القرن الأخير. ويؤكد يدلين أن خطاب ترامب أوضح للفلسطينيين أنه على عكس ما يعتقدون فإن الزمن لا يعمل لصالحهم، لأن رفضهم لكل تسوية يعمل لصالح إسرائيل في الحصول على مبتغاها.

وهذا ما يعتقده أيضاً عوديد عيران، أحد كبار الباحثين في "معهد أبحاث الأمن القومي" المذكور، الذي كتب يقول إنه كان يفترض بأقوال ترامب أن ترضي الفلسطينيين، إذ إنه أعلن صراحة أنه في موضوع حدود السيادة الإسرائيلية لم يتغير الموقف الأميركي، وبشكل غير مباشر قال إن الاعتراف الأميركي بـ "العاصمة" الإسرائيلية للقدس ينطبق فقط على ذاك الجزء في الواقع الذي لا يختلف عليه الفلسطينيون ومعهم الدول العربية. وأضاف أنه كان ينبغي لهذه الأقوال التي قالها ترامب أن تبرد أيضا ردود فعل الكثير من الإسرائيليين، في المعسكرات السياسية المختلفة، ولكن في إسرائيل وخارجها على حد سواء، فإن المعنى الاكثر تواضعا لأقوال ترامب دُحر. وفي إسرائيل كان هناك حتى من شبهوا تصريحه بتصريح بلفور قبل قرن، بشأن حق الشعب اليهودي بوطن قومي في بلاد إسرائيل – التشبيه الذي فيه وجه شبه واحد فقط، برأي الكاتب، وهو اعتراف قوة عظمى رائدة بحق الشعب اليهودي في وطن قومي، والذي لا جديد فيه، والاعتراف بحق الدولة اليهودية في تحديد عاصمتها [12]

وقد انتقد محلل القناة العاشرة رفيف دروكر في مقال له في "هآرتس" التوجه السالف لعاموس يدلين الذي كان مرشح تحالف "المعسكر الصهيوني" لإشغال منصب وزير الدفاع في الانتخابات السابقة. ويقول دروكر إن إدعاء يدلين بأن الفلسطينيين يرفضون دائما كل تسوية غير صحيح، لا سيما على ضوء حقيقة أن من يحكم إسرائيل منذ تسع سنوات يفعل كل ما يمكن للهروب من التفاوض. [13]

وفي مقال نشره الخبير في شؤون اتخاذ القرارات يحزقيل درور اعتبر أن خطاب ترامب هو فرصة أمام نتنياهو لفعل تاريخي من خلال الذهاب في المسار الذي حدده الرئيس الأميركي، وذلك من خلال الإعلان عن تأييده لحل الدولتين في إطار تسوية إقليمية شاملة. [14]

"جنازة لحل الدولتين"

في مقابل الكتاب من اليمين الذين يعتبرون أن خطاب ترامب يعكس انسجاما مع توجههم السياسي والإيديولوجي من الحل، والكتاب من المعارضة الذين يعتبرون خطاب ترامب تأكيدا على حصرية حل الدولتين، أشار المحلل السياسي غدعون ليفي إلى أن ترامب أسس عمليا للدولة الواحدة. ويشير ليفي إلى أن ترامب "أجرى عمليا جنازة لحل الدولتين، والآن يجب البحث عن وريث لهذا الحل، حيث أعلن ترامب أنه لا يوجد شعبان لهما نفس الحقوق، بل هناك شعب واحد مع عاصمة ومع كامل الحقوق ويوجد شعب آخر بدون حقوق، وهذا الشعب لا يستحق دولة إذا كان لا يستحق عاصمة في القدس، وعلى هذا الشعب أن يعترف بمكانته وأن يلائم أهدافه للواقع الذي أعلن عنه ترامب". لذا فإن الحل سيكون وسيتجه، برأي ليفي، إلى حل الدولة الواحدة، صوت لكل مواطن، حيث لن يقبل العالم بواقع يكون فيه شعب كامل الحقوق مع دولة وشعب بلا حقوق وبدون دولة. ويختم ليفي مقاله بالقول "عندما يتم بناء الديمقراطية الحقيقية الوحيدة في الشرق الأوسط يجب دعوة القومجي الأميركي، الذي يفتقد لكل شيء من الأخلاق، العدالة، القانون الدولي، حقوق الإنسان وحقوق الأقليات أو الفلسطينيين، وإعلانه كمواطن شرف للدولة الجديدة العادلة". [15] غدعون ليفي، نبيّ الدولة (الواحدة)، هآرتس، 10\12\2017، ص:2.

وفي نفس السياق أشار الأكاديمي الإسرائيلي زئيف شطرنهيل إلى أن اعتراف ترامب بالقدس كعاصمة لإسرائيل يجعل القدس بداية صعود فكرة الدولة الواحدة. [16] وبرأيه، الجميع يعرف أن البديل عن الدولتين، التي لا يريدهما اليمين الإسرائيلي، هو دولة ستشكل حتماً نهاية الصهيونية، وستدفع عدداً غير قليل من الإسرائيليين إلى مغادرة البلد.

خلاصة
تلقت إسرائيل إعلان ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل كخطوة تاريخية في مسيرة نجاح المشروع الصهيوني في فلسطين، وكمحطة أخرى من عملية خسارة الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث يعتبر رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن، أن أحد أهداف نتنياهو المركزية هو القضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية وليس الوصول إلى تسوية سياسية معها. [17] فجاء إعلان ترامب كجزء من هذه السيرورة، لذلك اعتبره نتنياهو خطوة تاريخية وشجاعة من ترامب، فهي لم تكن شرعنة للاحتلال في القدس من خلال فكرة الأمر الواقع بل ضربة أخرى للحركة الوطنية الفلسطينية، وحاول نتنياهو عبر زيارته لأوروبا بعد إعلان ترامب إقناع الاتحاد الأوروبي أو بعض الدول في أوروبا على الأقل بتبني إعلان ترامب ونقل سفاراتها إلى القدس، ولم يكن نجاحه هناك كبيراً هذه المرة.

ويمكن الإشارة إلى أن هناك إجماعاً إسرائيليا على إعلان ترامب، من كل الأحزاب الصهيونية واليهودية، لكن ظهر الخلاف حول معاني الإعلان وتفسير مضامينه، حيث تجاهل اليمين طرح ترامب لفكرة الدولتين وعدم إقراره بحدود القدس، معتبرين أن ترامب عندما ذكر ذلك ربطه بموافقة الطرفين عليه، وبما أن إسرائيل هي الطرف القوي في المعادلة فإنها قادرة على فرض موقفها من حل الدولتين من جهة ومن مسألة الحدود من جهة أخرى.

كما فهم اليمين، وفقما يظهر في مقالات عديدة لكتابه، أن فرض أمر واقع يعمل لصالح إسرائيل، فكلما فرضت إسرائيل أمرا واقعا في الأراضي الفلسطينية ستحظى باعتراف الولايات المتحدة على هذا الواقع، وهو ما حدث سابقا عام 2005 عندما بعث الرئيس الأميركي جورج بوش الابن برسالة إلى رئيس الحكومة السابق أريئيل شارون اعتبر فيها أن الولايات المتحدة لا تقبل بمبدأ العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 كأساس للتسوية مع الفلسطينيين، وهو خطاب فرضه الأمر الواقع للكتل الاستيطانية في الضفة الغربية.

علاوة على ذلك اعتبر اليمين أن إعلان ترامب يعتبر انتصارا لتوجهات اليمين عموما وتوجهات نتنياهو خصوصا، وأن إسرائيل في استمرارها بنهج نتنياهو واليمين ستربح أكثر مما ستخسر. أما المعارضة الإسرائيلية فاعتبرت إعلان ترامب تأكيدا على توجهاتها من حيث أنه أعلن لأول مرة فكرة حل الدولتين، كما شفّ إعلانه عن غياب معارضته لتقسيم القدس.

1.
 المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قرار ترامب إعلان القدس عاصمة لإسرائيل: الدوافع والمعاني والآفاق، 11\12\2017، أنظر الرابط للدراسة: https://www.arab48.com/ 
2.
 رؤوفين ريفلين، شكرا لك يا سيادة الرئيس، يديعوت أحرونوت، 7\12\2017، ص:1 
3.
 شلومو تسزانا وآخرون، قرار شجاع، يسرائيل هيوم، 7\12\2017، ص: 4. 
4.
 أمنون لورد، الاعتراف بالواقع في القدس هو ما سيدفع قدماً بالسلام، يسرائيل هيوم، 7\12\2017، ص:5. 
5.
 نداف شرغاي، نحتفل بالإعلان ونعود للبناء في القدس، يسرائيل هيوم، 7\12\2017، ص:4. 
6.
 زئيف جابوتنسكي، انتصار الثبات، يسرائيل هيوم، 7\12\2017، ص: 11. 
8.
 إيال زيسر، الفلسطينيون يعودون على خطأ 29\11، يسرائيل هيوم، 7\12\2017، ص: 13. 
9.
 شلومو أفينيري، فرصة فلسطينية ضائعة جديدة، هآرتس، 11\12\2017، ص: 15. 
10.
 تسفيا غرينفيلد، الخرز الزجاجي، هآرتس، 11/12/2017، ص: 2. 
11.
 ليئور ليهرس، هل غيّر ترامب موقف الولايات المتحدة إزاء موضوع القدس؟، موقع nrg، 13/12/2017. 
12.
 عوديد عيران، اعتراف الرئيس الأميركي بالقدس عاصمة لإسرائيل، مباط عال، 15/12/2017، موقع "معهد أبحاث الأمن القومي" على الشبكة. 
13.
 رفيف دروكر، يدلين والأخطاء، هآرتس، 11\12\2017، ص: 2. 
14.
 يحزقيل درور، لحظة نتنياهو التاريخية، هآرتس، 10\12\2017، ص: 13. 
16.
 زئيف شطرنهيل، القدس كأساس للدولة الواحدة، هآرتس، 14\12\2017، ص:2. 
17.
 ألوف بن، ترامب منح نتنياهو انتصارا في صراعه للقضاء على الحركة الوطنية الفلسطينية، هآرتس، 7\12\2017. 
الإثنين, مايو 28, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية