تهدف هذه الورقة الى تحليل الرؤية الإسرائيلية للمصالحة الفلسطينية الأخيرة بين حركتي فتح وحماس والتي بموجبها سوف تتسلم حكومة السلطة الفلسطينية مهماتها وتبسط السلطة الفلسطينية سيطرتها على قطاع غزة بعد عشر سنوات من الانقسام الفلسطيني.

تنطلق هذه الورقة من مقولة أن الموقف الإسرائيلي من المصالحة والذي يتسم هذه المرة بأنه كان في البداية بخلاف مرات سابقة، ينبع من تقاطع المصالحة مع مصالح جهات إقليمية ودولية، الأمر الذي يمنع إسرائيل من اتخاذ موقف يؤدي بها إلى الصدام مع هذه الجهات. ففي المرات السابقة هاجمت إسرائيل بقوة كل فكرة أو خطوة نحو المصالحة الفلسطينية، ومشهورة في هذا السياق الجملة التي كان يطلقها رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بأن على السلطة الفلسطينية أن تختار بين "الإرهاب أو السلام". صحيح أن نتنياهو أبدى معارضة هذه المرة للمصالحة ولكنها معارضة تهدف إلى الادعاء بأن موقفه لم يتغير عن المرات السابقة، ولكن لا بُد من ملاحظة أن مثابرته ونبرته المعهودتين ضد كل خطوة فلسطينية بقيتا غائبتين هذه المرة. ومرة أخرى قد يعود سبب ذلك إلى أن المصالحة تتقاطع مع مصالح إقليمية ودولية لا تستطيع إسرائيل الخروج ضدها وخاصة ضد مصر التي قادت وضغطت باتجاه اتفاق المصالحة.

وفي هذا الشأن أشارت عدة تحليلات إسرائيلية إلى أن الاستجابة الإسرائيلية الأولى على اتفاق المصالحة كانت حذرة وقياسية. ورأى بعض هذه التحليلات أنه يبدو أن جهات معينة على الجانب الإسرائيلي قررت أنه هذه المرة لا ينبغي رفض هذه الخطوة رفضا قاطعا وربما تكون المصالحة الفلسطينية مفيدة لإسرائيل بل إنها قد تردع خطر المزيد من الصراع. من ناحية أخرى، رأى بعض آخر أن رد الفعل الأولي قد يعقبه رد إسرائيلي أكثر صرامة، وهذا هو ما حدث فعلاً بعد اجتماع خاص للمجلس الوزاري الإسرائيلي المصغّر للشؤون السياسية- الأمنية تم فيه صوغ ما أسمي بـ"شروط إسرائيل" للتفاوض مع حكومة الوحدة الفلسطينية.

وصيغت تلك الشروط على النحو التالي: على حماس الاعتراف بإسرائيل ووقف الإرهاب ونزع سلاحها؛ عليها إعادة جثتي الجنديين الإسرائيليين هدار غولدين وأورون شاؤول والمواطنين المحتجزين لديها؛ نقل السيطرة الأمنية في القطاع ولا سيما في المعابر إلى السلطة الفلسطينية ووقف التهريب؛ مواصلة السلطة الفلسطينية إحباط مخططات حماس لارتكاب عمليات إرهابية في الضفة الغربية؛ قطع العلاقات بين حماس وإيران؛ نقل الأموال والمُعدات الإنسانية إلى القطاع سيتم عبر السلطة الفلسطينية فقط.

بموازاة ذلك قال المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط جيسون غرينبلات إن على أي حكومة فلسطينية أن تتقيّد بمبادئ الرباعية الدولية، وهي عدم اللجوء إلى العنف والاعتراف بدولة إسرائيل والالتزام باتفاقيات سابقة بين الأطراف بما في ذلك نزع السلاح والالتزام بمفاوضات سلمية. وأضاف غرينبلات أنه في حال اضطلاع حركة حماس بدور في الحكومة الفلسطينية فيجب عليها أن تتقيد بهذه الشروط الأساسية.

ورحب نتنياهو بتصريحات غرينبلات هذه. وقال في بيان صادر عن ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية إن غرينبلات أوضح بشكل لا لبس فيه أن على حركة حماس نزع سلاحها والاعتراف بإسرائيل والالتزام بالقرارات الدولية السابقة، كما أوضح أنه يجب على أي حكومة فلسطينية الالتزام بهذه المبادئ. وأضاف رئيس الحكومة: "نحن نريد سلاماً حقيقياً ولهذا السبب بالذات لن نتفاوض مع تنظيم إرهابي يتنكر بزيّ سياسي".

وبموجب ما نشرته صحيفة "هآرتس" (22/10/2017) فإن تصريحات غرينبلات لا تستأنف على المصالحة. ونقلت الصحيفة عن مسؤولين كبار في البيت الأبيض قولهم إن الإدارة الأميركية تعتقد أن الجهود التي بذلتها مصر لتحقيق المصالحة خلقت فرصة إيجابية في المشهد السياسي الفلسطيني. وكرّر هؤلاء المسؤولون مطلب نزع سلاح حركة حماس، لكنهم في الوقت عينه أكدوا أن ذلك لن يتم بين عشية وضحاها.

خريطة المصالح الإسرائيلية في سياق الانقسام

منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة عام 2007، وبداية الانقسام السياسي- الجغرافي في الحركة الوطنية الفلسطينية، تحول الانقسام الى ركن أساس من استراتيجية إسرائيل تجاه الفلسطينيين، فمن جهة أرادت إسرائيل الحفاظ وتعزيز الانقسام الفلسطيني، ومن جهة أخرى أرادت اضعاف طرفيّ الانقسام، الأول من خلال محاصرته اقتصاديا وجغرافيا، والثاني من خلال محاصرته سياسيا.

بنت إسرائيل موقفها من الانقسام على أساس الركائز التالية:
أولاً، أن بديل حماس سيكون ربما أكثر تطرفاً وأن الفراغ الذي قد ينتج عن الإطاحة بحماس قد لا يكون محمود العواقب. ودائماً ما كان يتم ذكر المجموعات السلفية والجهادية ذات الارتباطات العالمية كوريث محتمل في قطاع غزة. وهي مقولة استمرت في الهيمنة على النقاش الإسرائيلي حول العلاقة مع حماس حتى الحرب العدوانية على غزة عام 2014. في الجيش يقولون إن اسقاط نظام حماس سيقود إلى فوضى مثل الصومال كما أنه لن يوجد لإسرائيل البتة أي عنوان للردع أو لإجراء تسويات غير مباشرة. وبالتالي فوجود حماس مهم من هذا الجانب. [1]

ثانياً، أن الانقسام الفلسطيني المترتب على حالة وجود حكومتين منفصلتين هو مصلحة إسرائيلية كبرى إذ أنه يعني تشتيت جهود بناء الدولة الفلسطينية، بل إن هذه الدولة لم تعد ممكنة واقعياً في ظل وجود نظامين سياسيين مختلفين. كما أن تعزيز حالة الانقسام تخدم الدعاية الإسرائيلية بأنه لا يمكن إقامة دولة على منطقتين منفصلتين. ويخلق مع الوقت سياقات سياسية ومؤسساتية تجعل من توحيد الأطر الإدارية والأمنية أمراً مستحيلاً.

ثالثاً، تتوافق هذه الرؤية مع منطلقات نتنياهو وأركان حكومته بطرق شتى فهي بالنسبة لرئيس الحكومة تساعد في تحقيق مقاربته حول إدارة الصراع من خلال إدارة العلاقة اليومية مع حماس في غزة وإدارتها في الضفة مع السلطة الفلسطينية، من دون الحاجة لتقديم تنازلات سياسية. أما بالنسبة لبعض أركان الحكومة في أقصى اليمين مثل رئيس "البيت اليهودي" نفتالي بينيت فإن غزة يجب أن تترك لمصيرها إذ أن ما يهم هو الضفة الغربية وتحديداً المناطق "ج" التي يجب ضمها إلى إسرائيل.

رابعاً، يتعزز هذا في حقيقة أن الصراع الفلسطيني الداخلي يشغل الفلسطينيين عن الصراع مع إسرائيل ويوجه جهودهم نحو الصراع الداخلي وبالتالي يتم ترحيل المطالب الفلسطينية بالاستقلال والحقوق السياسية. وعليه فقد دأبت إسرائيل على تغذية هذا الصراع ومعارضة أي تقارب فلسطيني داخلي واعتباره تهديداً للمصالح الإسرائيلية وإخلالاً بالتزامات الرئيس محمود عباس بالسلام حيث كانت المفاضلة بين الصلح مع إسرائيل والتصالح مع حماس تتحكم بالكثير من مقولات إسرائيل وردات فعلها على جهود المصالحة الفلسطينية.

خامساً، وربما الأهم من كل ذلك أن سيطرة حماس على قطاع غزة تعني أن الرئيس محمود عباس ليس صاحب سيادة ولا سلطة على الجزء الثاني من الأرض التي يطالب بأن تقام دولته عليه. بمعني آخر فهو ليس ذا صلة حين يتعلق الأمر بغزة وهو لا يمكن له أن يطالب باستقلال على أرض لا يحكمها. من هنا فإن استمرار سيطرة حماس على غزة يعني تقويض رواية ومطالب الرئيس عباس بخصوص الدولة. ولقد دأب السياسيون الإسرائيليون على استخدام هذه الإشارات حول عدم ولاية الرئيس عباس على غزة لتفنيد المطالب الفلسطينية خلال جولات المفاوضات المختلفة.

سادساً، ثمة حقيقة أساسية في ذلك أن حماس لم تتقدم بمطالب سياسية خلال الاشتباك مع إسرائيل، فهي تطالب ضمن الخطوط العامة لأيديولوجيتها بإزالة إسرائيل، وبالرغم من تبنيها في وثيقة الوفاق الوطني لفكرة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع مع حزيران إلا أنها لم تجعل هذا المطلب مركز سياستها واشتباكها مع إسرائيل. بل إن ما تطالب به حماس عقب كل اشتباك وعدوان لا يتعدى أن يكون مطالب إنسانية لتحسين ظروف الحياة في غزة ولتثبيت حكمها هناك. فمطالب حماس إنسانية وموجهة للغرب وهي موجهة لتحسين حياة الناس، وهذا يمكن لإسرائيل التعامل معه. [2]

جوهر الموقف الإسرائيلي من اتفاق المصالحة

تميز الموقف الإسرائيلي الأوليّ من اتفاق المصالحة بالاعتدال مقارنة مع رد فعلها على اتفاق المصالحة عام 2014، الذي كان شديدا في سياساته ولهجته.
وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل نفسها تفاجأت من نجاح جهود المصالحة حتى الآن. فقد راهنت بناء على تجارب الماضي بأن الاتفاق الحالي سيكون مصيره كمصير المحاولات واتفاقيات المصالحة السابقة. كما أن رد فعل إسرائيل وخاصة نتنياهو كان معتدلا مقارنة مع محاولتيّ المصالحة عامي 2011 و2014.

ففي مقال للمحلل العسكري الإسرائيلي ميرون رابوبورت، جاء أن المباحثات التي جرت بين حماس وفتح عام 2011 للتوقيع على المصالحة لم ترق لنتنياهو الذي كان ينظر إلى فكرة المصالحة بـ"ازدراء شديد". وتكررت القصة مرة أخرى في عام 2014، حينما وقعت كل من فتح وحماس اتفاقية تنص على تشكيل حكومة وفاق وطني، حيث صرح حينها نتنياهو بأن عباس "اختار حماس على السلام"، وأعلن تجميد الاتصالات الدبلوماسية التي كانت قائمة حتى ذلك الوقت بين إسرائيل والفلسطينيين. ولفت الكاتب إلى أنه "لا يوجد دليل على أن الاتفاق بين الفلسطينيين فشل بسبب إسرائيل".... "إلا أن ما كان واضحاً في الحالتين هو أن معارضة نتنياهو للمصالحة الداخلية بين الفلسطينيين كانت سافرة جداً" . [3]


في سياق الاتفاق الراهن، رفض نتنياهو عدة توجهات خلال الأيام التي أعقبت توقيع الاتفاق لإجراء أي نقاش حول الموضوع لا في جلسة وزراء الليكود ولا في جلسة الحكومة، بينما استمر وزير التعليم نفتالي بينيت بالضغط على نتنياهو ليتبنى اقتراحه بفرض عقوبات على السلطة الفلسطينية، ولكن واضح أن نتنياهو غير معني بذلك حتى الآن،[4] حيث صرح في جلسة المجلس الوزاري المصغر التي عقدت لنقاش المصالحة الفلسطينية، بأن إسرائيل لن تعترف بالمصالحة بين فتح وحماس ولكنها لن تقطع علاقاتها مع السلطة الفلسطينية، وذلك على عكس ما طلب بينيت منه. [5] إذن لم يخرج الموقف الإسرائيلي من الموقف الروتيني والمتمثل في أن أي اتفاق للمصالحة الفلسطينية يجب أن يلتزم بالاتفاقات الدولية والبنود التي وضعتها اللجنة الرباعية الخاصة بالشرق الأوسط بما في ذلك الاعتراف بـإسرائيل وتخلي حركة حماس عن سلاحها. ولكن يبدو واضحا أن موقف إسرائيل مع اتفاق المصالحة الحالي يختلف عن موقفها من اتفاق المصالحة الذي كان عام 2014 والذي صمد لبضعة أشهر، حيث قامت إسرائيل في حينه بتجميد المفاوضات مع السلطة الفلسطينية ووقف التنسيق بين الوزراء الإسرائيليين وبين نظرائهم الفلسطينيين.

ويلمح السفير الإسرائيلي السابق لدى الولايات المتحدة زلمان شوفال إلى أن المصالحة جاءت في سياق تبني الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرؤية الأوروبية والعربية العلنية على الأقل بأن السلام مع الفلسطينيين هو مدخل مهم للاستقرار في الشرق الأوسط، حيث تمت المصالحة في إطار التصور الأميركي نحو عقد تسوية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي تكون غزة جزءا منه. [6]

أما وزير الدفاع السابق موشيه آرنس فيتوقف عند المصلحة المصرية في الوقوف وراء اتفاق المصالحة، ويشير إلى أن مصر تهدف إلى إدراج حماس في مجهودها ضد الإرهاب في سيناء، وهذا الأمر يتقاطع مع إسرائيل التي تتعاون مع مصر في محاربة الجماعات المسلحة في سيناء، ويشير إلى أنه إذا كان الاتفاق يعزز من مصالح مصر في سيناء فإن ذلك ينعكس إيجابيا على المصالح الإسرائيلية أيضا. [7] ويؤكد آرنس أن المصلحة الإسرائيلية العليا في قطاع غزة هي نزع سلاح حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي.

يقول آرنس في هذا الشأن:
"إن المصلحة الأساسية لإسرائيل هي نزع القدرات العسكرية لحماس في غزة، فآلاف الصواريخ التي تملكها حماس والجهاد الإسلامي تشكل خطرا مستمراً على المدنيين في جنوب إسرائيل، وكلما ازداد مدى هذه الصواريخ فإن أجزاء كبيرة في إسرائيل ستتواجد في خطر. تدمير هذه القدرات كان يجب أن يكون أحد أهداف عملية "الجرف الصامد". والاتفاق بين حماس وفتح يمكن أن يكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه، وهو ملائم لمصر أيضا، لأن أي اندلاع جديد للعمليات العدوانية بين حماس وإسرائيل لا يخدم الأهداف المصرية، وإذا ما ثبت الاتفاق قد يكون هذا الموضوع النقطة القادمة في المحادثات". [8]

ووصفت صحيفة "هآرتس" في مقال افتتاحي الرد الإسرائيلي على إعلان اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، بأنه "باهت وغير مسبوق"، وخلا للمرة الأولى من نبرة الهجوم والتهديد واتخاذ قرارات ضد السلطة الفلسطينية.

وذكرت الصحيفة أن رئيس الحكومة نتنياهو، "لم يتسرع هذه المرة بمهاجمة الاتفاق، واكتفى بإصدار بيان باهت يركز على أن اختبار الاتفاق سيكون بالنتائج على الأرض". وفي هذا الخصوص أوردت "هآرتس" ثلاثة أسباب للتغير الحاصل في الموقف الإسرائيلي، أولها رعاية مصر للاتفاق بمبادرة الرئيس عبد الفتاح السيسي، "الذي تربطه علاقات أمنية غير مسبوقة مع إسرائيل". وأضافت أن السبب الثاني يتمثل في الموقف الأميركي من الاتفاق "حيث لوحظ غياب رد أميركي هجومي على الاتفاق، بل لوحظ أن الإدارة الأميركية تدعم الاتفاق"، كما أن المبعوث الأميركي لعملية التسوية، جيسون غرينبلات، كان دعا السلطة الفلسطينية لتحمل المسؤولية عن قطاع غزة. أما السبب الثالث فيتمثل في أن المستويين السياسي والأمني الإسرائيلي يريان في عودة السلطة إلى غزة، ولو بشكل جزئي، خدمة للمصالح الأمنية الإسرائيلية، وخطوة على طريق نزع سلاح حماس. وشددت الصحيفة على أن الفهم الإسرائيلي الحالي بأن اتفاق المصالحة يعتبر فرصة وليس تهديداً فقط، هو "الأمر الذي دفع إسرائيل إلى عدم العمل على إفشاله هذه المرة". واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى الشك الإسرائيلي في نجاح المصالحة حيث راهنت إسرائيل بأن الأمر لا يعدو كونه مناورة جديدة وأن مصيرها الفشل. وذكرت أنه "على الرغم من امتلاك إسرائيل لجميع الوسائل القادرة على إحباط اتفاق المصالحة إلا أنها اختارت العكس، حيث يفهم نتنياهو أنه في حال دعم السيسي وواشنطن المصالحة فهما لم يتركا لإسرائيل الكثير لتفعله، وكل ما تبقى لها هو أن يحبط الفلسطينيون أنفسهم الاتفاق مرة أخرى دون تدخل إسرائيلي هذه المرة". [9]

واعتبر المحلل العسكري ألون بن دافيد أن اتفاق المصالحة لن يصمد في مواجهة النقاط الحساسة بين الطرفين، وشكك في صمود الاتفاق، وقال إن "بذور الانفجار تكمن في اللقاء التالي بين طرفي المصالحة، فلا أمل في أن تتنازل حماس عن سيطرتها الأمنية التي تفرضها في غزة، ومن الصعب أيضا أن نرى الرئيس عباس يتراجع عن إعلانه بضرورة وجود سلاح واحد في الضفة وغزة"، زاعما أن "الطرفين يعدان منذ الآن حجة لاتهام الطرف الآخر بالفشل".
وتابع بن دافيد: "يبدو أن اتفاق المصالحة الذي وقع في القاهرة أكثر جدية مما في الماضي، لكنه لم يلامس بعد سلسلة الألغام، المتمثلة في ملفات السيطرة الأمنية في غزة، وإجراء الانتخابات، وإعادة انعقاد البرلمان، وانخراط حماس في منظمة التحرير الفلسطينية". ويتوقع بن دافيد أنه على المدى القصير، فإن اتفاق المصالحة يعزز "لجم" حماس في غزة، التي أطلقت الرصاصة والصاروخ الأخيرين نحو إسرائيل قبل أكثر من ثلاث سنوات، وعلى المدى البعيد، ليس لإسرائيل أي مصلحة في خلق صلة بين القطاع والضفة الغربية. وأضاف أن "العزلة بين المنطقتين الأمنيتين اللتين تسيطر عليهما حكومتان مختلفتان، تخدم فقط إسرائيل"، معتبرا أن حكومة نتنياهو فشلت في استخدام القطيعة التي سادت في السنوات الأخيرة في غزة والضفة، كي تقضي على فكرة وجود شعب فلسطيني واحد.[10]

دور مصر وواشنطن

قال شلومو بروم، الباحث المتخصص في الشؤون الفلسطينية في "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، إن التوقيت الحالي لاتفاق المصالحة الفلسطيني بين حركتي فتح وحماس ملائم بالنسبة لسلوك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحكومة إسرائيل.

وأضاف بروم في سياق مقال تقدير موقف ظهر في موقع معهد الدراسات المذكور، أنه يبدو أيضاً أن طاقم المفاوضات الأميركي برئاسة جيسون غرينبلات يؤيد عملية المصالحة ويدفع نحو تحقيقها، على افتراض أن ذلك سيزيل عقبة من أمام العملية السياسية الإسرائيلية - الفلسطينية. كما صرحت اللجنة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة في 19 أيلول الماضي بأن هناك حاجة إلى إعادة القطاع إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، وكان من الواضح أن مثل هذه الخطوة ستكون ممكنة فقط من خلال اتفاق مصالحة بين الحركتين. ورأى أن حكومة إسرائيل أيضاً ردّت على الاتفاق بـ"اعتدال نسبي"، وعلى الرغم من تصريحاتها ضد الاتفاق، فهي لم تتخذ أي خطوة عملية ضد السلطة الفلسطينية بعد التوقيع. وبرأيه فإن عدم وجود رد يعود بصورة أساسية إلى عدم الرغبة بالدخول في مواجهة مع إدارة ترامب ومع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، لكن هذا يكشف في الوقت نفسه إدراكاً داخل إسرائيل بأن "الاتفاق سيساهم في استقرار الوضع في قطاع غزة، وفي منع جولة عنف إضافية بين إسرائيل وحماس".

وأشار الباحث إلى أن المحاولات السابقة للمصالحة بين فتح وحماس انتهت بالانهيار حتى بعد توقيع الاتفاقات وبدء تطبيقها، وذلك بسبب رؤية الطرفين شبكة العلاقات بينهما كلعبة خاسرة كل ربح فيها لطرف هو خسارة للطرف الآخر، وكل منهما معني بالاتفاق فقط لأن تطبيقه سيؤدي في نهاية الأمر إلى هيمنته المطلقة. وقد أدت هذه الدينامية إلى انهيار أو عدم تطبيق محاولات سابقة لتسوية العلاقات بين المعسكرين، وأيضاً بسبب عدم الاتفاق على "الموضوعات الوطنية" ومن بينها ما يلي: 1- مسألة خضوع ذراع حماس العسكرية للحكومة الفلسطينية، وسعي حماس إلى واقع يشبه الوضع القائم في لبنان، حكومة مركزية في بيروت، في مقابلها يحتفظ حزب الله بميليشيا مسلحة غير خاضغة للحكومة المركزية. بينما تصر زعامة السلطة على تطبيق مبدأ سلطة واحدة مع سلاح واحد. وفي هذه الأثناء جرى تأجيل النقاش في هذه المسألة. وهذه المسألة لها صلة أيضاً بعلاقة حماس مع إيران. فالذراع العسكرية للحركة تعتمد على المساعدة من إيران، واستمرار هذه المساعدة يفرض عليها مواصلة تطوير علاقاتها مع طهران؛ 2- انضمام حماس إلى منظمة التحرير وقبولها بشروطها. فحماس معنية بالانضمام إلى منظمة التحرير الفلسطينية كخطوة تسمح لها بالسيطرة على المنظمة، بينما تسعى فتح إلى ضم حماس ضمن شروط تقييد وتقليص قدر الإمكان؛ 3- قضية الانتخابات، حيث يؤيد الطرفان إجراء انتخابات للمجلس التشريعي وللرئاسة، لكن فقط ضمن شروط تضمن نجاحهما. ومن هنا الخلاف بشأن أسلوب الانتخابات.

ورأى بروم أن هناك ثلاثة سيناريوهات محتملة. في السيناريو الأول يجري تنفيذ الاتفاقات التي جرت الموافقة عليها، لكن الموضوعات الوطنية المفتوحة تبقى موضع خلاف، وعلى الرغم من ذلك يقرر الطرفان عدم تحطيم الأواني. وبهذه الطريقة سينشأ توازن جديد في قطاع غزة حيث سيكون للطرفين وجود عسكري. وهذا الواقع سيكون شبيهاً جداً بالواقع في لبنان، على الرغم من أن الحكومة الفلسطينية ستظل معادية للذراع العسكرية في حماس وستحاول تقييد نشاطها، وستكون لها الحرية في إجراء مفاوضات مع إسرائيل. في السيناريو الثاني، سيؤدي عدم الاتفاق على هذه القضايا إلى انهيار الاتفاق وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل توقيعه. وفي السيناريو الثالث، الذي حظوظه ضئيلة، يتوصل الطرفان إلى الاتفاق أيضاً على القضايا الوطنية وينفذانها.

وبموجب قراءته، في جميع الأحوال من الأفضل أن تواصل إسرائيل سياستها التي لا تعارض بصورة فعالة اتفاق المصالحة هذا، وتتعاون مع الولايات المتحدة ومصر والسلطة الفلسطينية. كما أنه من الأفضل وجود وضع يكون للفلسطينيين فيه حكومة واحدة تمثلهم أمام إسرائيل، ويمكن أن يشكل ذلك فرصة أفضل للتقدم، ولو بصورة تدريجية ومحدودة، نحو تهدئة النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني، وربما حله في المستقبل. كما أن ما أسماه "السيناريو اللبناني" هو أيضاً أفضل بكثير من الوضع الحالي، لأنه سيؤدي إلى استقرار قطاع غزة، وسيقيد أكثر النشاطات العسكرية لحماس، وسيكون معناه أن تمنح حماس الحكومة في رام الله قيادة العلاقات السياسية مع إسرائيل بما في ذلك المفاوضات معها.

وأعرب الباحث عن اعتقاده بأن اتفاق المصالحة هو نتيجة مبادرة مصرية مدعومة من الأردن والسعودية والإمارات العربية، ودول أخرى تنتمي إلى الكتلة السنية البراغماتية. وتهدف المبادرة إلى خدمة مصالح مصر والكتلة السنية عامة، وقطع علاقة حماس بحركة الإخوان المسلمين، وبالدول التي تؤيد الحركة، مثل قطر وتركيا، ومنع انجرار حماس إلى حضن إيران والحؤول دون تعاون بين حماس والمجموعات الجهادية، وخصوصاً الموجودة في شبه جزيرة سيناء، وتفادي نشوب عنف بين إسرائيل وحماس يمكن أن يتسبب بتحويل الانتباه عن المشكلات الأساسية التي تعانيها الكتلة السنية، وهي الإسلام الجهادي، والإخوان المسلمين، وإيران، والإضرار بقدرة هذه الدول على مواجهتها، وأيضاً بالتعاون مع إسرائيل، وأخيراً ترميم مكانة مصر الحالية في العالم العربي من خلال استئناف دورها المركزي في المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية. وتابع أنه في مرحلة أولى نجحت مصر في تحقيق هدف إبعاد حماس عن الإخوان المسلمين وعن المجموعات الجهادية عندما نشرت حماس ورقتها السياسية الجديدة التي قطعت فيها العلاقة مع حركة الإخوان المسلمين، وتعهدت بوقف الصلات مع المجموعات الجهادية التي تنشط في سيناء، وبالتعاون مع مصر في محاربتها. وفي مرحلة ثانية جرى التوصل في القاهرة إلى اتفاق مصالحة بين فتح وحماس. وأشار إلى أن حماس اضطرت إلى الموافقة على هذا الاتفاق بسبب تفاقم الوضع في قطاع غزة في أعقاب الخطوات التي اتخذتها السلطة. كما أثر على حماس اعتمادها على مصر التي تسيطر على المخرج الوحيد للقطاع الذي لا يخضع لسيطرة إسرائيل، وكذلك تفاقم النزاع بين الدول السنية بزعامة السعودية وقطر مما أدى إلى قطيعة بين حماس والمصدر الأساسي لمساعدتها المالية. كما لعبت التغييرات التي طرأت على زعامة حماس دوراً مهماً، فقد انتُخب إسماعيل هنية رئيساً للمكتب السياسي للحركة بدلاً من خالد مشعل، وانتُخب يحيى السنوار من الذراع العسكرية زعيماً للحركة في قطاع غزة. وكانت النتيجة عملياً انتقال مقر قيادة حماس إلى غزة وتحول السنوار إلى شخصية مهيمنة. وبخلاف التقديرات التي سادت إسرائيل بعد انتخاب السنوار، والتي مفادها أن هذا الانتخاب معناه سيطرة الذراع العسكرية على الذراع السياسية، وانتهاج السنوار سياسة أكثر كفاحية، فإن شخصيته المهيمنة تسمح عملياً للذراع السياسية بفرض إرادتها على الذراع العسكرية. وتجلى ذلك في تصريح السنوار بأنه "سيكسر عظام" الذين يعارضون خطواته. ولقد تبنى السنوار سياسة براغماتية وعقلانية، ووفقاً لتحليله للوضع فإن مفتاح حل مشكلات غزة موجود في مصر وليس في إيران، وهو يتصرف تبعاً لذلك.

خاتمة

يشكل اتفاق المصالحة بين فتح وحماس وإمكان توحيد السلطتين نقيض المصالح الإسرائيلية التي تبلورت منذ الانقسام عام 2007، والتي أشرنا اليها في مقدمة هذه الورقة. فإسرائيل تفضل حالة الانقسام الفلسطيني للكثير من الأسباب التي تصب في مصلحتها، وخاصة مصلحة اليمين المتطرف الذي يحكم إسرائيل اليوم. وواضح من خلال متابعة ردود فعل الحكومة الإسرائيلية وخاصة رئيس الحكومة نتنياهو أن رد فعله لا يزال هادئا نسبيا مقارنة مع مرات سابقة، خاصة وأن نتنياهو كان يستغل أحداثا أصغر بكثير من هذا الحدث للتحريض على الفلسطينيين، لكنه هذه المرة اكتفى ببيان رسمي دبلوماسي وصدّ كل محاولات وزراء الليكود و"البيت اليهودي" للخروج بخط متشدد أكثر تجاه اتفاق المصالحة. والتفسير لذلك هو أن اتفاق المصالحة يندرج على ما يبدو، ونتنياهو يفهم ذلك، ضمن تقاطعات مصالح إقليمية ودولية وهي ما أشار اليها كتاب وسياسيون إسرائيليون كما بينا في هذه الورقة، وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية هذه فرضت نفسها على لهجة وحدة الرد الإسرائيلي على اتفاق المصالحة.

 

1.
 عاموس هرئيل، " غزة: اندلاع الحرب على الرواية"، هآرتس، 4/8/2014. 
2.
 Israel Hasson, "Did Bibi choose to preserve Hamas to avoid talks with Abbas", Al Monitor, 21/8/2014. 
3.
 كاتب إسرائيلي يكشف تحفظات نتنياهو على المصالحة الفلسطينية، موقع عربي 21، 15/10/2017، أنظر الرابط: http://arabi21.com/story/1041652/%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B9%D9%86-%D8%AA%D8%AD%D9%81%D8%B8%D8%A7%D8%AA-%D9%86%D8%AA%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%87%D9%88-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84. 
4.
 جاكي خوري وباراك رابيد، مصادر فلسطينية: حماس التزمت بعدم إطلاق صواريخ على إسرائيل أو القيام بعمليات، هآرتس، 16/10/2017، ص: 10. 
5.
 باراك رابيد، نتنياهو: لن نعترف بالمصالحة، ولكن لن نقطع العلاقة مع السلطة، هآرتس، 17/10/2017، ص: 5. 
6.
 زلمان شوفال، رغبة ترامب والواقع الفلسطيني، يسرائيل هيوم، 16/10/2017، ص: 24. 
7.
 موشيه ارنس، ما الجديد في غزة، هآرتس، 16/10/2017، ص:2. 
8.
 المصدر السابق. 
9.
 هآرتس، افتتاحية، 13/10/2017 
10.
 الون بن دافيد، لا يوجد أمل: حماس لن يسلم سلاحه لأبو مازن، معاريف، 7\10\2017، أنظر الرابط: http://www.maariv.co.il/journalists/Article-601805 (اخر مشاهدة 15\10\2017). 
الجمعة, فبراير 23, 2018

مركز مدار

المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، هو مركز بحثي مستقل متخصص بالشأن الإسرائيلي، مقره في مدينة رام الله. تأسس في  العام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين، من بينهم: الشاعر الكبير الراحل محمود درويش، د. ليلى فيضي، د. علي الجرباوي، د. أحمد حرب، وليد الأحمد، وأكرم هنية. تم تسجيل المركز كجمعية أهلية غير ربحية.

القائمة البريدية