عقد المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية "مدار"، بالتعاون مع مركز كارتر، الجلسة الثانية ضمن برنامج الطاولة المستديرة، بعنوان "تحوّلات مكانة إسرائيل في المشهد السياسي الأمريكي"، في مركز القطان الثقافي برام الله. وبحثت الجلسة تراجع الإجماع التقليدي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري حول دعم إسرائيل، ودور التحوّلات في الرأي العام والعمل الشعبي المنظّم في إعادة تشكيل النقاش السياسي الأمريكي بشأن فلسطين.
قدّمت الورقة الرئيسية زها حسن، المحامية الحقوقية والباحثة الأولى في برنامج الشرق الأوسط بمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وعقّب عليها كلّ من جورج زيدان، الممثل القطري لمركز كارتر في فلسطين، وإيناس عبد الرازق، المديرة المشاركة للمؤسسة الفلسطينية للدبلوماسية العامة.
ركّزت حسن على الطابع البنيوي والجيلي للتحوّلات في المواقف الأمريكية تجاه إسرائيل، موضحةً أن هذه التحوّلات سبقت الحرب على غزة، وأن الحرب أسهمت في تسريعها وتعميقها. وأشارت إلى أن تنامي التعاطف مع الفلسطينيين وتزايد انتقاد السياسات الإسرائيلية لا يقتصران على الناخبين الديمقراطيين، بل يمتدّان إلى قطاعات من الشباب الجمهوريين والإنجيليين، الذين شكّلوا تقليديًا جزءًا مهمًا من القاعدة الداعمة لإسرائيل.
وبيّنت حسن أن التغيّر في الرأي العام بدأ يجد تعبيرًا داخل المؤسسات السياسية، من خلال اتّساع النقاش في الكونغرس حول نقل الأسلحة إلى إسرائيل، وتزايد استعداد أعضاء منتخبين لتحدّي سياساتها ومساءلة الدعم الأمريكي لها. كما تناولت اتّساع المساحة المتاحة أمام المرشحين لانتقاد إسرائيل والدفاع عن حقوق الفلسطينيين، معتبرةً أن هذه المواقف لم تعد تؤدّي بالضرورة إلى خسارة انتخابية.
وربطت حسن هذه التطوّرات بتنامي وعي الناخبين بالعلاقة بين الإنفاق الأمريكي في الخارج والاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية داخل الولايات المتحدة، وبازدياد النقد لإسرائيل بين قطاعات من اليهود الأمريكيين. وخلصت إلى أن التحوّلات الجارية أعمق من أن تُختزل في موقف من حكومة إسرائيلية بعينها، أو أن تزول بمجرد تغيّر القيادة السياسية في إسرائيل.
من جانبه، تناول زيدان أهمية انتخابات التجديد النصفي الأمريكية لعام 2026 والمسار الانتخابي اللاحق داخل الحزب الديمقراطي في تحديد اتجاه السياسة الأمريكية تجاه فلسطين وإسرائيل. وأوضح أن القضية الفلسطينية أصبحت أحد خطوط التمايز بين التيارين التقليدي والتقدّمي داخل الحزب، وأنها تتقاطع بصورة متزايدة مع النقاش حول تكاليف المعيشة والرعاية الصحية والهجرة وتأثير المال في السياسة، بما في ذلك دور جماعات الضغط الداعمة لإسرائيل.
وأشار زيدان إلى أهمية السباقات الانتخابية في عدد من الولايات، ومنها ميشيغان وويسكونسن وماين، بوصفها اختبارات لقدرة المرشحين الداعمين لحقوق الفلسطينيين على الفوز خارج الدوائر الديمقراطية الآمنة. وشدّد على أن اتّساع الخطاب المؤيّد للفلسطينيين لن يكون كافيًا ما لم يتحوّل إلى سياسات ملموسة، مثل تقييد نقل الأسلحة الهجومية إلى إسرائيل، والاعتراف بدولة فلسطين، واستئناف تمويل وكالة «الأونروا»، واتّخاذ تدابير تجاه الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمستوطنات.
وفي تعقيبها، أكّدت عبد الرازق أن التحوّلات في الرأي العام الأمريكي لا يمكن فهمها بوصفها تطوّرًا تلقائيًا أو منفصلًا عن العمل السياسي والمجتمعي. وبيّنت أنها تستند إلى نحو عقدين من التنظيم الشعبي المتواصل، شارك فيه فلسطينيون وعرب أمريكيون وناشطون يهود وحركات ومجموعات متضامنة.
وشدّدت عبد الرازق على أهمية بناء التحالفات بين فئات اجتماعية مختلفة، وتنظيم الحملات والعمل المتراكم داخل المجتمعات المحلية، باعتبارها أسسًا لتغيير المواقف من القاعدة إلى المؤسسات. كما أشارت إلى إمكان الاستفادة من هذه التجربة في تطوير العمل المناصر للحقوق الفلسطينية في مناطق أخرى، بما فيها أوروبا وأمريكا اللاتينية.
وأبرزت المداخلات أن تراجع الدعم غير المشروط لإسرائيل يفتح فرصًا أمام العمل الفلسطيني، لكنه لا يضمن وحده تغيّر السياسة الأمريكية. ويتمثّل التحدّي في ربط التحوّل في الرأي العام والتنظيم الشعبي بمطالب سياسية محدّدة، وآليات تأثير ومساءلة داخل المؤسسات.
وتأتي الجلسة ضمن برنامج الطاولة المستديرة الذي ينفّذه "مدار" لربط البحث المتخصّص بالحوار حول التحوّلات في إسرائيل وعلاقاتها الدولية وتداعياتها على الفلسطينيين، وإتاحة المعرفة اللازمة لتطوير مواقف واستراتيجيات تستند إلى تحليل معمّق.