منذ اليوم الأول للحرب على قطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، اعتقدت إسرائيل أن هجومها العسكري الشامل سيمكنها من فرض أجندة "اليوم التالي" لقطاع غزة. وفي الخطاب السياسي الإسرائيلي، يتعلق "اليوم التالي" للحرب بمركبات أساسية هي: 1) من هي الجهة التي ستدير القطاع وشرعيتها دولياً ومحلياً؛ 2) مستقبل سلاح المقاومة والبنية العسكرية؛ 3) علاقة إسرائيل مع قطاع غزة تشمل إمكانيات فرض احتلال جديد أو العودة للاستيطان؛ 4) إعادة الإعمار وتمويله وشروطه، وهو ما سعت إسرائيل إلى تحويله إلى الملف الأقوى بيدها عبر تدمير غير مسبوق في نطاقه.
على الطريق الواصل بين مدينتي رام الله ونابلس، وتحديداً بعد مستوطنة شيلو، تستوقفك لافتة ضخمة كُتب عليها باللغة العربية: "لا مستقبل لكم في فلسطين"! هذه اللافتة ليست الوحيدة، بل تُنشر نسخ منها في أماكن متفرقة من الضفة الغربية، لا سيما على الطرق الرئيسة المحاذية للمستوطنات الإسرائيلية والتي يعبرها الفلسطينيون يومياً. هذه المشاهد الاستفزازية تثير تساؤلات حول هوية من يقف وراءها والدوافع الكامنة وراء نشر هذه الرسائل التحريضية.
لا يزال القلق يُحكم قبضته على الإسرائيليين في كل ما يتعلق بمستقبل النظام الديمقراطي في دولة إسرائيل في المدى المنظور، إذ لا تزال درجة التفاؤل بينهم حيال هذا الأمر مستقرة عند مستواها المتدني منذ ما يزيد عن نصف عام على خلفية فضائح الفساد الإداري والسلطوي عموماً واستمرار محاكمة رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، منذ نحو 5 أعوام، في عدد من تهم الفساد الخطيرة خصوصاً، إلى جانب استئناف الائتلاف البرلماني الحاكم مساعيه بقوة كبيرة لإنجاز سنّ عدد من القوانين الأساسية التي تشكل صُلب وجوهر "برنامج الإصلاح القضائي" الذي أطلقه هذا الائتلاف في بداية ولايته الحالية، عقب الانتخابات الأخيرة للكنيست الإسرائيلي، ثم اضطر إلى الفرملة وعدم التقدم فيه بسبب حملات الاحتجاج الشعبي الواسعة التي عمّت إسرائيل، ثم بسبب حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة ابتداء من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وعلى مدار 15 شهراً متواصلة.
تبيّن في جلسة لجنة برلمانية خاصة للعمال الأجانب في الكنيست الإسرائيلي، أن قطاع الترميمات في إسرائيل يعاني من شلل تام، وبحثت اللجنة مسألة استقدام عمال من الخارج إلى هذا القطاع. وأقرّت رئاسة اللجنة أن السبب وراء ذلك هو حظر دخول عمال فلسطينيين من المناطق المحتلة منذ بداية الحرب على قطاع غزة يوم 7/10/2023.
أعلن وزير الأمن القومي وزعيم حزب "عوتسما يهوديت" (قوة يهودية) إيتمار بن غفير، انسحابه من الائتلاف الحكومي الإسرائيلي بسبب صفقة تبادل الأسرى مع حماس. ووصف بن غفير الصفقة بأنها "خضوع لحماس"، معتبراً أنها تتضمن إطلاق سراح مئات الأسرى الفلسطينيين وإنهاء العمليات العسكرية.
ومع ذلك، أعرب عن استعداده للعودة إلى الحكومة إذا ما استؤنفت الحرب بهدف حسم النزاع.
خلال عامين من عمر الائتلاف الحاكم، شارك حزب بن غفير في السلطة عبر ثلاثة وزراء، نائب وزير، ورئاسة لجنتين في الكنيست.
تسلط هذه المقالة الضوء على مسيرة الحزب الأكثر تطرفاً في المشهد السياسي الإسرائيلي خلال العامين الماضيين.
يوم الخميس الأخير، السادس عشر من كانون الثاني الجاري، كان الموعد المحدد لالتئام "لجنة تعيين القضاة" الإسرائيلية من أجل انتخاب/ تعيين إسحق عميت، قاضي "المحكمة العليا الإسرائيلية"، رئيساً جديداً لهذه المحكمة، الأمر الذي كان من المفترض أن ينهي أزمة دستورية تتمظهر في شغور منصب الرئيس الثابت لهذه المحكمة وهو ما يعني، كذلك، شغور منصب رئيس الجهاز القضائي الإسرائيلي برمّته، علماً بأن هذا الجهاز يشكّل السلطة الثالثة بين السلطات الدستورية الثلاث في إسرائيل إلى جانب السلطتين التنفيذية (الحكومة) والتشريعية (البرلمان/ الكنيست). لكن، "كان من المفترض" فقط (أن ينهي الأزمة)، لأن مسألة تعيين الرئيس الثابت للمحكمة العليا وللجهاز القضائي (للسلطة القضائية) هي، في الحقيقة، عَرَضُ الأزمة فقط وليست الأزمة بذاتها. فهذه الأخيرة تكمن في إصرار وزير العدل، ياريف ليفين، الذي يشغل منصب رئيس "لجنة تعيين القضاة" أيضاً، بحكم منصبه الوزاري وبمقتضى أحكام القانون الخاص بهذه اللجنة، على المضيّ قُدُماً في مساعيه الرامية إلى "إصلاح" الجهاز القضائي، من خلال إحداث تغييرات جوهرية في بُنيته، منهجيات أدائه وآليات التعيين فيه وكذلك، بالطبع، في العديد من التشريعات القانونية التي تحكم هذه المقوّمات وصولاً، في نهاية المطاف، إلى محاصرة هذا الجهاز، تقليص صلاحياته بصورة حادة ثمّ إخضاعه، بدرجة غير قليلة، لإرادة السياسيين وأحزابهم السياسية، واليمينية منها بشكل خاص.
الصفحة 43 من 372