المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • شيرين يونس

أعلن الجيش الإسرائيلي في الخامس والعشرين من أيلول 2026 استكمال قيادة "الفرقة 98" ومباشرتها المسؤولية عن لوائي عتصيون ويهودا في جنوب الضفة الغربية التابعين أساسًا لما تعرف بـ "فرقة يهودا والسامرة". وقد أثارت هذه الخطوة عددًا من التساؤلات غير أنها كانت مسبوقة بأسابيع من الاستعداد لهذا الاحتمال، بناءً على توجيهات رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي إيال زامير بعد أن حول الفرقة إلى فرقة احتياط تابعة مباشرة لهيئة الأركان العامة في ختام مشاركتها في العمليات العسكرية والاجتياحات في جنوب لبنان.

وتجري عملية تقسيم قيادة الضفة الغربية بين ما يزيد على فرقة واحدة، للمرة الأولى منذ اجتياح عام 2002، الذي عُرِف إسرائيليًا بـ "عملية السور الواقي". وعلى الرغم من أن قيادة الجيش والأجهزة الأمنية سارعت إلى تأكيد غياب إنذارات محددة لوقوع عمليات أو أحداث أمنية تزيد حالة التوتر في الضفة الغربية، فقد فُسِّرت خطوة نقل قيادة "الفرقة 98" ضمن محاولات إعادة تنظيم إدارة القوات الفاعلة في الضفة والتي يبلغ عددها ثلاثًا وعشرين كتيبةً، وكانت قيادتها تقع على عاتق "فرقة يهودا والسامرة" وحدها.

يأتي ذلك إلى جانب زيادة هجمات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين في بلدات الضفة الغربية، والتي تسببت في أحيان كثيرة بالإساءة إلى صورة إسرائيل في المجتمع الدولي، في وقت يُلاحظ فيه أن الجيش يوفر الحماية للمستوطنين. ويضاف إلى ذلك موسم الأعياد اليهودية الذي يشهد انتشارًا واسعًا للمستوطنين والزائرين في الضفة، مع ازدياد عدد المستوطنات الجديدة والبؤر والمزارع الاستيطانية، واتساع الرقعة الجغرافية التي تسيطر عليها. ولا يقل تأثيرًا على ذلك موسم قطف الزيتون، الذي بات يشكل موعدًا متكررًا لتجدد الاعتداءات على المزارعين الفلسطينيين. لكن كل هذه التفسيرات الإسرائيلية قد لا تكون كافية لفهم النية الحقيقية من وراء قرار استخدام فرقة كانت حتى وقت قريب تقود أبرز العمليات العسكرية في الحروب الأخيرة، وتحويلها إلى جبهة أخرى لطالما اعتبرت ثانوية. فهل يحمل القرار إعادة تنظيم مؤقتة أم يعكس تغييرًا في مكانة الضفة الغربية في العقيدة العسكرية الإسرائيلية للمرحلة المقبلة؟

ما هي "الفرقة 98" المعروفة بـ "فرقة النار"؟

هي فرقة نخبوية من المظليين والمشاة كانت تابعة منذ تأسيسها لقيادة المنطقة العسكرية الوسطى، قبل تحويلها إلى فرقة تابعة مباشرة لهيئة الأركان العامة يشرف على نشاطها رئيس هيئة الأركان. وقد تأسست العام 1974 وشاركت في أبرز الاجتياحات البرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة والضفة الغربية. ومن أبرز محطاتها منذ إنشائها وحتى اليوم:

  • خلال الاجتياح الأول للبنان (1982) شاركت "الفرقة 98" في الإنزال البرمائي على نهر الأولي الذي استهدف لواء القسطل التابع لمنظمة التحرير الفلسطينية وحال دون انسحابه إلى بيروت، وصولًا إلى دور فاعل في حصار بيروت.
  • خلال حرب تموز العام 2006 ("حرب لبنان الثانية") قُتل تسعة من جنود الفرقة في قرية الدبل في جنوب لبنان، كما شاركت الفرقة في عمليات وهجمات طاولت مواقع عدة في الجنوب، غير أن لجنة التحقيق الرسمية التي أقيمت بعد الحرب (لجنة فينوغراد) وجهت انتقادات إلى أداء الفرقة.
  • ابتداءً من العام 2013 أُقيم في إطار "الفرقة 98" مزيد من الكتائب بعضها ضمن خدمة الاحتياط كما أُخضعت لقيادتها ألوية ووحدات نخبوية مثل الكوماندوز وماجلان ودوفدوفان وإيغوز.
  • في كانون الأول 2023 قادت "الفرقة 98" عمليات اجتياح خان يونس في جنوب قطاع غزة مع بداية المناورة البرية في القطاع، واستمرت المرحلة الأولى من عمليتها هناك حتى نيسان من العام 2024 (عادت بعد ذلك مرتين خلال تموز وآب).
  • في أيار 2024 اجتاحت الفرقة جباليا في شمال القطاع وكانت مسؤولة عن استهداف مواقع لم يصلها الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر السابقة، كما شاركت الفرقة بعمليات استعادة جثث محتجزين إسرائيليين.
  • في أيلول 2024 نُقلت قوات من "الفرقة 98" إلى جنوب لبنان وشاركت في العمليات العسكرية التي طاولت عددًا من البلدات الجنوبية، ومع سقوط النظام السوري السابق في أوائل كانون الأول من العام نفسه شاركت قوات منها في احتلال الشطر السوري من جبل الشيخ.

في معنى وجود "الفرقة 98" في جنوب الضفة الغربية

توضح المصادر الأمنية الإسرائيلية أن تسلم قيادة "الفرقة 98" مسؤوليات الإدارة العسكرية في جنوب الضفة الغربية مرتبط بموسم الأعياد اليهودية، وقد يمتد إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الإشكالية الأساسية ستبقى على حالها بحكم توسع المستوطنات وزيادة عددها واتساع المساحة التي ينشط فيها الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية، وهو ما قد يدفع لتغييرات جذرية في طريقة إدارة قواته ونشرها.

أما من ناحية الأرقام، فتظهر معطيات الجيش أن "فرقة يهودا والسامرة" نفذت 1500 عملية اعتقال في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال الأشهر الخمسة الأخيرة بينها 320 في أيلول وحده، إلى جانب عشرة آلاف عملية بين اقتحامات وهجمات في البلدات الفلسطينية المختلفة بما فيها جنوب الضفة الغربية الذي يشمل منطقة بيت لحم والخليل وجنوب جبل الخليل. وتضم هذه المنطقة عددًا من المستوطنات الأساسية الكبرى، وتشهد احتكاكات شبه يومية بين المستوطنين والمواطنين الفلسطينيين، وهذه المعطيات تُستخدم لتفسير الحاجة إلى تقسيم قيادة الألوية بين مقرات وقيادات مختلفة، بهدف تخفيف "الضغط" على القيادة الأساسية وإتاحة المجال أمامها للتركيز في مهمات أخرى كالتخطيط والإدارة والتحكم بالمعلومات الاستخباراتية، إلى جانب تعزيز سرعة الاستجابة للتطورات المرتبطة بالأعياد اليهودية والتوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين.

عن التوقيت والأهداف المعلنة وما خفي منها...

يقول الجيش الإسرائيلي إن زيادة عمليات الدهس والطعن التي شهدتها الضفة الغربية خلال الأيام السابقة للإعلان الرسمي عن نقل قيادة "فرقة النار" إلى جنوب الضفة سرّعت القرار المتوقع، لكن ذلك وحده لا يكفي لفهم طبيعة القرار ودوافعه. فجبهة الضفة الغربية اعتبرت إحدى الجبهات الثانوية التي تسارعت فيها الأحداث بعد أحداث "السابع من أكتوبر 2023"، وتظهر معطيات نشرها مركز دراسات الأمن القومي أن تسعين إسرائيليًا بين مستوطنين ورجال أمن، قُتلوا في الضفة منذ "السابع من أكتوبر"، فيما قال تقرير لمنظمة بتسيلم إن 1087 فلسطينيًا قُتلوا بين "السابع من أكتوبر" والثلاثين من حزيران 2026 في الضفة والقدس برصاص الجيش والشرطة والمستوطنين.

وربما يدفع ذلك قيادة الجيش إلى اتخاذ خطوات تحاول من خلالها تعميق القبضة في الضفة الغربية، الجبهة الأقرب جغرافيًا إلى الإسرائيليين، بعد تراجع حدة العمليات العسكرية في قطاع غزة وجنوب لبنان. ويبرز هنا تفاوت واضح بين رؤية الجيش والمؤسسة الأمنية وتلك التي يعبّر عنها المستوى السياسي بشأن الضفة الغربية. ففي حين تقول مصادر سياسية إن التصعيد مُقبل في الضفة وقد يظهر من خلال انفجار الأوضاع الأمنية هناك وتوجه الشارع الفلسطيني نحو المواجهة في ظل التضييق الأمني والسياسي، لا يزال المستوى العسكري يعتقد أن سيطرته الميدانية تحول دون ذلك، وأن تعزيزها سيمنع أي تصعيد بشرط أن يكون ذلك مصحوبًا بإعادة ترتيب قيادة الألوية والاستعانة بفرقة أركان عامة كانت حتى وقت قريب، أداة مخصصة للمعارك الكبرى، وذلك بغية التخفيف عن القوات النظامية وعن الفرقة الدائمة الفاعلة في المنطقة.

أما على الصعيد العملياتي، فقد يعني تسلم قيادة "الفرقة 98" لوائي جنوب الضفة مزيدًا من العمليات المركزة في تلك المنطقة، وتسريعًا لاتخاذ القرارات والتنسيق العملياتي بين اللواءين، إلى جانب زيادة الاحتكاك المباشر والمواجهة أحيانًا مع الفلسطينيين عند الحواجز وفي مداخل البلدات وداخلها. غير أن مصير هذا القرار لا يزال محكومًا بتطورات أساسها سياسي. فالتغييرات التي أحدثتها حكومة اليمين المتشدد في الضفة الغربية، بما في ذلك الإصرار على تطبيق خطة الحسم التي يتبناها الوزير بتسلئيل سموتريتش، وزيادة الاستيطان وعمليات الاستيلاء والهدم، حملت الجيش الإسرائيلي على اتخاذ قرارات تبدو للوهلة الأولى تكتيكية، لكنها قد تتحول إلى خطوات استراتيجية إذا ما أبقت الحكومة الإسرائيلية الجديدة على السياسة نفسها حيال الفلسطينيين، من دون إيجاد أفق لحل سياسي يدفع باتجاه خفض التوتر في الأراضي الفلسطينية.

المصطلحات المستخدمة:

بتسيلم, بتسلئيل

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات