المشهد الإسرائيلي

ملحق أسبوعي يتضمن مقالات صحفية وتحليلات نقدية ومتابعات عن كثب لمستجدات المشهد الإسرائيلي.
  • تقارير، وثائق، تغطيات خاصة
  • 6
  • عبد القادر بدوي

وصلت ديون الدولة الإسرائيلية إلى ثلاث من أكبر شركات الصناعات العسكرية وهي "رفائيل"، "الصناعات الجوية الإسرائيلية" و "إلبيت سيستمز" في أيلول 2026، إلى نحو 17 مليار شيكل، في مقابل طلبيات وعقود أقرتها وزارة الدفاع وشرعت الشركات في تنفيذها من دون أن تتلقى كامل مستحقاتها المالية. وقد جاء الرقم بالتوازي مع نقاش حكومي جديد حول زيادة ميزانية الأمن بعشرات مليارات الشواكل، بعدما ارتفعت أصلًا من نحو 112 مليار شيكل في مقترح الموازنة الأول إلى نحو 143 مليارًا عقب الحرب الثانية مع إيران في مطلع العام الجاري.

تضع الموازاة بين المسارين، وهما تضخم الميزانية من جهة، وتراكم الديون من جهة أخرى، مسألة تمويل الحرب الإسرائيلية في إطار أوسع من الحجم الرسمي لميزانية الأمن؛ فقد استمرت وزارة الدفاع في التعاقد والشراء وتجديد المخزونات وتوسيع خطوط الإنتاج بمعدلات تجاوزت التدفقات النقدية التي وفرتها الخزانة في مواعيد الاستحقاق. ونتيجة لذلك، انتقل جزء من كلفة تمويل المشتريات العسكرية، خلال فترات التأخير، إلى الشركات المنتجة نفسها، حيث باتت هي من تقوم بعمليات شراء المواد الخام وتشغيل المصانع، والدفع للموردين والعاملين، بالإضافة إلى الاقتراض عند الحاجة، في ظل غياب تحويل الأموال المطلوبة من الحكومة. 

وبحسب تقرير نشرته صحيفة "كالكاليست" الاقتصادية التابعة لـ"يديعوت أحرونوت" في 22 أيلول الجاري، بدأت وزارة المالية إعداد تسوية تجارية لديون الشركات الثلاث بعدما وصل حجمها إلى مستوى غير مسبوق، وقد وصفت الصحيفة الوضع القائم بأنه "إطار ائتمان خارج الموازنة" توفره الصناعات العسكرية للدولة عمليًا، بينما تتحمل الشركات أيضًا كلفة تمويل هذا الدين. وفي اليوم التالي، وافقت لجنة المالية في الكنيست على تحويل نحو 15 مليار شيكل إضافية إلى منظومة الأمن، منها 11.75 مليار من الاحتياطي العام ونحو 3 مليارات من بنود أخرى، غير أن التحويل ما يزال مشروطًا بمصادقة اللجنة المشتركة لميزانية الأمن، التي يفترض أن تنعقد بعد انتهاء فترة عطلة "عيد العرش"، وفي حال تم استكمال كافة الإجراءات، سيرتفع حجم الميزانية إلى نحو 158 مليار شيكل.

ارتفاع الديون من 5 مليارات إلى 17 مليارًا!

تشير المعطيات التي توفرها الشركات عن تراكم الدين بسرعة كبيرة خلال أقل من عام ونصف العام، ففي أيار 2025، بلغت مستحقات الشركات الثلاث على وزارة الدفاع نحو خمسة مليارات شيكل، وكانت الوزارة قد أصدرت، منذ 7 أكتوبر 2023، طلبيات بأكثر من 100 مليار شيكل لآلاف الشركات الإسرائيلية العاملة في الصناعات العسكرية ومكوناتها، وقد أرجعت مصادر أمنية جزءًا من أزمة السيولة آنذاك إلى تأخر تحويلات مرتبطة بالمساعدة الأميركية، إلى جانب الحاجة إلى تمويل نحو 5.2 مليارات شيكل من المنح والمخصصات لأكثر من 200 ألف جندي احتياط. وبحسب تقرير "كالكاليست" في أيار 2025، فقد وصل الدين قبل ذلك إلى 7 مليارات شيكل، ثم نجحت الوزارة في خفضه مؤقتًا بنحو 2 مليار شيكل. وبحلول تشرين الثاني 2025، اتسعت أزمة المدفوعات إلى مئات الموردين، ووصل إجمالي ديون وزارة الدفاع لشركات وموردين في السوق الإسرائيلية إلى نحو 10  مليارات شيكل، حيث تركزت المشكلة حينها في الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد على انتظام الدفعات الحكومية للحفاظ على سيولتها، بينما استطاعت الشركات العسكرية الكبرى استيعاب التأخير بدرجة أكبر بفعل حجم نشاطها ومبيعاتها الخارجية.

خلال العام 2026 أخذ الدين تجاه الشركات الثلاث الكبرى وحدها بالارتفاع بوتيرة أسرع؛ ففي نهاية نيسان الفائت، بلغ نحو 13  مليار شيكل توزعت على النحو التالي: 6 مليارات تقريبًا لـ "رفائيل"، و4 مليارات لـ "الصناعات الجوية"، و3 مليارات لـ "إلبيت". وقد ربطت وزارة الدفاع هذا الارتفاع بتسريع المشتريات اللازمة لإعادة بناء مخزونات الذخيرة التي استنزفتها الحرب وبالاستعداد لاستمرار العمليات العسكرية على مختلف الجبهات. في المقابل، ردت وزارة المالية بأن إدارة وزارة الدفاع لأولوياتها داخل الموازنة تقع ضمن مسؤوليتها، واعتبرت حجم الدين سببًا للتساؤل حول إدارة ما تسميه إسرائيل "اقتصاد الأمن". في المقابل، أظهر التقرير أن الشركات واصلت تلقي طلبات شراء جديدة بينما ظل موعد دفع جزء من المستحقات مفتوحًا. كما ارتفع المبلغ بحلول نهاية آب الماضي إلى نحو 15.5  مليار شيكل، كان نصيب "رفائيل" منها وحدها نحو 7 مليارات، وبعد أقل من شهر وصل إلى 17 مليارًا، وهو ما يعني أن حجم الدين تجاه الشركات الثلاث ارتفع بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بما كان عليه في شهر أيار من العام الماضي (2025)، بالتوازي مع زيادات متتالية طرأت على "ميزانية الأمن" نفسها.

تأخير الدفع سابق للحرب والحرب غيّرت حجمه

تأخير وزارة الدفاع مدفوعاتها للصناعات العسكرية ليس ظاهرة جديدة برزت بعد 7 أكتوبر؛ فقد تناول مراقب الدولة الإسرائيلية هذه المسألة في تقرير نشره العام 2024، أظهر أن الوزارة أنهت العام 2022 بدين قدره نحو330  مليون شيكل للصناعات العسكرية الكبرى، بعدما كان الدين قد وصل إلى 1.2 مليار شيكل في نهاية العام 2020. كما وجد أن نحو 36% من المدفوعات بالشيكل للشركات العسكرية الكبرى خلال الأعوام 2020-2022 جرى تحويلها في الربع الأخير من كل عام، حين تتضح الصورة النهائية للموازنة وتحصل الوزارة على الإضافات المتأخرة.

في المقابل، جاءت حرب الإبادة على قطاع غزة، والحرب المفتوحة التي شنّتها إسرائيل على جبهات متعددة، لتوسّع هذه الآلية بدرجة كبيرة، فالفارق بين دين بمئات الملايين قبل الحرب و17 مليار شيكل حاليًا يرتبط بالقفزة في حجم المشتريات، واستنزاف مخزونات الذخيرة، وارتفاع الاعتماد على قوات الاحتياط، وامتداد العمليات العسكرية، ثم الاتجاه إلى توسيع قاعدة الإنتاج المحلي ضمن سياسة "الاستقلال التسليحي"، فقد كانت وزارة الدفاع قد اشترت من الصناعات المحلية بنحو 99.5  مليار شيكل خلال السنة الأولى تقريبًا من الحرب، وهو حجم يعادل عدة سنوات من المشتريات. ومنذ مطلع 2026 وحده، قالت الوزارة إنها نفذت، حتى أواخر آذار، مشتريات محلية تجاوزت عشرة مليارات شيكل، مع تشغيل المصانع العسكرية بورديتين وثلاث ورديات يوميًا.

لهذا يصعب فصل أزمة المدفوعات عن طبيعة الاقتصاد العسكري الذي تشكل خلال الحرب، كما أن مساعي المؤسسة الأمنية للحفاظ على وتيرة إنتاج لا ترتبط بميزانية سنة واحدة فقط، فهي تبرم عقودًا تمتد لسنوات، وعند إقرار "ميزانية الأمن" في آذار 2026، خصّص الكنيست، إلى جانب نحو 143مليار شيكل من ميزانية الدولة، قرابة 22 مليار شيكل من الإنفاق المشروط بالإيرادات، الذي يشمل المساعدات الأميركية ومصادر أخرى، كما منح وزارة الدفاع نحو 82.2 مليار شيكل من صلاحيات الالتزام للسنوات المقبلة.

شركات السلاح تُقرض الدولة

أعلنت "الصناعات الجوية الإسرائيلية"، في آب الماضي، انتقالها في الربع الثاني من العام إلى تدفق نقدي سلبي بلغ 795 مليون دولار، مقارنة بتدفق إيجابي بنحو 170 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي (2025)، ويظهر هذا المعطى الأثر المباشر لتأخير الدفعات في ميزانيات الشركات نفسها. كما جاء ذلك في وقت سجلت فيه الشركة نموًا بنسبة 35% في المبيعات الفصلية، إلى نحو 2.18 مليار دولار، ووصلت محفظة طلبياتها إلى مستوى قياسي يقارب 35 مليار دولار. وقد ربطت الشركة الضغط النقدي، بدرجة أساسية، بدين وزارة الدفاع الذي تجاوز 5 مليارات شيكل.

أما بالنسبة لشركة "رفائيل"، التي تحمل الحصة الأكبر من الدين الحكومي، فقد وصلت مستحقاتها على الدولة في نهاية آب الماضي إلى نحو 7 مليارات شيكل، وقد أشار مديرها العام يوآف تورغمان إلى أن الشركة اضطرت إلى الاقتراض حتى تفي بالتزاماتها تجاه مئات الموردين، لأن الدولة لا تحول أموالها في موعدها، مضيفًا أن النقاش مع الحكومة يشمل آلية لتعويض الشركات عن كلفة تمويل الدين، التي قدرها بنحو مليار شيكل سنويًا، وجاء ذلك كله في وقت حققت فيه "رفائيل" مبيعات فصلية بنحو 5.68 مليارات شيكل، ووصلت محفظة طلبياتها إلى 75.8 مليارًا.

وتمكنت الشركات الثلاث حتى الآن من تحمل جانب كبير من هذا الضغط بسبب توسع أعمالها عالميًا (التصدير)، فقد أعلنت وزارة الدفاع أن صادرات السلاح الإسرائيلية سجلت العام 2025 رقمًا قياسيًا بلغ19.2  مليار دولار، بزيادة تقارب 30% عن العام 2024، وأكثر من ضعفي حجمها قبل 5 سنوات. وشكلت الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي نحو 29% من هذه الصفقات، فيما تجاوزت قيمة الصفقات الحكومية المباشرة عشرة مليارات دولار، حيث تشير بيانات الوزارة إلى أن الطفرة في الطلب الخارجي وفرت للصناعات الإسرائيلية موردًا ماليًا مهمًا في الوقت الذي تتأخر فيه دفعات زبونها المحلي الأكبر.

وعلى الرغم من أن هذه القدرة المالية هي التي سمحت لوزارة الدفاع، حتى الآن، بتركيز تأخير الدفعات لدى الشركات الكبرى ومحاولة حماية الموردين الصغار والمتوسطين من الأثر نفسه، إلا أن الاعتماد على قوة ميزانيات الشركات لن يلغي كلفة هذا التأخير على المدى البعيد، لا سيما وأنه ينقلها مؤقتًا من الخزانة إلى الشركات والمصارف، ويضيف فوائد وتمويلًا مصرفيًا إلى كلفة الطلبيات الأصلية.

موازنة الأمن بين احتياجات الحرب وحدود الخزينة

ترافق تراكم الدين مع خلاف متواصل بين وزارتي الدفاع والمالية حول الحجم الحقيقي للإنفاق العسكري المطلوب، حيث بدأ إعداد موازنة 2026 على أساس 112.3 مليار شيكل صافيًا لوزارة الدفاع، إلا أن الفترة التي أعقبت الحرب الثانية على إيران شهدت إضافة حكومية للموازنة بأكثر من 30 مليارًا، رفعت الميزانية إلى نحو 143 مليار شيكل.

وعلى الرغم من هذه الإضافة، لم تنتهي الخلافات بين الوزارتين؛ ففي تموز الماضي، بنى بنك إسرائيل توقعاته الاقتصادية على افتراض إضافة نحو 15 مليار شيكل أخرى إلى ميزانية الأمن، وحذر من أن الاستجابة لمطلب المؤسسة الأمنية بإضافة 25 مليار شيكل فوق ذلك، ورفع الميزانية إلى نحو 183 مليارًا، سترفع العجز والدين، ويمكن أن تزيد التضخم بما بين 0.2 و0.5 نقطة مئوية قياسًا إلى سيناريو الأساس. 

من جانبها، ما زالت وزارة الدفاع تتمسّك بموقفها القاضي بأن هذه الزيادات تعكس احتياجات عملياتية فرضتها الحرب مثل الانتشار العسكري وعدد جنود الاحتياط، بالإضافة إلى التجديد المستمر لمخزونات الذخيرة وتوسيع الإنتاج المحلي. وقد أشار المدير العام للوزارة أمير برعام في نيسان الماضي إلى أن الدين للشركات نتج عن "نقص التمويل" من وزارة المالية، بالتوازي مع دعوته إلى مواصلة رفع وتيرة إنتاج ذخائر الجو والبر للوصول إلى أقصى درجة من "الاستقلال" في الذخائر والمكونات الحيوية. في المقابل، تنسب وزارة المالية جانبًا من المشكلة إلى طريقة إدارة الإنفاق داخل المؤسسة الأمنية، فقد أكدت في ردها على تقرير وزارة الدفاع، أن هذه الأخيرة تحدد بنفسها أولويات الصرف داخل ميزانيتها، وربطت الأزمة بمستوى الرقابة وإدارة "اقتصاد الأمن". 

من ناحية ثانية، يظهر الخلاف بين الوزارتين في أعداد قوات الاحتياط كذلك، فقد بنت خطط 2026 على الاحتفاظ بنحو 40 ألف جندي احتياط في كل لحظة، بينما اقترب العدد الفعلي في الشهر الحالي (أيلول) من 60 ألفًا. وهو ما يعني أن الخلافات تتعلق أيضًا بكيفية تعريف الاحتياج العسكري وبمدى قدرة الموازنة السنوية على استيعاب منظومة أصبحت تخلق التزامات جديدة بصورة متواصلة، بينما يستمر قسم من التزامات السنوات السابقة في الضغط على السيولة الحالية.

المصطلحات المستخدمة:

مراقب الدولة, يديعوت أحرونوت, الكنيست

المشهد الإسرائيلي

أحدث المقالات